الإسلام والعلاقات الدولية

  • المحاضرات
  • مارس 6, 2020

أولا: التصور النظري:

يمثل التصور الإسلامي للعلاقات الدولية بعضا من تصور الإسلام الكلي للوجود والذي يتمحور حول التوحيد. ومما ينبني شرعا على مبدا التوحيد – في ما يتعلق بالعلاقات الدولية- ان البشر كافة أصلهم واحد ومصيرهم واحد، وبين وحدة الاصل ووحدة المصير تجمعهم وحدة الماهية (النفس الواحدة ووحدة المهمة (الخلافة في الارض) ووحدة الغاية من الخلق (العبادة اي ممارسة الخلافة وفقا لميثاق الخلافة)، فهم اذن سواسية. وتساويهم في كل ذلك ينفي ان يكون لاي منهم حق التسلط على الاخرين وهو ما يؤكد كونهم احرارا تجاه بعضهم البعض. وإذا كان البشر كأفراد سواسية واحرارا يلزم عن ذلك ان يتمتع البشر كجماعات، وبالتالي كياناتهم الجماعية بما فيها الدول، بذات المساواة والحرية (الاستقلال).

وتنبثق عن أصل التوحيد المشار اليه انفا وما يستتبعه من المساواة والحرية بين البشر وكياناتهم الجماعية وخاصة الدول مجموعة من المبادئ والقواعد التي تحكم وتهدي العلاقات الدولية من منظور الإسلام. ولا تسع مثل هذه المداخلة تفصيل القول عن تلك المبادئ والقواعد. بيد انه، وحرصا على الايجاز، يمكن القول ان جملة المبادئ والقواعد المتعلقة بضبط وترشيد العلاقات الدولية من منظور الإسلام تتراوح بين مستويين ادناهما هو المستوى أو الحد الادنى) الذي يلزم الدولة الإسلامية الالتزام بها ولا يسعها الترخص فيها ويتمثل في الالتزام بالعدل في العلاقات الدولية واعلاهما هو المستوى أو الحد الاعلى) الذي تندب اليه الدولة الإسلامية بيد انه لا اثم عليها ان هي فشلت في الارتقاء الى مستواها ويتمثل في مراعاة البعد الخلقي الرفيع في السلوك الدولي.

الالتزام بالعدل في العلاقات الدولية:

وفقا للتصور الإسلامي يعد العدل القيمة العليا التي تعلو ولا يعلا عليها وتجب وجوبة مطلقة ولا يتقيد باي مجال ولا يسقط أو يرتفع لاي سبب كان. ويقتضي الالتزام بالعدل في العلاقات الدولية من المنظور الإسلامي: وجوب التزام الدولة الإسلامية بالقانون في سلوكها الدولي بمثل وجوب التزامها به في سلوكها الداخلي.

وجوب تقيد الدول الإسلامية بأحكام العهود والاتفاقيات الدولية، سواء الثنائية أو المتعددة الاطراف، التي وقع عليها. مراعاة الدولة الإسلامية للأعراف الدولية.

ولا يقتصر مفهوم العدل في العلاقات الدولية في الإسلام على العدل القضائي فقط بل يتسع للعدل في سائر المجالات ويشمل العدل في النظام الاقتصادي الدولي بما يمنع الاستغلال والتفاوت الفاحش والاحتكار، والعدل في المجال السياسي بما يمنع الاخلال بالمساواة في السيادة والتمييز بين الدول في التعاملات الدولية أو في الوضع داخل المنظمات الدولية، والعدل في النظام الاعلامي الدولي والمجال الثقافي بما يمنع الهيمنة الاعلامية والاستلاب أو التهميش الثقافي ويؤمن الحق في التنوع الثقافي والتعدد الحضاري. والالتزام بالعدل بمفهومه الإسلامي الواسع في العلاقات الدولية يستلزم وغالبا ما يفضي تلقائية الى:

  • ضمان وصون القيم الادنى في منظومة القيم الإسلامية وفي مقدمتها قيم المساواة والحرية في العلاقات الدولية.
  • تكريس المسئولية القانونية في العلاقات الدولية، دون محاباة أو تمييز أو ازدواجية في المعايير، منعا للعدوان وعقابا للمعتدي وانصافا للمظلوم.
  • توطيد وترسيخ الامن والاستقرار والسلام في العالم.
  • بناء السياسات الخارجية للدولة الإسلامية على المبادئ والقيم والقانون والالتزام بمراعاة المصالح الوطنية في اطار تلك المبادئ والقيم ودون التضحية بها اهتباط لفرصة عابرة أو طمعا في مصلحة خاصة.
  • تعزيز حقوق الانسان وتامين حقوق الشعوب والدول ودعم القضايا الدولية العادلة.
  • تشجيع التعاون الدولي.
  • مراعاة البعد الخلقي الرفيع في السلوك الدولي.

إن للأخلاق بمعناها الإسلامي الواسع مستويين:

  1. مستوى ملزم: ويشمل الأخلاقيات الاساسية التي لا ينتظم بدونها شان البشر لا في المجتمع المحلي ولا في المجتمع الدولي وتشمل أخلاقا من مثل الصدق والامانة والوفاء.
  2. مستوى اختياري: ويشمل مجموعة من الأخلاق الرفيعة والتي يحث عليها الإسلام على سبيل الندب وليس الوجوب ومنها أخلاق الإيثار والعفو والتهادي.

وبينما يتأمن التزامها بالأخلاق الاساسية في العلاقات الدولية من خلال التزامها بالعدل فيها فان الدولة الإسلامية معنية ايضا بمراعاة فية الأخلاق الرفيعة الاختيارية المشار اليها انفا ومدعوة الى تمثل هذه الأخلاق في سلوكها الدولي. ومن الواضح انه لو أمكن الارتفاع بسلوكيات الدول الى مستوى الايثار والعفو وغيرهما من الأخلاق الرفيعة لتسنى اشاعة الحب والدفء في العلاقات الدولية ولتيسر الحد من النزاعات الدولية وحلها، متى ما وجدت، بالطرق السلمية.

ويتضح من الايجاز السابق ان التصور الإسلامي للعلاقات الدولية يؤكد على ذات القيم والمبادئ الواردة في المواثيق الدولية السارية – الأمر الذي شجع الدول الإسلامية المعاصرة على الانضمام اليها – وان كان يختلف عنها من حيث ترتيب تلك القيم ومن حيث ما تضمنها بعض تلك المواثيق من قواعد تتعارض مع تلك المبادئ، كما انه أكثر حرصا على اضفاء الطابع الخلقي والانساني على العلاقات الدولية. ولعل من اهم ما يتميز به التصور الإسلامي للعلاقات الدولية انه – كما سبق القول – جزء من تصور كلي يتوافر له من دواعي ودوافع الالتزام الذاتي لدى المؤمنين به ومن قوة الرقابة الشعبية واليات الالزام ما يؤمن له قدرة اعلى من التحقق على ارض الواقع الذي يحكمه. ولا يخفى اهمية هذا الأمر في واقعنا المعاصر الذي يعاني من اتساع الفجوة بين القيم والمبادئ والقواعد الواردة في المواثيق الدولية والممارسات العملية للسياسة الدولية.

ثانياً: الخبرة العملية:

مع ان الدولة الإسلامية الاولى نشأت في عهد كانت فيه العلاقات الدولية تقوم على سيادة شرعية القوة مما جعلها تتسم بالحروب المتواصلة وندرة الاعراف الدولية السلمية وغياب السلام بين الكيانات المختلفة الا في ظل معاهدات مؤقته، حرص مؤسسوها وقادتها منذ البدء على الترجمة العملية الامينة للتصور الإسلامي للعلاقات الدولية. وتعبيرا عن هذا الحرص قامت الدولة الإسلامية على اساس – ربما لأول مرة في التاريخ البشري – تعاقد فعلي حُر أسفر عن – ربما أقدم – دستور مكتوب يحدد ليس فقط اسس القانون الداخلي وانما ايضا بعض احكام التعامل الدولي.

وامتدادا لهذه النشأة القانونية حرصت الدولة الإسلامية في سلوكها الخارجي على احلال سيادة القانون محل سيادة القوة وتشجيع كل ما هو ايجابي مما كان معروفا يومئذ في العلاقات بين الكيانات المختلفة من مثل ابرام واحترام العهود السلمية والتواصل السلمي من خلال تبادل الرسائل والرسل وحصانة الرسل. كما عملت الدولة الإسلامية على تقييد مشروعية الحروب وتشريع ومراعاة القواعد التي تخفف من قسوتها.

وبلغ من حرص الدولة الإسلامية على بسط سيادة القانون وتحقيق العدل في العلاقات الخارجية انه – كما يروي التاريخ – كان حاكم الدولة الإسلامية يحشد جيوشه استعدادا لهجوم وشيك على الخصم ثم يتراجع فقط احتراما لنص قانوني يحتج أو يذكره به مواطن عادي*، بل وصل الأمر الى ان القضاء الإسلامي الداخلي كان يتيح للخصم الخارجي مقاضاة الدولة الإسلامية ولا يتردد في الحكم لصالح الخصم إذا ما اقتضى العدل، كان يحكم بخروج الجيوش الإسلامية من ارض الخصم إذا ما ثبت انها دخلتها انتهاكا لقواعد القانون الدولي الإسلامي (اهل سمرقند).

وكيفما كان التقييم النهائي لنجاحات واخفاقات الدولة الإسلامية الأولى في تنزيل التصور الإسلامي للعلاقات الدولية على أرض الواقع في ظل الظروف التي سبقت الاشارة اليها، فان من الواضح ان تطور الواقع الدولي بفضل اسهامات الحضارات الاخرى وخاصة الغربية يتيح فرصا اوسع لإمكانية استفادة المجتمع الدولي من التصور الإسلامي للعلاقات الدولية في استكمال نواحي النقص والخلل في العلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *