إدارة التنوع الثقافي: من الحفاظ إلى التزكية

  • المحاضرات
  • مارس 6, 2020

قدمت لندوة “التنوع الثقافي والحداثة: حوار بين الأقاليم”

نظمتها اليونسكو في باريس في 6- /5/72004

للثقافة دور أساسي في توجيه سلوك الافراد والجماعات وتشكيل العلاقات بينهم على نحو يساعد، وفقا لطبيعة تلك الثقافة وخصائصها، اما على تعزيز السلوك الرشيد واستتباب السلم والاستقرار وتشجيع حركة التنمية والتطوير واما على الدفع إلى السلوك غير الرشيد واثارة القلاقل والاضطرابات وتكريس التخلف، وليس من العسير تبين ان العديد من القضايا الفردية كالانحرافات الاجرامية والنزعات اللاسوية وكذا القضايا الجماعية سواء المحلية بما وفيها قضايا التنمية والديمقراطية والصراعات الاثنية والطائفية أو الاقليمية / الدولية بما فيها النزاع العربي الاسرائيلي والاحتقان الغربي الاسلامي والتلوث البيئي لها جذورها وابعادها الثقافية والتي يتعين معالجتها قبل ان تتسنى المعالجة الأمثل لتلك القضايا.

        ومؤخرا ازداد الوعي بدور الثقافة بسبب تنامي الوعي البشري عموما ونتيجة لما تمخض عنه تقدم الدراسات الثقافية والانثروبولوجية والنفسية من لفت الانتباه إلى اهمية دور الثقافة في توجيه، ومن ثم امكانية السيطرة علي، سلوك الافراد والجماعات بما فيه سلوكهم السياسي والاقتصادي والعسكري حيث عزز ذلك من الرغبة في التركيز على توظيف الثقافة لتحقيق الاطماع الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية خاصة وان سلاح الثقافة اقل تكلفة وادوم تأثيرا من سلاح القوة العسكرية أو الاقتصادية. وقد نتج عن ذلك ان تحول الصراع في هذا المجال من صراع ديني ثم ايديولوجي وفكري إلى صراع ثقافي شامل.

         والثقافة وهي تمارس ما تقدمت الاشارة اليه من دور بالغ الاثر في مجمل حياة البشر فإنها بدورها تتأثر بعوامل مختلفة منها العوامل غير الثقافية كالعوامل السياسية والاقتصادية ومنها العوامل الثقافية ومنها ما يتعلق بخصائص ومضامين واوضاع الثقافة أو الثقافات المعنية ومنها ما يتعلق بسمات وعناصر أو محددات النظام الثقافي (المحلي والعالمي) ككل وفي مقدمتها التنوع الثقافي.

مفهوم التنوع الثقافي

على المستوى اللغوي العام، تشير عبارة التنوع الثقافي إلى اتسام الثقافة البشرية بسمة التنوع اي كونها تتباين وتختلف كما تتشابه وتتطابق مضمونا وشكلا على نحو يجعلها تتمايز إلى انواع. وبهذا المعنى اللغوي لا تعدو عبارة التنوع الثقافي ان تكون وصفا للواقع الثقافي البشري منظورا اليه من زاوية التباين أو الاختلاف والتشابه أو التطابق على المستوى الجمعي في نفس الزمن اي من جماعة إلى جماعة متزامنة معها، ومع ان هذا التباين أو التطابق الثقافي يمكن ملاحظتهما على مستوى افراد الجماعة الواحدة كما يمكن ملاحظتهما على مستوى الجماعة الواحدة – ككل. في ازمان مختلفة من تاريخها وعلى مستوى الفرد الواحد في مراحل زمنية مختلفة من عمرة الا ان المعنى المتبادر للذهن و- ربما لذلك- المعتبر لغويا لعبارة التنوع الثقافي هو تنوع الثقافة واختلافها من جماعة إلى اخرى متزامنة

اما على المستوى الاصطلاحي فان التنوع الثقافي يرمز إلى مفهوم ظهر مؤخرا وما زال في طور التشكل والتكون. ويستنتج من الادبيات ذات الصلة ان هذا المفهوم، بشكل عام، يتمحور حول التأكيد على ايجابية التنوع الثقافي واهمية استمراره وعلى حق مختلف (انواع الثقافات في حفظ كيانها واحترام اوجه اختلافها وتميزها وحماية صناعاتها الثقافية وضرورة تقنين هذا الحق دوليا، ومن الواضح انه مع ان هذا المفهوم ينبني على، تقريبا ذات المدلول اللغوي العبارة التنوع الثقافي المشار اليه انفا الا انه يتجاوز الطابع الوصفي لذلك المدلول، والذي يكاد يكون محل اجماع لكونه يعكس واقعا قائما، ويضفي عليه بعدا تقييميا وتقنينيا يثير خلافا (نظريا) ما ويصطدم بالواقع الذي شهد ويشهد محاولات وسياسات عملية ادت الى، وأحياناً استهدفت، اضعاف أو اقصاء أو محو ثقافات معينة .

و يتصل برمز “التنوع الثقافي” رمز اخر هو رمز “التعدد الثقافي” حيث كثيرا ما يستخدم الرمزان كمترادفين تقريبا سواء في مدلوليهما اللغويين أو مفهوميهما الاصطلاحيين، بيد ان هناك اتجاه متنام للتمييز بينهما وخاصة في الاستخدام العلمي على اسس مختلفة، ومن تلك الاسس مدى الاختلاف، حيث يشار هنا إلى انه بينما التعدد يشير إلى مطلق الاختلاف أي الاختلاف غير المحدود والذي يحتمل الوصول إلى درجة التناقض المستلزم للاصطدام بين المتعددات فان في المقابل التنوع يشير إلى الاختلاف من نواحٍ بقدر ما يشير إلى التشابه والتطابق (من نواحٍ أخرى) بين الانواع مما يعني ان الاختلاف هنا محدود ولا يستلزم الاصطدام، والشائع في إطلاق وصف الانواع على افراد أو مفردات هو مراعاة أو ملاحظة اشتراكها في أصل واحد أو انتمائها إليه. (النوع في المنطق والنوع في الأحياء).

ومما يتصل بمصطلح التنوع الثقافي مصطلحات من مثل الخصوصية الثقافية والهوية الثقافية والاستثناء الثقافي، فبدون الاقرار بوجود تنوع أو تعدد ثقافي يتعذر الزعم بوجود خصوصيات ثقافية أو هويات ثقافية تبرر مطلب الاستثناء الثقافي.

وقد نشا مصطلح التنوع الثقافي في سياق ثقافي معين اتسم بتنامي تعرض الكثير من الثقافات البشرية للتراجع والاضمحلال وأحياناً الزوال، لعوامل طبيعية أو قسرية، في الوقت الذي بدأت فيه ثقافات معينة تنتشر بسرعة على حساب الثقافات المتراجعة وبدا ان بعضها وتحديدا الثقافة الامريكية الغربية بدأت تفرض هيمنتها على سائر ثقافات العالم على نحو عرض التنوع الثقافي للانحسار وربما، في تقدير البعض، الزوال.

وقد اثار ما يتعرض له التنوع الثقافي، في وجود عوامل اخري، خلافا افرز فريقين: فريق يؤيد دعم اتجاه سيادة أو هيمنة ثقافة ثقافات معينة دون كثير اهتمام بمصير التنوع الثقافي وفريق يدعو إلى ويدعم استبقاء الثقافات وحمايتها وصون التنوع الثقافي.

أهمية التنوع الثقافي

لا يخفى ان الخلاف الدولي الحالي حول التنوع الثقافي يعود، ربما بالدرجة الاولى، إلى دوافع ومخاوف سياسية واقتصادية غير معلنة دائما، ولا شك في اهمية هذه الدوافع والمخاوف ولزوم المعالجة الموضوعية لها من خلال الاطر والقنوات المناسبة في سبيل معالجة الخلاف. بيد انه ليس كل الخلاف حول التنوع الثقافي مرده تلك الدوافع والمخاوف السياسية والاقتصادية اذ ان بعضه يعود إلى الخلاف في تقييم السلبيات والايجابيات المباشرة للتنوع الثقافي.

ولعل من أهم ما قد يطرح من سلبيات للتنوع الثقافي:

  • اختلاف الثقافات يحد من اضطراد العلاقات والتداخل السلس بين المجموعات الثقافية المختلفة، وعلى سبيل المثال فان اختلاف العنصر اللغوي (من الثقافات) كثيرا ما يكون مصدر صعوبة في التواصل و، من ثم، التعارف بين المجموعات الثقافية، كذلك أحياناً يكون مجرد الاختلاف في العقائد أو العادات عاملا مثبطا دون التزاوج بين افراد المجموعات الثقافية المتباينة.
  • اختلاف الثقافات مصدر محتمل لفساد العلاقات بين المجموعات الثقافية من نواح عدة منها ما قد يمثله هذا الاختلاف من مصدر محتمل اضافي للتعارض المؤدي للصدام في وجهات النظر في الامور العامة ومنها ما يتيحه هذا الاختلاف وخاصة في ظل ضعف التواصل من فرص لسوء الفهم والتشويه المقصود للآخر الثقافي.

أما أهم ما ينسب إلى التنوع الثقافي من ايجابيات فتضم:

  • التنوع الثقافي مصدر خصب لإثراء الثقافة البشرية، فكما ان ثقافات الافراد يثريها أكثر التواصل مع الثقافات الفردية المغايرة لها وليس المتطابقة معها فان ثقافة اي جماعة يثريها أكثر التواصل ليس مع ثقافات جماعية متطابقة وانما مع ثقافات جماعية مغايرة لها وهو ما لا يتحقق الا في ظل التنوع الثقافي.
  • قد يكون التنوع الثقافي مهما للحفاظ على التنوع البيولوجي، فقد رصد البعض علاقة ما بين زوال بعض الانواع البيولوجية وزوال ثقافات معينة، وإذا ترجح ضرورة توافر حد أدنى من التنوع التعدد البيولوجي للحفاظ على استمرارية الحياة على كوكبنا هذا فقد يلزم ايضا توافر حد ادني من التنوع الثقافي للإبقاء على زخم التفاعل الثقافي اللازم للإنماء الثقافي.
  • بالإضافة إلى الايجابيات المتمثلة في فوائده العملية ينطوي التنوع الثقافي في حد ذاته على قيمة جمالية تلبي تطلع النفس البشرية السوية دائما إلى الجمال الدي تجده في التنوع وهو ما يفسر لنا ما نلاحظه من نزوع الافراد عموما إلى التنويع الثقافي والذي يتجلى بوضوح أكثر في بعض جوانب أو عناصر الثقافة بمعناها الاوسع- مثل الزي والمعمار.
  • كيفما كان الخلاف المحتمل حول المحصلة النهائية لسلبياته وإيجابياته يبقى التنوع الثقافي يكتسب أهميته أساسا من كونه تعبيرا عن حرية الانسان والجماعات في الابداع (الثقافي والفكري) وحقه في الاختلاف الثقافي والفكري وتجسيدا طبيعيا للتباين البنيوي والتكويني للأفراد.

تحولات التنوع الثقافي: العوامل والتحديات

يبدو انه في البدء لم تكن هناك سوى ثقافة بشرية واحدة وربما بضع ثقافات۔ بدأت تنموا وتتكاثر وتتفرع إلى ثقافات فرعية عدة يستوطن، غالبا على سبيل الانفراد، كل منها في منطقة معينة، ومع ان هذه الثقافات كانت تضمحل وتتواري وتزول مع مرور الزمن لتحل محلها ثقافات اخرى الا انه مرت فترة / مرحلة كان فيها عدد الثقافات التي تنشا وتستجد أكبر من عدد الثقافات التي تتواري وتزول. وقد نتج عن ذلك ان ازداد وازدهر التنوع الثقافي مع تزايد العدد الكلي للثقافات الحية، وإذا ما تخيلنا رسما بيانيا يوضح مسار التنوع الثقافي اتسم منحني التنوع الثقافي في تلك المرحلة بالتصاعد نحو احداثيات اعلا أو اكبر قيمة، وربما تلت ذلك فترة/ مرحلة اتسمت باستقرار حالة التنوع الثقافي واستمرار منحناه على وضع معين لسبب أو اخر من مثل التعادل في عدد الثقافات التي تزول وعدد الثقافات التي تنشا، على ان من الواضح انه حلت مؤخرا فترة/ مرحلة بدا فيها عدد ما يزول من تلك الثقافات أو يندمج في بعضها لتكون ثقافة واحدة يزيد على عدد ما ينشا أو يستجد منها وبدا معه منحني التنوع الثقافي يهبط وينحدر نحو احداثيات ادني أو اقل قيمة مشيرا إلى تراجع أو تناقص التنوع الثقافي مع تناقص العدد الكلي للثقافات الحية.

ولا شك ان التحولات المشار اليها في مسار التنوع الثقافي لها اسبابها وعواملها، ويمكن عزو التحول الاخير والمتمثل في تراجع أو انحسار التنوع الثقافي إلى سببين أساسيين هما السبب الاول تراجع أو توقف العوامل التي كانت تدفع إلى نشوء ثقافات جديدة مثل توقف أو انتهاء النمط الانتشاري من الهجرة السكانية و- السبب الثاني ظهور أو تزايد، أو تعزز دور، العوامل المسببة لإضعاف الثقافات وتعريضها للزوال، ومن بين هذه العوامل الاخيرة.

السلطة السياسية: على مدار التاريخ، ظلت السلطة السياسية بمختلف اشكالها ومراحلها، بما فيها السلطة الامبراطورية والسلطة الاستعمارية والسلطة القطرية أو القومية، تمارس نوعا من التوحيد أو الدمج الثقافي القسري أو التهميش الثقافي لبعض الثقافات الفرعية غير المرغوبة ظنا منها بان من شان مثل هذا التوحيد وبالأحرى التنميط الثقافي ان يعزز من التجانس الثقافي أو الوحدة الثقافية الداعمة لاستمرارية الوضع الراهن ويحد من دور التباين الثقافي في اذكاء المعارضة لها مما يؤمن أكثر استمراريتها. وقد ضعفت وزالت أو الت إلى الزوال ثقافات عدة بسبب السياسات الخاطئة لإمبراطوريات ودول استعمارية وحتى دول قومية، ولست أدري ان كانت توجد احصائية بالثقافات التي تسبب الاستعمار – قديما وحديثا- في زوالها أو تهميشها الا ان من المؤكد ان التدمير الثقافي الذي مارسه الاستعمار يعد أحد اسوا اثاره واكثرها استمرارا وديمومة بعد رحيله.

الحركات الثقافية الإقصائية: ظلت الساحة الثقافية، على مدار التاريخ، تشهد حركات ثقافية لا تعترف بالثقافة المغايرة أو حقها في الوجود ومن ثم تعمل على محاصرتها وتهميشها وأحياناً محاربتها والجد في طمسها ولو بالقوة، وتميزت هذه الحركات في الماضي بانها كانت في الغالب حركات دينية (اي تتمحور حول دين ما سماوي أو ارضي) وقد انضمت اليها لاحقا حركات لا دينية (اي لا تعترف بالدين أو لا ترتكز عليه).

النظام التداولي اللغوي الحديث: منذ ان ظهرت الدولة وتبنت تقديم الخدمة التعليمية وتوفير الوظيفة المعيشية ربطت هذه الدولة. وكذلك فعلت المؤسسات الخاصة ذات الصلة. هاتين الخدمتين في الغالب بلغة واحدة من اللغات المتعددة لمواطنيها مما ترتب عليه اضطرار المواطنين المتحدثين باللغات المحلية الاخرى إلى تعلم هذه اللغة للحصول على الخدمة التعليمية التي يتوقف عليها كثيرا مستقبلهم وللتأهل للوظيفة المعيشية أو الوظيفة العامة، ولان الالتحاق بمؤسسات الخدمة التعليمية عادة ما يكون منذ الطفولة الباكرة فقد ادى توجه الاطفال إلى تعلم لغة المدرسة أو اللغة الرسمية إلى انصرافهم أو صرفهم عن تعلم لغة الام والتي مع مرور الزمن وتعاقب الاجيال اندثرت أو بدأت تندثر بما تحملها من ثقافة خاصة، ومعلوم ان الاستعمار مارس ذات السياسة اللغوية وعلى نحو اضر ضررا بالغا باللغات الوطنية التي اما قضي عليها تماما تقريبا واما وضعها في مسار الزوال التدريجي بان حولها إلى مرتبة ” اللغة الثانية” في موطنها الاصلي!!. ومع انه يمكن تفهم الضرورة التي ادت لان يكون النظام التداولي (اللغوي) الدولي المتبع من قبل المنظمة الدولية ومنظماتها المتخصصة، بما فيها اليونسكو، نظاما تفضيليا يعتمد لغات۔ وغالبا الانجليزية فقط – دون اخرى في مداولاتها ومؤتمراتها وأدبيتها ووثائقها الا ان من المؤكد ان لذلك أثره السلبي على اللغات الغير محظوظة. ومما لا شك فيه ان استمرار الوضع اللغوي الحالي لشبكة المعلومات الدولية (الانترنت والمراجع العلمية والدراسية ستؤثر سلبا في المدى الطويل على وضع اللغات في العالم.

النظام التمدني / التنموي الحديث: مالت عملية التنمية الحديثة في مختلف الدول إلى التركز في مناطق معينة هي المدن أو بالأحرى البعض القليل من المدن وترتب على ذلك تركز الخدمات الأساسية والظروف المعيشية الأفضل نسبيا ايضا في ذات المدن، وتسبب ذلك في ان بدأت المجموعات السكانية تهاجر إلى تلك المدن متحولة بذلك ليس فقط عن مواطنها الاصلية وانما ايضا – ولكن تدريجيا وجزئيا۔ عن لغاتها وثقافاتها الاصلية السائدة في تلك المواطن والتي لم تعد تتناسب مع ثقافة ولغة المدن التي هاجروا اليها. ولم يكن بد، والامر هكذا، من ان تضعف وتؤول إلى الزوال تلك الثقافات مع مرور الزمن.

       بالإضافة إلى العوامل السابقة والتي ظلت تعمل منذ قديم الزمان أو على الاقل منذ بدايات العصر الحديث ظهرت، أو اصبحت، لاحقا أو مؤخرا عوامل تشكل تحديات امام التنوع الثقافي، ولعل من اهم هذه التحديات الجديدة الحداثة والعولمة.

        وقد يبدو غريبا وربما – عند البعض- مستهجنا ادراج الحداثة ضمن قائمة التحديات التي تواجه التنوع الثقافي، والواقع ان الحداثة بمفهومها السليم تعد احدى دعائم التنوع الثقافي ليس فقط باعتبارها ثقافة جديدة وانما ايضا لما لها من دور في تحديث الثقافات لذواتها مما يعينها أكثر على الاستمرار والبقاء، ومعلوم ان الثقافة التي تعجز أو تمتنع عن تحديث ذاتها يطالها الهرم والعجز وتصبح مع مرور الزمن غير قادرة على الوفاء بمهامها ووظائفها مما يدفع ابناءها إلى التخلي عنها وتركها للزوال، بيد ان الاتجاه المتنامي وربما السائد إلى تفسير الحداثة تفسيرا احاديا يقوم على اعتبار الغرب المصدر أو المنبع الوحيد للحداثة واعتبار الليبرالية الغربية المضمون أو المدلول الوحيد الممكن لها يجعلان من الدعوة إلى الحداثة دعوة إلى احلال الثقافة الغربية محل ثقافات العالم ولا يخفي الاثر السلبي لذلك على استمرار التنوع الثقافي، وصحيح ان هذا الاتجاه يعزى جزئيا إلى سوء الفهم أو اختلال التفكير وهو امر ليس من العسير معالجته بيد ان ما قد يتعسر وربما يتعذر علاجه هو ما كان دافعه أو مرده من هذا التفسير أو الاتجاه الرغبة في توظيف الثقافة في الصراع العالمي، كما سبقت الاشارة، اذ ليس من السهل اقناع طرف بالكف عن استخدام سلاح له فيه ميزة نسبية والصراع ما زال قائما.

          وتتباين وجهات النظر حول اثر العولمة على الثقافات والتنوع الثقافي ولعل قدرا من هذا التباين يمكن عزوه إلى التباين في مفهوم العولمة وزوايا النظر اليها، بيد ان من الواضح ان للعولمة أو تصاحبها – فعلا اثار متباينة أو مزدوجة على التنوع الثقافي، فهناك الاثار الداعمة للتنوع الثقافي والتي منها – مثلا ان العولمة، في جانبها التقني، اتاحت وتتيح للثقافات عموما وسائل أفضل للانتشار العالمي؛ وكان لما اتسمت به العولمة، في جانبها السياسي، من تنامي التدخل الدولي في شئون الدول دور في توفير بعض الحماية لبعض الثقافات المحلية التي تعرضت أو تتعرض المحاولات الدمج القسري أو الطمس، وفي المقابل هناك الاثار المخلة بالتنوع الثقافي والتي منها انه نتيجة للتفاوت الكبير بين المجموعات الثقافية في القدرات الفعلية لتوظيف التقنية المصاحبة للعولمة شكلت هذه التقنية مصدر اختلال خطير في التدفق الثقافي لصالح ثقافة المجموعة الاقوى ماديا وتقنيا حتى بدأت هذه الثقافة تسجل داخل المجموعات أو الاقاليم الثقافية الاخرى حضورا اقوى من حضور ثقافاتها وبحيث اصبح تعرض افراد هذه المجموعات لهذه الثقافة المتدفقة من الخارج اكبر من تعرضهم لثقافاتهم الوطنية أو القومية والتي بدأت تتراجع امام زحف الثقافة المتدفقة بقوة من الخارج، وبالمثل فان التفاوت الكبير في ميزان القوة السياسية بين المجتمعات الثقافية شجعت المجموعة الاقوى سياسيا على السعي لتوظيف نفوذها لفرض تغييرات احادية، تتحدد مضامينها أساسا من وجهة نظر ثقافتها، في ثقافات المجتمعات الاخرى وخاصة الثقافات ذات الطابع العالمي والتي ربما تنافس أو تشكل تحديا۔ وفي نظر بعضهم تهديدا لثقافتها، وربما كان الاثر الأكثر اثارة للخلاف حالياً ز خاصة في الدوائر الرسمية وشبه الرسمية هو الاثر القانوني المحتمل للعولمة على الثقافات والنظام الثقافي الدولي و، بالتالي، التنوع الثقافي، ويتمثل هذا الاثر أساسا في قوانين منظمة التجارة العالمية ذات الصلة بالثقافة والتي تنطوي على خطورة حرمان الثقافات الاقل حظا مما تحتاج اليه من دعم عام وحماية قانونية لصناعاتها الثقافية) وخدماتها ومؤسساتها العامة.

إدارة التنوع الثقافي:

         يتضح مما تمهد ان العامل البشري له الدور الاكبر سواء في تحديد قدر أو حجم ونوع ما يتمخض عن التنوع الثقافي من سلبيات وايجابيات أو في تشكيل ما يتعرض له هذا التنوع من تحولات وتغيرات عبر الزمن، وحيث ان هذا الدور البشري يحدده أساسا موقف البشر من التنوع الثقافي وطريقة تصرفهم تجاهه تغدو واضحة اهمية كيفية ادارة البشر للتنوع الثقافي.

           ومن المعتقد انه بالرغم من الجهود المقدرة من قبل بعض الجهات كاليونسكو، فان الطريقة التي تمت وتتم بها ادارة التنوع الثقافي عموما ظلت طريقة غير موفقة. فقد شابت هذه الإدارة الكثير من العيوب والتي تمت سابقا الاشارة إلى بعضها كمحاولات الدمج الثقافي القسري ومحاولات الاقصاء الثقافي، ويمثل الاحتقان الثقافي الحالي بين المجموعات أو الانواع الثقافية ورواج الدعوات والنظريات التي تكرس الصدام الثقافي بعض أبرز المؤشرات المزعجة على الإدارة غير السوية للتنوع الثقافي في زماننا هذا، وتتعدد الاسباب المحتملة لتعثر أو سوء ادارة التنوع الثقافي ولعل من اهمها الافتقار لمقومات الإدارة الحسنة وفي مقدمتها التصور أو التنظير الاداري السليم للتنوع الثقافي.

         ويتوقف حسن التنظير لإدارة التنوع الثقافي على تحديد أو وضوح عوامل عدة من اهمها اولا وضوح واقع التنوع الثقافي واسقاطاته المستقبلية، وثانياً۔ وضوح تقدير الاثار القائمة والمحتملة لذلك الواقع واسقاطاته على التنوع، و- ثالثا- وضوح الغاية أو الاستراتيجية التي يتعين ان تنشدها أو تنتهجها ادارة التنوع الثقافي.

         ولا يبدو ان الإدارة الحالية للتنوع الثقافي تتوافر بشكل كاف على المتطلبات المذكورة انفا لحسن التنظير الاداري.

وضوح الواقع وإسقاطاته:

            يبدو ان التصور أو المفهوم السائد – وربما المعتمد للتنوع الثقافي يبني نظرته الواقع التنوع الثقافي ومستقبله على القول بان التنوع ثقافي يتعرض حالياً للانحسار أو التناقص وربما الزوال بسبب تسارع معدل زوال الثقافات وموتها أو اختراقها وابتلاعها من قبل الثقافة/ الثقافات الاسرع والأوسع انتشارا وهيمنة والعولمة الثقافية، ومما يلاحظ على هذه النظرة التي يتأسس عليها المفهوم السائد التنوع الثقافي:

  • انها نظرة جزئية تنظر للتنوع الثقافي أساسا من زاوية زوال الثقافات القائمة ومن بعد الاختلاف والتباين ولا تكاد تنظر اليه من زاوية ظهور أو نشوء ثقافات جديدة أو من البعد الاخر للتنوع الثقافي بعد التشابه والتطابق، ولعل مرد التركيز على زوال وليس نشوء الثقافات هو الشعور أو الاقتناع بان الثقافات حالياً تزول أكثر مما تنشا أو تزول ولا تنشا وقد يكون هناك سبب اخر نفسي هو انه يبدو ان الانسان بطبعه هلوع خلوع جزوع يثيره الفقد الزوال أكثر مما يثيره الكسب/ النشوء، والارجح ان زوال الثقافات ظاهرة تاريخية قديمة قدم الثقافة البشرية وقد يكون معدل الزوال تسارع مؤخرا الا ان:
  • أولا: عدم وجود أو توافر قاعدة بيانية شاملة بحركة الثقافة، نشؤا وزوالا، عبر التاريخ البشري يجعل من الصعوبة بمكان التأكد تماما مما إذا كان معدل الزوال الحالي للثقافات معدلا غير مسبوق في التاريخ البشري.
  • وثانياً: ليس من المتوقع استمرار التسارع الحالي في معدل الزوال الذ انه كما كان التراكم عدد الثقافات، في مرحلة تكاثر الثقافات، حد اعلا توقف عنده التراكم يرجح، لأسباب عدة سبقت/ ستاتي الاشارة إلى بعضها، ان يكون لتناقص عدد الثقافات، في المرحلة الحالية، ايضا حد ادني لا يتجاوزه التناقص، ومن جانب اخر إذا ما اخذنا في الاعتبار ان ملاحظة زوال الثقافات والحضارات ايسر للإنسان من ملاحظة نشوء ثقافات وحضارات جديدة لان عموما مراقبة الموجود/ المعلوم اسهل من مراقبة غير الموجود/ المعلوم، وانه في الظروف العادية يأخذ نشوء ثقافة أو حضارة جديدة وقتا اطول من المدى الزمني لملاحظة الجيل الواحد من البشر، كما انه يبدو ان الثقافات الجديدة أو الناشئة لم تعد تتميز كما كانت في الماضي بإقليم أو منطقة جغرافية معينة أو بفروق ثقافية واضحة تسهل ملاحظتها فانه ليس من المستبعد تماما ان يكون تقديرنا الحالي لحجم نشوء الثقافات الجديدة حالياً غير دقيق، وكل ذلك يقدح في مدى صحة أو سلامة تركيز المفهوم السائد للتنوع الثقافي على زوال الثقافات دون نشوئها (وهذا التركيز المخل ترتب عليه – كما سنرى لاحقا۔ تركيز مخل مماثل في ادارة التنوع الثقافي).
  • يلاحظ على القول بان التنوع الثقافي يتعرض للانحسار أو يتهدده الزوال:
  • أولاً: انه قول مبني أساسا على ملاحظة ما يجري من تراجع أو تناقص لنمط أو مظهر معين من التنوع الثقافي هو التنوع الثقافي الجماعي الاقليمي اي تمايز الثقافة البشرية إلى ثقافات جماعية تميل كل منها إلى التمركز وربما الانعزال في منطقة أو اقليم جغرافي معين، وهي ملاحظة صحيحة ولكنها تبدو ناقصة ما لم يؤخذ في الاعتبار ان تراجع التنوع الثقافي يقتصر على نمط أو مظهر معين من التنوع الثقافي هو التنوع الثقافي الاقليمي وان هذا التراجع للتنوع الثقافي الاقليمي يصاحبه تنامي انتشار مظهرين اخرين للتنوع الثقافي هما التنوع الثقافي الفردي والتنوع الثقافي الجماعي داخل كل اقليم ثقافي على حدة، ويعود تنامي التنوع الثقافي الفردي إلى عوامل لعل من اهمها تنامي الحريات الثقافية (مع تضاؤل الضغط الثقافي الجماعي) وازدياد كثافة التواصل الثقافي (مع استمرار ثورة تقنية الاتصالات) و، ربما، تسارع حركة الابداع الثقافي والفكري، ولان الافراد المتماثلين ثقافيا، اي ينتمون إلى نوع ثقافي واحد، عادة ما يميلون إلى التجمع، من الطبيعي ان يصحب أو يعقب تنامي التنوع الثقافي الفردي تنامي نمط معين من التنوع الثقافي الجماعي القائم على الاختيار وليس على مجرد التقليد الثقافي الاجتماعي، ونتيجة لهذا النوع من التنوع الثقافي الجماعي الاختياري بالإضافة إلى تنامي هجرة الجماعات الثقافية من اقاليمها الاصلية إلى مختلف الاقاليم الاخرى زاد معدل التنوع الثقافي الجماعي داخل كل اقليم من الاقاليم الثقافية التي كانت في السابق شبه مغلقة على ثقافة معينة. ولعله ليس من العسير ملاحظة انه – على سبيل المثال- كما تناما وجود أو حضور الثقافة الغربية داخل اقليم الثقافة الاسلامية تناما ايضا، وان بدرجة مختلفة، وجود أو حضور الثقافة الاسلامية داخل اقليم الثقافة الغربية.
  • ثانياً: تغفل مقولة زوال التنوع الثقافي انه وان كان التنوع الثقافي له مصادر بيئية ربما زالت بعضها۔ كالهجرة الانتشارية. وتجددت بعضها الاخر الا ان سببه الأساسي يكمن فيما فطر عليه البشر من الحرية والقدرة على الاستجابة بطرق مختلفة لذات المؤثرات الخارجية البيئية، وهاتان الميزتان، اي الحرية والقدرة، وان كان يمكن الحد منهما كما يمكن تعزيزهما الا انهما تتمتعان بقدر من الحصانة الكفيلة يمنع امكانية سلب أو تجريد اي انسان منهما تماما، وخاصة فيما يتعلق بالثقافة النظرية، الا بقدر ما يمكن سلبه حياته، ومن هنا فان الارجح هو ان البشر سيظلون يتفاعلون ثقافيا بطرق تؤمن دائما قدرا من التنوع الثقافي.
  • تعطي النظرة انطباعا بان العولمة أو الهيمنة الثقافية ستقضي تماما على التنوع الثقافي، ولعل في ذلك شيء من التضخيم أو المبالغة:
  • أولاً: مهما قدر لاي ثقافة ان تهيمن على وسائل الاتصال وسوق العرض الثقافي أو الصناعات الثقافية فان هيمنة هذه الثقافة على عقول البشر أو ثقافاتهم لا يمكن ان تكون هيمنة مطلقة وذلك لما تقدم عن حصانة حرية وقدرة البشر على الاستجابة المختلفة للمؤثرات الثقافية، واستطاعتهم التمسك بخياراتهم الثقافية رغم الضغوط الخارجية سواء المادية أو المعنوية وهو ما يؤكده التاريخ، ولان البشر عندما يتحولون إلى ثقافة غير ثقافتهم عادة ما لا يتجردون تماما، شاءوا ام ابوا، عن ثقافتهم الاولى والتي ليس فقط تتأثر ب وانما تؤثر ايضا في الثقافة القادمة بان تحور بعض مضامينها وتضيف اليها مضامين اخري ليكون الناتج ثقافة هجينة تختلف عن الثقافة القادمة باختلاف الثقافات الاصلية، ولان ما سيهيمن فعلا ليس هي الثقافة القادمة وانما هي هذه الثقافات الجديدة (الهجينة) والتي وان كان يجمع بينها ما تحملها من عناصر مشتركة من الثقافة القادمة الا انها تختلف عن بعضها البعض باختلاف الثقافات الاصلية من الواضح ان اثر ذلك على التنوع الثقافي سيكون اثرا مزدوجا.
  • ثانياً: هناك اقتناع واسع بان الثقافة المرشحة للهيمنة وهي الثقافة الامريكية الغربية ستهيمن ليس لأنها الأفضل مطلقا أو بفضل قوتها الذاتية وانما أساسا بفضل القوة السياسية والاقتصادية والتقنية والعسكرية لمجتمعها، والواقع انه وان كان صحيحا ان ثقافة المجتمع أو الجماعة الاقوى هي التي يكون لها في الغالب الحظ الاكبر في السيادة الا ان من المؤكد ان دور قوة المجتمع الجماعة في بسط ثقافته على الغير دور محدود، والتاريخ يشهد انه في حالات كثيرة استطاعت ثقافات ان تقاوم وتصمد بنجاح امام ثقافة المجتمع أو الجماعة الاقوى، بل هناك حالات تغلبت فيها ثقافة الطرف الاضعف – بالمعايير غير الثقافية – على ثقافة الطرف الاقوى، ومعلوم ان ثقافات من مثل الثقافة الاسلامية ومن قبلها الثقافة المسيحية ومن بعدها ثقافة التنوير كانت تتبناها عند نشأتها جماعات اضعف من مجتمعاتها التي كانت تحتكر تقريبا مصادر القوة وتتبنى ثقافات مقابلة (الثقافة الوثنية / الظلامية) ولكنها سادت على ثقافات تلك المجتمعات، وهناك شواهد تاريخية، وان تبدو نادرة، تحولت فيها الجماعات الاقوى أو رموزها عن ثقافاتها إلى ثقافة الجماعات التي تحت سيطرتها العسكرية (تحول المغول الذين كانوا يحتلون المجتمع الاسلامي عسكريا عن ثقافتهم إلى الثقافة الاسلامية وتحول القبائل التي كانت تحتل روما عسكريا عن ثقافتها إلى ثقافة روما المسيحية)، ويضاف إلى ذلك انه بينما لجاذبية الثقافة ومجتمعها دور كبير في انتشار تلك الثقافة فان من الواضح ان السياسات الخارجية الامريكية الغربية الحالية اصبحت تفقد المجتمع الامريكي الغربي وكذا الثقافة الامريكية الغربية المرشحة للهيمنة. الكثير مما كان لهما من جاذبية وذلك رغم محاولات التجميل ومساعي العلاقات العامة الرسمية التي يبذلها الجانب الامريكي، ومن المرجح ان ذلك سيحد من قدرة الثقافة الامريكية على الانتشار والهيمنة.
  • ثالثاً: عادة لا تخلو اي ثقافة من تنوع ما وان ما حدث من تداخل وتلاقح الثقافات عبر التاريخ، نتيجة عوامل عدة، قد زاد أكثر من التنوع أو احتمالات التنوع داخل كل ثقافة على حدة واسفر عن تكون ما يمكن اعتباره بذورا لثقافات اخرى داخل معظم الثقافات وخاصة الاوسع انتشارا، ومن هنا ليس من المرجح ان يزول كما يخشى البعض- التنوع الثقافي ان قدر لإحدى هذه الثقافات ان تسود العالم، وسواء ان كانت الثقافة المهيمنة أو المرشحة للهيمنة حالياً في الثقافة الغربية عموما أو الثقافة الامريكية خصوصا فان من الواضح ان أياً منهما لا تخلوا من تنوع وتباين في مكوناتها أو عناصرها يصل أحياناً درجة التناقض بل التصادم.
  • رابعاً: ان هيمنة الثقافة الامريكية/ الغربية وان بدت قاب قوسين أو ادني ليس قدرا محتوما كما يصور البعض وان تحققها لن يكون بمجرد قوتها الذاتية أو ارادة اهلها، كيفما كانت قوتهم المادية، بل سيظل رهنا بطبيعة استجابة اصحاب الثقافات الأخرى.

ولعله يصح القول بناء على مجمل ما تقدم ان الثقافة البشرية قدرها التنوع وليس من المرجح ان تنفك عن هذا القدر ويزول عنها التنوع لاي من الاسباب المطروحة أو التطورات الثقافية المنظورة. وان ما يحدث اليوم هو في الواقع تحول في مظاهر أو انماط التنوع الثقافي ومن غير الصواب إطلاق القول بان التنوع الثقافي في حالة انحسار أو القول بانه مهدد بالزوال، ومما يعنيه دلك ان تصور المفهوم السائد للتنوع الثقافي الواقع التنوع الثقافي واسقاطاته أو تطوراته المحتملة لا يعد تصورا شاملا ودقيقا.

تقدير الاثارة:

ينظر المفهوم السائد للتنوع الثقافي إلى ما يشهده هذا التنوع من تحول على انه تحول سلبي، ويستند هذا التقييم السلبي إلى ملاحظة سلبيات وأضرار ما ينطوي عليه هذا التحول من زوال ثقافات، وانكماش أو زوال التنوع الثقافي أو النمط السائد منه، وهيمنة ثقافة أو ثقافات معينة.

زوال الثقافات: صحيح ان زوال الثقافات لا يخلو من أضرار بيد ان زوال الثقافات يعد ليس فقط امرا طبيعيا، لكون الثقافات نتاجات بشرية ومن ثم محدودة الاجل أو الاستمرارية بالضرورة، وانما ايضا امرا مرغوبا أحياناً لأنها انما تزول إذا اختلت اختلالا كبيرا يقعد بها عن الوفاء بوظائفها التي وجدت من اجلها، وكل ثقافة لم تعد قادرة على اداء الوظائف التي وجدت من اجلها وتعذر تجديدها تربو أضرار استمرارها على أضرار زوالها ويصبح من الأفضل زوالها خاصة وانه يمكن الحد من أضرار زوالها.

وكما له أضرار وسلبيات فان لزوال الثقافات ايضا فوائد وايجابيات ربما من أبرزها الاسهام المحتمل في تعضيد القواسم الثقافية المشتركة والتقليل من حدة التنافر الثقافي، ولا بد من الاخذ في الاعتبار مثل تلك الفوائد والايجابيات عند تقييم أثر زوال الثقافات، وعموما يمكن القول ان التاريخ قد شهد زوال ثقافات كثيرة لسبب أو اخر بيد ان الثقافة البشرية، اجمالا، واصلت حركة تطورها ولعلها اليوم أحسن وضعا مما كانت عليه في اي وقت مضى من التاريخ المعروف لنا. وربما لولا قابلية الثقافات للزوال لما تسنى استبدال ثقافات جديدة أكثر تطورا بها ولتعسر بالتالي أكثر تطوير الثقافة البشرية.

زوال التنوع الثقافي: سبق التوضيح بان زوال التنوع الثقافي امر غير مرجح ولعله غير وارد بتاتا، وبالتالي فان التخوف الزائد من أضرار زوال التنوع الثقافي لا يعدو ان يكون نوعا من التشاؤم غير المبرر.

ولا تحسب ان انحسار أو زوال نمط التنوع الثقافي الجماعي الاقليمي السائد، والأكثر تعرضا للزوال حالياً سيشكل فقدا كبيرا إذا ما تذكرنا ان استمرار هذا النمط من التنوع قائم أساسا على التنشئة الثقافية التي تفرض وتكرس التقليد الثقافي وتنزع إلى تقييد الحرية الثقافية والابداع الثقافي الفردي المغاير لمعايير الثقافة السائدة في الاقليم المعني وهو ما تسبب وما زال يتسبب في اضطرار الكثيرين إلى مغادرة اقاليمهم الثقافية إلى اقاليم ثقافية اخرى، وان كان وجود اسباب أو دوافع اخرى غير مستبعد تماما في كل الحالات فان ما بدا يبرز أكثر مؤخرا من هروب بعض المثقفين ولجوئهم إلى اقاليم ثقافية اخرى يعكس بعض ماسي هيمنة هذا النمط من التنوع الثقافي الاقليمي ولعله لن يكون بعيدا عن الصواب القول بان تحرير الحرية الثقافية والابداع الثقافي الفردي من سطوة التقليد الثقافي وضغوط الاقليم الثقافي هدف نبيل يبرر كل ما كان ضروريا لتحقيقه.

ثم ان ما كان من أضرار ناتجة عن انحسار زوال نمط أو مظهر معين (الجماعي الاقليمي) من مظاهر التنوع الثقافي أو انكماش التنوع الثقافي عموما لا ينبغي ان تقيم بمعزل عن فوائد تنامي مظاهر اخرى من التنوع الثقافي (الفردي والجماعي الاختياري) وما قد تكون الانكماش التنوع الثقافي من فوائد محتملة كالتقارب الثقافي. ولعل هذه الفوائد تستحق تحمل ما لابد منها من تلك الأضرار والتي نعتقد انه يمكن التقليل منها بوسائل واساليب شتى.

سلبيات الثقافة المرشحة للهيمنة: تقدم الترجيح بان الهيمنة الثقافية المحتملة هي هيمنة محدودة، ويقتضي هدا الترجيح اعادة النظر في بعض ما يطرح من سلبيات بالغة محتملة للهيمنة أو العولمة الثقافية من مثل توقع زوال التنوع الثقافي، ومما ينبغي اخده في الاعتبار:

  • ان سلبيات الثقافة/ الثقافات المرشحة للهيمنة قد لا تكون اسوا كثيرا من سلبيات الثقافات المنحسرة و- فرضا – ان كانت كذلك قد تكون الايجابيات المرافقة لها ايضا أكبر كثيرا من ايجابيات الثقافات المنحسرة.
  • ان – ولعله الاهم – سلبيات الثقافات المهيمنة أو المرشحة للهيمنة ليست على الاقل كلها، سلبيات لا يمكن تفاديها أو معالجتها.

لعل في ما سبق ما يكفي لتوضيح ان تقييم المفهوم أو التصور السائد للتنوع الثقافي للتحول الذي يشهده هذا التنوع تقييما اجماليا سلبيا لا يعدو ان يكون تقييما اجتهاديا يقوم على اسس / توقعات لا تبدو كلها دقيقة وربما لم يقدر هذا التقييم ايجابيات هذا التحول حق قدرها، والارجح ان تقييم هذا التحول سيظل في الغالب اسير الخلفيات الثقافية واختلاف مواقع (ومن ثم مكاسب) الثقافات من هذا التحول، بيد ان مما لا ينبغي ان يغيب عن الاذهان ان أياً من الايجابيات أو السلبيات المنسوبة لهذا التحول في التنوع الثقافي ليست كلها حتمية الحدوث بل للطريقة التي يدار بها هذا التحول اثره في تحقق أو انتفاء حدوثها. ومما يعنيه ذلك ان مدى ايجابية أو سلبية الحصيلة النهائية لهذا التحول الثقافي سيكون رهنا بطبيعة تفاعل الناس مع هذا التحول وطريقة ادارتهم له.

الغاية الاستراتيجية:

يستنتج من المفهوم السائد للتنوع الثقافي والذي يرفع شعار الحفاظ على التنوع الثقافي ان الغاية العامة أو الاستراتيجية الأساسية التي يتعين ان تتغياها ادارة التنوع الثقافي في الحفاظ على التنوع الثقافي، وتنبني هذه الاستراتيجية على القول بان التنوع الثقافي عموما و/ أو النمط القائم منه و/او ما يتضمنه من ثقافات معينة امر مرغوب فيه وانه يتعرض حالياً لخطر الانحسار أو الزوال وما يترتب عليهما من أضرار.

ويتضح مما سبق ان المقولات الافتراضات التي تأسست عليها هذه الاستراتيجية – استراتيجية الحفاظ هي ذات المقولات الافتراضات التي تضمنت المناقشة السابقة لها ملاحظات عليها، بيد انه ليس تلك الملاحظات وحدها – على اهميتها وربما كفايتها – هي ما يضع مدى ملاءمة استراتيجية الحفاظ لإدارة التنوع الثقافي أو المرحلة الحالية منه موضع التساؤل بل هناك ملاحظات اخرى يمكن الاشارة إلى بعضها على النحو التالي:

  • ان اللجوء إلى استراتيجية الحفاظ تجاه شيء أو امر ما ينطوي على افتراض ضمني بأفضلية هذا الشيء باعتباره الأفضل مطلقا أو أفضل ما يمكن، ويعني ذلك ان الاستراتيجية تفترض اما أفضلية أو مرغوبية التنوع الثقافي مطلقا اي في حد ذاته وبغض النظر عن مضامينه ومفرداته وانماطه واما أفضلية التنوع الثقافي القائم باعتباره أفضل ما يمكن.

و الواقع ان التنوع الثقافي ليس مرغوبا في حد ذاته ولا يشكل غاية في حد ذاته وانما تعود مرغوبيته إلى ما له من ايجابيات وفوائد تزيد وتنقص باختلاف حالات واوضاع التنوع ولذلك فان التنوع الثقافي وان كان مرغوبا عموما الا انه ليس كل اشكال وانماط ومفردات أو درجات التنوع مرغوبة بذات القدر كما ان التنوع ليس مرغوبا بذات القدر في كل عناصر الثقافة، وعلى سبيل المثال فان نمط التنوع القائم على الاختيار الثقافي الحر والواعي من قبل الافراد والجماعات أفضل بالتأكيد من نمط التنوع الثقافي الناتج عن التقليد الثقافي أو عن مجرد الشوفينية أو العصبية الثقافية اذ ان الاول يدعم قيام علاقات ناشطة وراشدة بين الثقافات بينما الثاني يدفع إلى اما النزوع إلى العزلة الثقافية وبالتالي خمود العلاقات بين الثقافات واما إلى العدائية الثقافية وبالتالي قيام علاقات اصطدامية بين الثقافات، وبالمثل فان ازدياد التنوع في عناصر ثقافية كالمعمار، مثلا، يساعد على تعزيز الجمال المعماري بينما ازدياد التنوع في عناصر ثقافية اخرى كالدين واللغة يمكن ان يتسبب في خلق بعض الاشكالات والصعوبات، ولنا ان نتخيل- مثلا – مدى الصعوبة المحتملة في التواصل بين الناس إذا ما ازداد تنوع وتعدد اللغات بحيث يصبح لكل جماعة صغيرة أو اسرة لغتها. كذلك وان كان التنوع الثقافي اي تنوع الثقافات مرغوبا الا انه ليس كل انواع الثقافات مرغوبة، ويمكن الاشارة هنا إلى ثقافة العنف وثقافة الاستكبار وثقافة التطرف وثقافة الاستهلاك كأمثلة لأنواع الثقافات غير المرغوبة على نطاق واسع. وإذا كان ذلك كذلك فان مما يمكن ان يبنى عليه القول بان إطلاق الدعوة إلى الحفاظ على التنوع الثقافي مطلقا يتيح تكريس انماط من التنوع الثقافي وانوع من الثقافات غير مرغوبة بحجة الحفاظ على التنوع الثقافي، ومعلوم كيف ان البعض الان يقاوم الدعوات الواسعة الانتشار للإصلاحات الثقافية بحجة الحفاظ على التنوع الثقافي أو الحفاظ على الخصوصية الثقافية.

اما القول بان التنوع الثقافي القائم يمثل أفضل ما يمكن۔ وبالتالي يتعين الحفاظ عليه – فقول لا يدعمه الواقع والا المنطق أو التفكير السوي وهو، في كل الاحوال، افتراض ينم عن فشل في إدراك امكانية ابداع العقل البشري المستويات واشكال أفضل من التنوع الثقافي، والتمسك بأفضلية ما هو قائم من التنوع الثقافي لا يختلف كثيرا عن تمسك البعض بأفضلية الثقافات التقليدية وضرورة الابقاء عليها وحفظها وحمايتها من ان يطالها التغيير والتحديث أو الحداثة.

  • ان استراتيجية الحفاظ والحماية، وخاصة القانونية كما يتم التركيز عليها حاليا، وان بدت صالحة لإدارة الثقافات أو انماط التنوع الثقافي الآيلة للزوال وكذا الثقافات أو الاشياء الثقافية التي اصبحت تراثا من الماضي يستحسن ابقاءه على ما هو عليه وحمايته من التغيير كالمدن التاريخية والمخطوطات التراثية فهي ليست الانسب لإدارة ما سبقت الاشارة اليه من انماط التنوع الثقافي أو الثقافات الناشئة أو الثقافات الحية، وبالتأكيد ليست هي الانسب لإدارة ما للثقافات أو انماط التنوع الثقافي الآيلة للزوال من سلبيات يتعين تغييرها وليس الحفاظ عليها.

وإذا تبين ان التنوع الثقافي محفوظ طبيعيا وليس من المرجح زواله وات ما يحتاج اليه ما هو حالياً أكثر تعرضا للتراجع والزوال من نمط التنوع الثقافي الجماعي الاقليمي والثقافات التقليدية ليس هو الحفاظ وانما – على النقيض من ذلك التغيير الذي يستهدف تطوير نمط التنوع الثقافي الجماعي الاقليمي إلى نمط أفضل وتحديث وتجديد تلك الثقافات التقليدية يغدو واضحا ان استراتيجية الحفاظ لا تمثل الاستراتيجية الانسب لإدارة التنوع الثقافي بوضعه الحالي.

  • ان استراتيجية الحفاظ هي استراتيجية دفاعية ترد عليها كل مآخذ الاستراتيجيات الدفاعية في سائر المجالات وكثيرا ما اظهرت كفاءة وفعالية اقل، وأحياناً الفشل الذريع، حتى في تحقيق غايتها اي الحفاظ، وإذا كان هناك اليوم اقتناع متنام بعدم فعالية استراتيجية الحفاظ أو الحماية في المجال الاقتصادي والصناعي لا يتوقع ان يكون حظها أفضل في المجال الثقافي خاصة انه وعلى النقيض من الغاية المعلنة لها، اي الحفاظ على التنوع الثقافي، يبدو ان الدافع الأساسي وراء تبنيها ليس هو دائما الحفاظ على التنوع الثقافي بقدر ما هو الحفاظ على ثقافة الذات أو الثقافات الخاصة الوطنية أو القومية أو الرسالية) والدفاع عنها في معمعة العولمة الثقافية غالبا تحت شعار ان في حفظ كل الثقافة حفظ للتنوع الثقافي، وليس بخاف الفرق بين ان يكون الحفاظ على التنوع الثقافي هو الغاية الاولى اي الاصل وان يكون هو الغاية الثانية أو الغاية الفرعية اذ من مسلمات الإدارة السليمة ان الغاية الفرعية يمكن التضحية بها من اجل الغاية الاصلية، ومما يرجح أكثر احتمال حصول مثل هذه التضحية في المجال الثقافي ان الرغبة في حفظ ثقافة الذات كثيرا ما يكون مصحوبا بتطلع غير معلن دائما وان كان غير خفي إلى ان تهيمن هذه الثقافة اي ثقافة الذات على سائر ثقافات العالم و، ان امكن، تحل محلها، ترى كم منا متيقن من ان دافعه، على الاقل غير الشعوري، إلى تبني شعار الحفاظ على التنوع الثقافي ليس هو الرغبة في انتشار ثقافته بحيث تعم كل ارجاء المعمورة وتتبناها كل شعوب العالم؟؟ وهل يمكن ان يتحقق ذلك دون ان تتخلى كل تلك الشعوب المستهدفة عن ثقافاتها؟؟ وهل هناك فرق يذكر من حيث الاثر على التنوع الثقافي بين هكذا انتشار يرغب فيه وربما يسعى له وبين الهيمنة الثقافية التي لا ينفك يلعنها ويرفضها؟!

نخلص من مجمل ما سبق إلى ان الإدارة الحالية / المنشودة للتنوع الثقافي قائمة على مفهوم أو تصور للتنوع الثقافي يستند إلى إدراك لا يستوعب تماما واقع التنوع الثقافي واسقاطاته، وتقدير غير شامل وغير دقيق لآثار التحول الذي يشهده التنوع الثقافي، واستراتيجية ادارية لا تبدو في الانسب أو الأمثل للتعامل مع الوضع القائم للتنوع الثقافي.

ويتضح بذلك وجود حاجة الى:

أولاً: اعادة النظر في مفهوم وتصور التنوع الثقافي بما يحقق ادراكا اشمل واحكم الواقع واسقاطات التنوع الثقافي وتقييما اشمل واصوب لآثار التحول الذي يشهده هذا التنوع و- وهذا هو الاهم تحديدا أمثل لمعايير التنوع الثقافي المرغوب أو الأفضل.

ثانياً – بلورة استراتيجية استراتيجيات أو مداخل أكثر كفاءة وفعالية في ادارة التنوع الثقافي، ولكي تكون كذلك لابد لهذه الاستراتيجيات المداخل ان تستوفي متطلبات يحتاج تحديدها بدقة إلى جهود علمية جماعية منظمة، وربما تضمنت مثل تلك المتطلبات:

  • ان تكون استراتيجية ارشادية بمعنى ان لها خاصية المساعدة في التمييز بين ما هو ايجابي وما هو سلبي من مضامين أو انماط التنوع الثقافي و، بالتالي، يحد من الاستغلال السيئ لمبدأ التنوع الثقافي.
  • ان تكون استراتيجية تزكوية تكفل توجيه ما يشهده التنوع الثقافي من تحول نحو تنمية وتعظيم إيجابياته ومعالجة وتقليل سلبياته طلبا للاقتراب أكثر من التنوع الثقافي الأفضل.
  • تأخذ في الاعتبار تعدد وتنوع العوامل التي تشكل مهددات أو تحديات للتنوع الثقافي وضرورة المعالجة المتوازنة لها كلها من خلال سياسات واجراءات ليست قانونية أو ثقافية فقط وانما ايضا سياسية واقتصادية وتعليمية ولغوية و … إلخ وعلى المستويين المحلي والجماعي والرسمي والأهلي.
  • تؤمن توازنا بين نزعة كل ثقافة حية الى، وحقها في الانتشار العالمي و- في المقابل۔ حق كل ثقافة اخرى في تامين البيئة المناسبة لنموها ونمو مؤسساتها.
  • تراعي التوازن بين الحق في الاختلاف أو التباين الثقافي واهمية تعزيز القواسم الثقافية المشتركة (اوجه التشابه والتطابق بين الثقافات) على مستوى العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *