الدور الثقافي للجامعات

  • المحاضرات
  • مارس 6, 2020

من الواضح انه ما لم يكن للثقافة، في حد ذاتها دور ما لا يعد هناك مجال اصلا للحديث عن دور ثقافي سواء للجامعات أو غيرها من المؤسسات، اذ ان ما قد يكون لاي جهة أو مؤسسة من دور ثقافي معين لابد ان يكون مستمدا من دور الثقافة أي أن دور الثقافة هو الإطار العام الذي يتحدد داخله الدور الثقافي المحتمل لاي مؤسسة، بما فيها الجامعة. لذلك لم يكن بد من أن يبدأ الحديث عن الدور الثقافي للجامعات بالحديث عن دور الثقافة.

فهل للثقافة دور؟ وما هي طبيعة وسمات هذا الدور؟

دور الثقافة:

بما تشتمل عليه من عناصر مختلفة، مثل العادات والأعراف والاخلاق والمشاعر والأفكار والقيم والأديان والقانون، مارست وتمارس الثقافة دورا مهما في تشكيل ملامح تاريخ وحاضر البشرية، والارجح أن يستمر بل وينمو ويقوى دور الثقافة في حياة البشر مستقبلا.

فالثقافة تعد محددا من محددات سلوك الأفراد الاعتقادي والقولي والفعلي، ولعله لا أدل على ذلك من أنه غالبا ما تتحدد عادات ولغات وقيم بل ومعتقدات واديان الناس وفقا أو طبقا للثقافة التي ينشأون فيها ويكتسبون منها ثقافاتهم الشخصية، وصحيح أن من الأفراد من ينحرف عن بل وقد يخرج على الثقافة التي نشأ فيها ويناصبها العداء بيد انه انما يفعل ذلك غالبا بسبب تأثير ثقافة اخرى تغلبت عليه أو تبناها ثم هو لا يكاد ابدا يتخلص تماما من ثقافة النشأة والتي تعمل على تشكيل فهمه للثقافة اللاحقة الجديدة وكيفية تطبعه بها وتمثله لها تماما كما تترك لغة النشأة دائما اثارها المميزة على اللغة المكتسبة لاحقا.

ومن خلال دورها المشار اليه في تشكيل سلوك الأفراد تمارس الثقافة دورا مماثلا في تشكيل سلوك الجماعات والمجتمعات وتحديد اوضاعها واحوالها وتوجيه تفاعلاتها مع بعضها البعض.

ولعل من أهم سمات دور الثقافة انه:

دور أساسي:

ما ترجحه المعرفة البشرية الحالية هو أن السلوك البشري الفردي والجماعي سلوك معقد متعدد العوامل، فهناك العامل الغريزي والعامل المرضي والعامل الوراثي والعامل الاقتصادي وعامل القهر المادي (البدني أو العسكري) والعامل الوراثي و … الخ. وتمارس هذه العوامل ادوارا مختلفة تتراوح عموما بناء على شدة أو قوة التأثير بين الدور الأساسي والدور الثانوي، وحيث ان الثقافة، كما سبقت الإشارة، كل مركب من عناصر عديدة مختلفة لكل منها دورها وأثرها ولا يكاد السلوك البشري يخلو من تأثير بعض تلك العناصر فان الدور الكلي للثقافة والذي يمثل الحصيلة النهائية لتأثيرات مختلف عناصر الثقافة يعد دورا أساسيا في غالب السلوك البشري الفردي والجماعي.

دور مزدوج

إن مضمون وطبيعة دور الثقافة يختلف باختلاف مضمون وطبيعة الثقافة، فالثقافة المتخلفة التقليدية يكون دورها دورا تخلفيا/ تقليديا أي دورا يكرس التخلف والجمود والوضع الراهن بقدر ما يعوق التطور ويناهض التغيير بينما الثقافة المتطورة أو الناهضة يكون دورها دورا تطوريا وإنهاضياً أي دورا يدفع للتغيير والتطور والتحديث والنهضة بقدر ما يدفع عن التخلف ويناهض الجمود، وبالمثل فان الثقافة الصراعية تمارس دورا صراعيا يكرس التفاعل الصراعي بقدر ما يعوق الحوار ويخل بالسلم بينما ثقافة الحوار والسلم تمارس دورا حواريا سلميا يكرس التحاور والسلم بقدر ما يناهض الصراع ويحد من الاحتراب، واجمالا، فان الثقافة تمارس دورا ايجابيا أو دورا سلبيا، وغالبا دورا خليطا من السلبية والايجابية، بناء على مدى ايجابية أو سلبية مضامينها.

دور إرادي:

عادة ما تؤثر الثقافة على الانسان من خلال قبوله وتمثله لها، وحيث أن قبول الثقافة لا يكون الا طوعا، اذ يتعذر تأمين قبول الثقافة عن طريق فرضها بالقوة المادية، يصح القول أن تأثير الثقافة تأثير ذاتي معنوي نابع من داخل المرء مما يعني أن دور الثقافة دور ارادي أي يتم من خلال تشكيلها لإرادة المرء وكثيرا ما يكون دورا اختياريا واعيا وليس قهريا.

وبسبب السمات المشار اليها لدور الثقافة، وخاصة كونه دور أساسي ودور ارادي، تمثل أو تتيح الثقافة المدخل الأنسب لإحداث التغيير المنشود في السلوك الفردي والجماعي كما يبقى التغيير الثقافي شرطا لازما لتأمين التحولات المجتمعية الكبيرة مثل الانهاض الحضاري والتنمية الاقتصادية الشاملة، وليس من العسير ملاحظة أن كافة النهضات الحضارية في التاريخ بدأت بنهضات ثقافية وأن التنمية الاقتصادية الواسعة التي شهدتها بعض المناطق لم تتحقق الا بعد حدوث التغيرات الثقافية اللازمة.

إذن للثقافة دور له أهمية بالغة وخصوصية واضحة في حياة الأفراد والمجتمعات البشرية، على أن مما تجدر ملاحظته أن هذا الدور وإن كان سلفا أو أساسا مهما جدا الا انه ظل يزداد أهمية مع تطور البشر وتقدمهم وذلك لما انطوى عليه هذا التطور أو صاحبه من:

  • تراكم الثقافة البشرية وامتدادها لمختلف مناحي الحياة. ومن الواضح انه بقدر ما تتراكم، مثلا، الأعراف والعادات وتتعدد القيم از داد واتسع تأثير الثقافة وبالتالي دورها.
  • تواصل ابتكار الانسان لمزيد من وسائل التفاعل الثقافي واساليب توظيف الثقافة والتي بقدر ما تعزز التأثير الثقافي تعزز دور الثقافة، وعلى سبيل المثال لابد انه كان لاكتشاف اللغة وتطويرها أثر ايجابي كبير على التفاعل الثقافي ومن ثم على أثر الثقافة ودورها، ومؤخرا دعمت ثورة الاتصالات والمعلومات كثيرا دور الثقافة.
  • تنامي الإدراك لمزيد من جوانب دور الثقافة وتأثيراتها مع تطور المعرفة البشرية.

ومع تنامي إدراك أهمية الثقافة ودورها تناما الاهتمام بالثقافة. وعبر هذا الاهتمام عن نفسه في مظاهر عدة منها ظهور كم هائل من الجمعيات والمنظمات الثقافية الوطنية والاقليمية والدولية، وانعقاد العديد من المؤتمرات الثقافية الوطنية والدولية، واعلان عقود دولية للثقافة مثل عقد التنمية الثقافية وعقد ثقافة السلم و … الخ.

ومؤخرا تبلورت بصورة اوضح بعض المتغيرات الثقافية الدولية المترابطة مع بعضها والمرتبطة بدور الثقافة مما دفع بالمسألة الثقافية الى صدارة الاهتمام والهم الدوليين، ومن هذه المتغيرات:

تصاعد نمو الاقتصاد الثقافي: مع تواصل ثورة الاتصالات والتقنية ونشوء مجتمع المعرفة التحمت الثقافة أكثر بالاقتصاد وشهد قطاع الانتاج / التصنيع الثقافي نموا هائلا وبمعدلات اسرع بكثير من القطاعات الاخرى التقليدية وانتعش على اثر ذلك سوق عالمي ضخم للثقافة بدأ يدر على المنتجين الثقافيين ارباحا مضاعفة، ومن جانب آخر، وكمظهر اخر لتنامي التحام الثقافة بالاقتصاد، ازداد التوجه لتوظيف الثقافة لتوسيع الاسواق الدولية الخاصة بمنتجات معينة من خلال الترويج للتحولات الثقافية الداعمة لنشر الثقافة التي تؤمن الاقبال على تلك المنتجات والرغبة في استهلاكها نشر الثقافة الأمريكية لترويج السلع الأمريكية).

تسارع معدل العولمة الثقافية: مع التضخم والتوسع المتسارع لثقافة معينة في الثقافة الغربية وخاصة الأمريكية على المستوى الدولي بدأت الثقافات الأخرى تشهد، وإن بدرجات مختلفة، تراجعا واضمحلالا. ونتج عن ذلك تزايد زوال وفناء الثقافات بمعدل متسارع أثار قلق سائر الثقافات.

ولا شك أن من شأن مثل هذه المتغيرات أن تنعكس على دور الثقافة تعزيزا وتوسيعا له، وعلى سبيل المثال، من شأن تصاعد نمو الاقتصاد الثقافي ان يعزز الدور الاقتصادي والمالي للثقافة، ومن شأن تسارع معدل العولمة الثقافية وعواقبها ان يحمل الثقافة دورا مستجدا هو ضرورة الحفاظ على الذات والصمود امام التأثيرات السلبية لرياح العولمة.

دور الجامعات

يتحدد دور اي مؤسسة من خلال المهام المناطة بها أو التي تقوم بها فعلا. وتحدد السياسات السائدة المهام الأساسية للجامعات بثلاثة مهام تتمحور حول العلم وهي:

  • اعداد الكوادر من خلال التدريس (نشر العلم).
  • البحث العلمي (انماء العلم وتطويره).
  • خدمة المجتمع (توظيف العلم).

وبالإضافة الى تلك المهام أو من خلالها تواصل الجامعات، وان بدرجة أقل، المهمة التربوية للمؤسسات التعليمية | من خلال ما تقوم به من نقل القيم والسلوكيات التي تتبناها.

والمهام المذكورة وإن كانت لا تنفرد بها الجامعات بل تشاركها في كل منها مؤسسة أو مؤسسات اخرى تعكس أهمية دور الجامعات في المجتمعات على المستويين الفردي والجماعي وفي نفس الوقت تشير الى ان هذا الدور دور مركب فهو – من حيث مجالاته- دور علمي واقتصادي بقدر ما هو دور اجتماعي وسياسي وثقافي و- من حيث وظيفته أو هدفه- يفترض فيه انه أساسا دور تغييري تطويري مشفوع بدور ثانوي محافظ يكرس الاستمرارية وإن كان كثير ما يصبح هذا الدور الثانوي هو الدور الرئيسي واقعيا.

أهمية الدور الثقافي للجامعات:

في ضوء ما تمهد عن تنامي الاهتمام بدور الثقافة، لا يبدو غريبا أن يحظى الدور الثقافي للجامعات باهتمام متزايد. وتعود أهمية الدور الثقافي للجامعة، اجمالا، إلى أهمية الثقافة وضرورتها لحسن اداء الجامعات لسائر مهامها الأساسية ووظيفتها الأساسية وذلك على نحو ما تبينه النقاط التالية:

  • العلاقة بين الثقافة والعلم على النقيض مما قد يبدو للبعض تعد العلاقة بين الثقافة والعلم، والذي تتمحور حوله (= العلم المهام الأساسية للجامعة، علاقة متبادلة أقوى بكثير جدا مما يتخيله البعض الاخر، ونظرا لقوة ووثوق هذه العلاقة فان اختلالها على أي نحو كان لابد وأن ينعكس سلبا على كل من الثقافة والعلم، ويمكن القاء بعض الضوء على هذه العلاقة من خلال التذكير بان العلم هو أساسا نتاج ثقافي حجما ونوعا، كما تمثل الثقافة عامة | أساسيا في توجيه توظيف العلم سلبا وايجابا بينما يكرس العلم عقلانية الثقافة:
  1. العلم نتاج ثقافي: معلوم ان العلم ينمو ويتطور حيث ينشط البحث، والبحث وإن كان يستعين بالعلم الا انه في حد ذاته، ليس علما بقدر ما هو سلوك يصدر أساسا عن دوافع ذاتية أو فطرية تدعمها وتعززها أو تضعفها وتوهنها الثقافة، فمن توافرت له ثقافة داعمة للبحث تعزز لديه دافع البحث ونما علمه ومن كانت ثقافته ثقافة مناهضة البحث ضعف دافعه الذاتي للبحث وقل علمه، ثم ان الثقافة تشكل السلوك البحثي وتوجه الرغبة في العلم فالذي تحدوه وتغلب عليه الثقافة العلمية يتوجه دافع البحث لديه نحو العلم، والذي تحدوه وتتملكه الثقافة الخرافية يتوجه دافع البحث لديه نحو الخرافة والاساطير، والذي تحدوه وتستهويه الثقافة العرفانية يتوجه دافع البحث لديه نحو المعرفة العرفانية، ونوع الثقافة بشكل طبيعة العلم حيث ان الثقافة الإبداعية تشجع الابتكار والابداع العلمي بينما الثقافة التقليدية لا تشجع الابداع العلمي وتكرس نزعة التلقي والتقليد و- ان جاز التعبير الاستهلاك العلمي وما سبق يدعم القول بان الثقافة العلمية اي الثقافة التي تدفع للإبداع العلمي هي أساس العلم والحافز عليه ومحدد طبيعته ونوعه وبدون مثل هذه الثقافة لا يزدهر العلم وهو ما يؤكد انها ضرورية للجامعة للقيام بمهامها وخاصة مهمة البحث العلمي ومهمة اعداد الكوادر.
  2. الثقافة توجه توظيف العلم: العلم أساسا اداة والثقافة هي العامل الأساسي في ليس فقط تعزيز أو اضعاف الدافع لتوظيف العلم وانما ايضا تحديد وجهة أو هدف توظيفه أو استخدامه سلبا أو ايجابا، فبناء على طبيعة ثقافته يحرص أو لا يحرص الانسان على توظيف العلم والاستعانة به في تحقيق اهدافه، والثقافة الايجابية القيم نحو الانسان والمجتمع تدفع صاحبها الى الحرص على توظيف العلم لمصلحة الانسان والمجتمع وعدم استخدامه في ما يضرهما بينما الثقافة السلبية القيم نحو الانسان والمجتمع قد تولد لدى صاحبها عدم الاكتراث بما اذا كان ما يوظف علمه فيه ذا مردود خير أو شر على الانسان والمجتمع طالما كان يحقق له بعض أغراضه الشخصية.

ولذلك نجد انه عندما اختل توجيه الثقافة للعلم وأصبح العلم يوظف في منأى عن توجيه القيم والضوابط الثقافية المعتبرة أخطأ العلم مساره السليم وانحرف عن اهدافه الايجابية احيانا. ونتيجة لذلك انتهى البحث العلمي في بعض الحالات الى اكتشافات ونتائج ضارة تهدد بقاء البشرية مثل اكتشاف وصناعة اسلحة الدمار الشامل والتطبيقات الصناعية الضارة بالبيئة. وأقدم البحث العلمي مؤخرا على مغامرات تخل بكرامة الانسان وقد تتمخض عن عواقب وخيمة قد لا تكون في الحسبان، ومن ذلك مغامرات الاستنساخ البشري واحتمالات محاولات توظيف الهندسة الوراثية لأغراض غير مشروعة.

وهكذا يتضح انه عندما يبتعد العلم وينفصل عن ضوابط الثقافة الايجابية القيم أو يصبح اسير الثقافة السلبية القيم، يصبح من غير الممكن ضمان عدم حدوث تعارض وتناقض بين مهام الجامعة حيث يمكن – مثلا- ان تكرس مهمة البحث العلمي تشجيع الاكتشافات والاختراعات التي تضر المجتمع وهو ما يتعارض مع مهمة خدمة المجتمع المناطة بالجامعة.

  • العلم يكرس عقلانية الثقافة: بقدر ما ان الثقافة توجه العلم يوجه العلم ايضا الثقافة حتى لا تقع هذه الأخيرة في براثن الخرافة والأساطير أو تتيه في متاهات اللاعقلانية، ويختل توجيه العلم للثقافة إما لأن حظ هذه الثقافة من العلم قليل أي أن الكسب العلمي لأهلها ضعيف كما كان هو حال الشعوب البدائية وإما لحدوث شرخ في العلاقة بين العلم والثقافة يحول دون أو يضعف توجيه العلم للثقافة المعنية بالرغم من توافر حظ اهلها من الكسب العلمي، ولعل من صور مثل هذا الشرخ ما نلاحظه اليوم في بعض المجتمعات الغربية المتقدمة، أو الفئات المتعلمة أو حتى العالية التعليم في مجتمعاتنا الشرقية، والتي لها حظ وافر من العلم من ضعف أو عدم تجذر البعد العلمي في بنيتها الثقافية اي في مجمل ثقافتها مما ادى الى ظهور ما يمكن تسميته بالثنائية الثقافية، ونعني بالثنائية الثقافية هنا اظهار البعض عقليتين وسلوكين متناقضين، حيث نجدهم يفكرون تفكيرا علميا دقيقا في مجالات معينة مثل مجالات الدراسة والبحث العلمي بينما يفكرون تفكيرا تقليديا لا صلة له بالعلم في مجالات أخرى مثل المجال الديني والمجال الاجتماعي، ويسلكون سلوكا عقلانيا في مجالات معينة مثل المجال المهني العلمي بينما يسلكون سلوكا لاعقلانيا بل خرافيا في مجالات من مثل مجال العادات الشخصية ومجال العلاقة بالآخر المغاير ومجال استشراف المستقبل، وهذه الثنائية الثقافية، وإن كانت في حد ذاتها تحتاج الى تفسير، توضح لنا الانتشار الكبير المظاهر السلوك اللاعقلاني والتفكير العلمي في المجتمع الغربي الذي ما انفك يؤكد انه المصدر الأول للعقلانية والحداثة، ولا تقتصر مظاهر اللاعقلانية تلك في المجتمعات الغربية على سلوكيات من مثل التدخين حتى الموت وانما يتعداها الى تقاليد قديمة ربما لا يتوقع البعض وجودها فيها من مثل الاقبال الواسع على خدمات العرافة والتنجيم والسحر(تشير بعض الكتابات الى انه في عام 1980 كان عدد العرافين في فرنسا حوالي ثلاثين الفا وعدد الأطباء اربعين الفا وكانت اجرة العراف هي نفس اجرة الطبيب النفسي المختص)، ولا يخرج عن السلوك اللاعقلاني في المجتمعات الغربية انتشار معضلة العنف الاجتماعي وميل البعض الى التشدد العلماني وخوض حروب لاعقلانية. ولا يخرج عن التفكير العلمي الكتابات الثقافية والفكرية الغربية المتحاملة على العنصر غير الغربي والثقافة غير الغربية والتي تروج للمقولات والنظريات الصراعية.

ولا شك أن الظواهر السابقة والتي تتنافى مع العلم والثقافة الراشدة مؤشر على الخلل في الدور الثقافي لسائر مؤسسات المجتمع ذات الصلة بالثقافة بما فيها الجامعات.

ويتضح من I وII وIII أن نجاح الجامعات في تحقيق مهامها الأساسية المذكورة سابقا رهن بنجاحها في تامين العلاقة السليمة بين الثقافة والعلم وحيث أن ذلك لا يمكن أن يتأتى بدون العمل الثقافي الموجه يغدو واضحا أهمية الدور الثقافي للجامعة في أداء مهامها الأساسية، والحقيقة أن الجامعة لا يمكنها القيام بمهامها الأساسية على الوجه الأكمل الا من خلال اتقانها لدورها الثقافي.

  • الهدف النهائي من مؤسسات المجتمع، بما فيها الجامعات، هو خدمة الانسان والمجتمع من خلال تطوير وضعه وامكاناته وفرصه، وبما أن مثل هذا التطوير يتطلب عادة إحداث تغيير اجتماعي يتعين على مؤسسات المجتمع أن تتوزع مهام ووظائف التغيير الاجتماعي في ما بينها كل حسب مقدراتها ومهامها، والأصل أن تقوم الجامعات بوظيفة قيادة حركة التغيير الاجتماعي وذلك اولا۔ بحكم المهام المناطة بها و- ثانيا۔ بفضل ما تتوافر لها من المقدرات العلمية الكفيلة بتمكينها من إدراك أهمية التغيير الاجتماعي وابداع الافكار اللازمة لتحقيق مثل هذا التغيير و- ثالثا- لكونها تحتضن الفئة الأكثر تعلما من عنصر الشباب والذي يمثل عادة العنصر الأكثر قبولا واستعدادا لفكرة أو دعوة التغيير، واغلب الظن انه ما لم تتصدى الجامعة لمهمة قيادة التغيير الاجتماعي فان احتمال أن تحسن القيام بهذه المهمة أي مؤسسة اخرى يصبح ضعيفا نظرا لأن الجامعة هي التي تمد المؤسسات الباقية بكوادرها القيادية وما لم تكن الجامعة قد اهلت هذه الكوادر للقيام بمهمة القيادة فان الارجح أن يكون اداؤها ضعيفا ولكن الجامعة لا يمكنها أن تحسن تأهيل هذه الكوادر للقيادة ما لم تكن هي نفسها تتولى مهمة قيادة حركة التغيير الاجتماعي وكما يقال فان فاقد الشيء لا يعطيه.

و اذا تقرر أن وظيفة الجامعات في قيادة حركة التغيير الاجتماعي فان مدى نجاح الجامعات في القيام بهذه الوظيفة يظل دائما رهنا بمدى نجاح الجامعات في القيام بدورها الثقافي، ذلك انه وإن كان من المؤكد أن التغيير الاجتماعي هو عادة حصيلة العوامل متعددة منها العامل الاقتصادي والعامل السياسي والعامل التقني والعامل الديمغرافي و … الخ إلا انه يبقى العامل الأهم هو العامل الثقافي، فبالإضافة الى انه العامل الأعمق وبالتالي الأبقى اثرا والأوسع تأثيرا يتميز العامل الثقافي بكونه الأرفق نهجا لأنه انما يتوسل بالكلمة والتي غالبا ما تفشل محاولات فرضها بالقوة المادية وبكونه العامل الاقل تسببا في الاثار السلبية غير المنظورة للتغيير الاجتماعي لان التغيير الذي يحدثه العامل الثقافي هو تغيير ارادي طوعي واع يصحبه عادة نقاش حر وواسع بين القوى المؤيدة والمعارضة حول جوانبه الايجابية والسلبية وآثاره المحتملة وهو ما لا يتوافر عادة وبنفس القدر للتغيير من خلال العوامل الأخرى، وبغض النظر عن كونه العامل الأهم مطلقا في التغيير الاجتماعي يكتسب العامل الثقافي أهمية خاصة بالنسبة للجامعات لأنه عادة ما تتوافر للجامعات متطلبات توظيف العامل الثقافي أكثر مما تتوافر لها متطلبات توظيف عوامل التغيير الاجتماعي الاخرى كالعامل السياسي والعامل الاقتصادي.

ويتضح من مجمل ما سبق أن الدور الثقافي للجامعات بقدر ما هو مهم لقيام الجامعات بمهامها الأساسية المذكورة سابقا فهو مهم ايضا لقيام الجامعات بوظيفتها العامة المتمثلة في قيادة حركة التغيير الاجتماعي.

استغلال البعض للدور الثقافي للجامعات؟

 

مسئوليات ومتطلبات الدور الثقافي للجامعات:

إذا كان الدور الثقافي للجامعات بالأهمية المشار اليها فان السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف يمكن للجامعات أن تقوم بهذا الدور على الوجه الأكمل؟

من الواضح أن الاجابة لمثل هذا السؤال تتطلب جهدا علميا جماعيا منظما توظف مختلف التخصصات والخبرات ذات الصلة، وفي إطار ما يمكن أن يسهم به الجهد الفردي يمكننا القول أن اتقان الجامعات لدورها الثقافي يتطلب بالإضافة الى ما يمكن أن يضيفه البعض، قيامها بدور ريادي في تعزيز وترشيد علاقة الثقافة بالعلم، وانماء الثقافة، وتطوير وتفعيل خطابها الثقافي.

تعزيز وترشيد العلاقة بين الثقافة والعلم:

كما سبق القول هناك اصلا علاقة قائمة بين العلم والثقافة وأن كلا من الثقافة والعلم يحتاجان إلى بعضهما البعض. وبينما من المسلم به أن من شأن تعزيز وترشيد العلاقة بين أي طرفين يحتاجان لبعضهما أن يفيد ذلك الطرفين لا يبدو أن هنالك مؤسسة أكفأ وانسب من الجامعات لتصدر الجهود اللازمة لتحقيق مهمة تعزيز وترشيد العلاقة بين العلم والثقافة. فليس هناك مؤسسة اخرى يلتقي فيها العلم والثقافة مثل التقائهما في الجامعات، فالجامعة هي معقل العلم ومدرس الثقافة وملتقى خيرة العلماء وقبلة صفوة المثقفين ومجمع نخبة طلاب العلم والثقافة مما يجعلها المكان الأنسب للحوار بين العلم والثقافة، وحيثما يستقيم ويزدهر الحوار بين الثقافة والعلم يكون المكان المناسب لبلورة وتجسيد التصور المناسب لتعزيز وترشيد العلاقة بين الثقافة والعلم…

وفي ضوء ما سبق عن آثار وعواقب اختلال العلاقة بين العلم والثقافة يمكننا القول أن تعزيز وترشيد هذه العلاقة يتطلب قيام الجامعات ب ” تثقيف العلم” من خلال:

  • تكريس الثقافة العلمية: والمعنى بالثقافة العلمية هنا هو الثقافة التي تكرس أو تخلق التوجه العلمي الابداعي أي الرغبة المشفوعة بالسعي العملي الجاد ليس فقط لاكتساب العلم واستيعابه وانما ايضا الاسهام في انمائه نظريا وتطبيقيا أو تقنيا من خلال البحث والاكتشاف، وتعود أهمية تكريس هذه الثقافة الى كونها ضرورية التحفيز الابداع العلمي وفي غيابها غالبا ما يميل الطلاب إلى الاكتفاء بتلقي المعرفة والمهارة العلمية اللازمة لتمكينهم فقط من الممارسة التقليدية المهنة معينة يحقق لهم عائدها بعض احتياجاتهم ورغباتهم.
  • توجيه وضبط السلوك العلمي: ما سبقت الاشارة اليه من تنامي الاستخدام السيء للعلم وتطبيقاته يحتم العمل على توجيه وضبط السلوك العلمي بالقيم التي تكرس الدوافع الذاتية التي تكفل ليس فقط الحد من سوء توظيف العلم سواء في مجال البحوث النظرية أو في مجال التطبيقات والممارسات العملية وانما ايضا تشجيع التوظيف الأمثل له، وبينما يتطلب الحد من سوء توظيف العلم تكريس القيم الدينية والخلقية التي تساعد العلماء والمسئولين على مقاومة هوى النفس التي تدفع للاستهانة بمصالح البشرية والمجتمع في سبيل تحقيق مصالح أو شهوات خاصة غالبا ما تكون ضارة لصاحبها ايضا فان تشجيع التوظيف الأمثل للعلم يتطلب بالإضافة الى تكريس قيم المحبة وثقافة السلم واحترام الذات والاخر والحرص على توظيف العلم لخيرهما فقط العمل على اعادة تحديد اولويات توظيف البحث أو التطبيق العلمي بما يساعد على توجيههما نحو:
  1. التركيز على توفير الاحتياجات البشرية العامة الملحة مثل الأدوية ولقاحات التطعيم ضد الأمراض الوبائية وتقنيات مواجهة و- ان امكن- منع الكوارث كالجفاف والزلازل وتقنيات تحسين الإنتاج الحيواني والزراعي الطبيعي وخاصة في المناطق شبه الجافة والفقيرة وتقنيات تقليل تكلفة التعليم وتعميمه.
  2. التحول عن تطوير الأسلحة القاتلة والمدمرة كالطلقات النارية والقنابل والالغام والقذائف والمواد الكيميائية والجرثومية والاشعاعية القاتلة الى ابتكار وتطوير اسلحة تمكن من الضبط باقل ضرر ممكن وبدون الجرح والقتل.
  • ابتكار وسائل وصناعات بديلة افضل اداء واقل تكلفة من الوسائل والصناعات القائمة المضرة بالبيئة.

ومما يستحق اهتمام الجامعات بخصوص توجيه وضبط السلوك العلمي الجهود التي تبذلها اليونسكو بهذا الصدد.

إنماء الثقافة:

تعاني الثقافات دون الوطنية والثقافات الوطنية والقومية والدينية اشكالات أساسية ربما كان من أهمها:

  • المضامين السلبية: تتضمن سائر الثقافات، وإن بدرجات مختلفة، مضامين سلبية عديدة مثل نزعات العنف والحرب وأحيانا الارهاب وتوجهات الهيمنة والعادات والسلوكيات الشخصية الضارة و… الخ.
  • ضعف وأحيانا غياب الكثير من المضامين الايجابية مثل ثقافة السلم وثقافة الحوار.
  • تحدي التراجع وربما الزوال ان لم يكن بسبب هيمنة ثقافة وطنية معينة (عرقية أو دينية أو إيديولوجية) على الانساق الثقافية الوطنية الأخرى أو بسبب الاحتلال فبسبب تحدي العولمة الذي يواجه سائر الثقافات ربما باستثناء الثقافة الأمريكية فقط.

و تمثل هذه الإشكالات التي تشوب أو تواجه سائر ثقافات العالم جذور العديد من المشكلات التي يواجهها سكان العالم، ومما يلزم عن ذلك انه لابد من معالجة هذه الإشكالات في سبيل المعالجة الجذرية لتلك المشكلات الناتجة عنها، والنهج العام الأمثل لمعالجة الإشكالات الثقافية هو التزكية الثقافية اي الانماء الثقافي الراشد الذي تمكن الثقافة من التخلص من مضامينها السلبية واكتساب مضامين وقيم راشدة، ومع استمرار نموها على نحو صحي راشد تتمكن الثقافة من مقاومة عوامل الفناء ومواجهة محاولات الهيمنة، والثقافة التي تتوقف عن النمو لا يمكنها، في ظل اضطراد نمو الحياة، أن تقاوم طويلا عوامل الفناء وهجمات الهيمنة.

و تزكية الثقافة هي بالضرورة مهمة مجتمعية حيث يتعين أن تنتظم عملية التزكية كل قطاعات المجتمع وتشترك فيها كل فاعليات ومؤسسات المجتمع كل حسب قدراتها ومهامها ووظيفتها، وبحكم قدراتها ومهامها ومميزاتها وخاصة ميزة كونها مجتمع نخبوي- وكذلك بحكم متطلبات وظيفتها المتمثلة في قيادة حركة التغيير الاجتماعي ينبغي أن تمثل الجامعات المؤسسة الامثل لقيادة مهمة التزكية الثقافية، ولعل من الواضح انه ما لم تتمكن الجامعات من قيادة عملية التزكية الثقافية فليس من المحتمل أن تتمكن من قيادة حركة التغيير الاجتماعي والذي يمثل التغيير الثقافي جوهره وأساسه ومصدر زخمه وقوته الدافعة الذاتية.

وهناك الكثير مما يتعين على الجامعات فعله في إطار دورها في التزكية الثقافية والوفاء بمسئوليتها عن قيادتها، ولا يسع مثل هذا المقام لأكثر من الاشارة الى بعض الخطوط العامة لهذا الجانب من الدور الثقافي للجامعات، ومن تلك الخطوط العامة:

  • الاسهام الفاعل في وضع السياسات الثقافية التنموية التي توجه وتناغم بين جهود كافة المؤسسات الرسمية والشعبية وفي وضع المناهج التربوية الثقافية للمؤسسات التعليمية، ومن الواضح أن ذلك متطلب من متطلبات قيادة حركة التغيير الاجتماعي وقيادة عملية التزكية الثقافية.
  • علموة الثقافة: إن ترشيد وتعظيم ايجابيات العلاقة بين العلم والثقافة يتطلب ليس فقط “تثقيف العلم” بمعني ضبط السلوك العلمي بالضوابط والقيم الثقافية وتحويل العلم إلى ثقافة على نحو ما سلف بيانه وانما يتطلب ايضا “علموة الثقافة” بمعني تجذير البعد العلمي في البنية الثقافية كلها وجعلها ثقافة علمية أي تلتزم بمعايير التفكير العلمي والسلوك العقلاني في كل حالاتها واوضاعها حتى تنكمش وتتضاءل – وإن أمكن تنتفي ما سبقت الاشارة اليه من ظاهرة الثنائية الثقافية الى اضيق نطاق ممكن كخطوة لازمة لمعالجة سلبيات هذه الثنائية.
  • تجسيد نموذج المجتمع الأمثل ثقافيا: كيفما كان اسهام الجامعة في انماء الجانب النظري من الثقافة سيظل استكمال اسباب تفعيل دورها الثقافي في المجتمع متوقفا على قدرتها على تجسيد القيم والسلوكيات التي تدعو اليها على مستوى الواقع في إطار الوسط (المجتمع الجامعي، فمثلا، نجاح الجامعة في تنظيم الوسط الجامعي وادارته، سواء على المستوى الطالبي أو مستوى الأساتذة والعلاقة ما بين المستويين، على اسس شوروية ديمقراطية سليمة يمكن أن يكون له أثر ايجابي أكبر من التبشير الثقافي النظري غير المصحوب بنموذج واقعي في ترسيخ قيم الشوري والديمقراطية في المجتمع (خارج الجامعة). والتزام افراد الوسط الجامعي بنبذ السلوكيات اللاعقلانية سواء على مستوى العادات الشخصية كالتدخين أو على مستوى العلاقات البينية كالعنف من شأنه أن يقدم للمجتمع نموذجا عمليا مثاليا يتطلع اليه افراده ويعطي للخطاب الثقافي الجامعي مصداقية أكبر.

 

الدور الثقافي للجامعات عربياً وإسلامياً:

كان ما تمهد عن الدور الثقافي للجامعات عموما ولعل أكثر ما ورد فيه ينطبق على الدور الثقافي العام لسائر الجامعات في العالم بغض النظر عما هناك من اختلافات واضحة في اوضاعها، بيد أن وجود دور ثقافي عام مشترك بين سائر الجامعات لا يعفي الجامعات مما قد يكون لبعضها من دور ثقافي خاص يتحدد في إطار خصوصيات الوضع الثقافي للمجتمع حولها وكذا الوضع القائم لتلك الجامعات وخاصة في ما يتعلق بدورها الثقافي وما تتوافر لها من امكانيات وموارد.

وفي ما يتعلق بالجامعات العربية والاسلامية فان الملمح العام للثقافة الحية أو الفاعلة في المجتمع حولها هو الضعف إن لم نقل التخلف، وهو ضعف لا يمكن انكاره الا بقدر ما يمكن انكار ضعف حال الأمة العربية الاسلامية اليوم والذي نحسب انه هو الحقيقة المرة الوحيدة التي نجمع عليها علنا ولا نملك إلا أن نوافق فيها غيرنا من الناصحين لنا والشامتين بنا على السواء، وضعف حال الأمة العربية الاسلامية اليوم هو نتيجة لازمة لعوامل ذاتية وفي مقدمتها ضعف ثقافتها الحية قبل أن يكون نتيجة لعوامل خارجية وايضا قبل أن يكون سببا – كما قد يجادل البعض بحق- في تكريس ضعف الثقافة العربية الاسلامية.

ولا يناسب المقام الدخول في تفصيل مظاهر ضعف الثقافة العربية الاسلامية السائدة ولكن المقام قد يتطلب اشارة موجزة الى تلك المظاهر من حيث كونها تمثل شاهدا اخر على هذا الضعف.

ففي جانبها النظري، من الواضح أن الثقافة العربية الاسلامية السائدة تعاني من تغلغل التفكير العلمي، وعدم وضوح الرؤية، ووجود قابلية عالية لدى قطاع كبير من ابنائها لتقبل الخطاب الخرافي، والميل للتلقي والتقليد، والتقييم العاطفي، والافتقار للإبداع.

وفي جانبها السلوكي، تبرز الثقافة العربية الاسلامية العديد من اوجه السلوك اللاعقلاني والممارسات الخرافية والمواقف المتناقضة، ولا تمثل ما يعاني منه المجتمع العربي الاسلامي من استشراء الحروب المدنية القبلية والصراعات المسلحة غير المبررة والاستبداد السياسي واختلال العلاقات العائلية والنوعية والعادات الشخصية القاتلة وتناقض الموافق من الاخر الثقافي بين الانبهار والعداء الصدامي غير المؤسسين سوى بعض اوجه الخلل السلوكي في الثقافة العربية الاسلامية.

وصحيح أن الجامعات العربية والاسلامية ليس هي السبب في ضعف الثقافة العربية، فهو ضعف سابق لظهور هذه الجامعات، كما انها لا تتحمل وحدها المسئولية عن استمرار هذا الضعف، بيد انه لا يمكن اغفال ناهيك عن انكار دلالة تعثر جهود معالجة هذا الضعف على اختلال وضعف الدور الثقافي للجامعات العربية والاسلامية ليس فقط لان تعثر جهود المعالجة مؤشر على خلل في مهمة قيادة التغيير أو الانماء الثقافي والتي هي. كما سبق التوضيح مسئولية الجامعات وانما لأنه حتى تعثر الجهود الثقافية للمؤسسات الأخرى يعود ايضا جزئيا الى الجامعات لان ضعف أداء قيادات وكوادر تلك المؤسسات والذي تسبب في تعثر جهودها الثقافية انما يعكس ضعف إعداد الجامعات لتلك الكوادر والقيادات لدورها الثقافي.

ومظاهر ضعف الدور الثقافي للجامعات العربية والاسلامية والتي تشكل شاهدا اخر على هذا الضعف عديدة، وعلى سبيل المثال على الصعيد الداخلي الوسط الجامعي):

  • لم تتمكن الجامعات العربية والاسلامية حتى اليوم من النجاح في ما نجحت فيه الجامعات الغربية من تجذير الثقافة العلمية في الوسط الجامعي، فطلاب هذه الجامعات وأن كانوا يتلقون فيها العلم بمختلف فروعه فان دافعهم الأساسي وغالبا الوحيد لذلك يبقى ويظل هو فقط التأهل لوظيفة مهنة يرتزقون منها ومازالت جامعاتنا عاجزة عن تطوير هذا الدافع الى دافع علمي أساسا واولا ووظيفي ثانيا، وحيث أن مثل هذا التطوير إنما يتم بجهد ثقافي تعمل الجامعات من خلالها على اكساب الطلاب الثقافة العلمية اي التوجه العلمي الابداعي فان من الواضح أن فشل الجامعات في هذا المجال انما هو مظهر من مظاهر ضعف دورها الثقافي.

ولا يجدي كثيرا هنا ما قد يقوله البعض من أن طلاب جامعاتنا يكتسبون الثقافة العلمية ولكنه لا تتوافر لهم معامل ومراكز البحوث التي تمكنهم من الابداع، فصحيح أنه لا تتوافر مثل هذه الامكانات على النحو المطلوب ولكن كيف تفسر ضعف أن لم نقل غياب الاسهام الابداعي العربي الاسلامي حتى في العلوم النظرية والتأملية كعلوم الفلسفة والاجتماع والفقه و… الخ والتي لا تحتاج كثيرا الى مثل تلك الامكانات المفقودة والتي أبدع فيها بعض سلفنا ولما تتوافر لهم بعض امكانياتنا الحالية بل ولما تظهر بعد الجامعات الحديثة؟ أن من الأمور التي تحتاج الى تأمل موضوعي انه ما زالت مقررات جامعاتنا حتى في العلوم النظرية أو الانسانية تقوم أساسا على شرح النظريات والأفكار ومناهج الدراسة والتحليل الغربية وأن تضمنت شيئا من النظريات والأفكار العربية أو الاسلامية فهي افكار ونظريات من تراثنا وليس من ابداع جامعاتنا أو خريجيها.

  • عجزت جامعاتنا عن تقديم نموذج المجتمع الثقافي الذي يمكن أن يمثل مثالا ينشده المجتمع العربي الاسلامي فرغم نخبويتها لا تكاد مجتمعاتنا الجامعية تختلف في سلوكياتها وثقافتها عن سلوكيات وثقافة المجتمع العربي الاسلامي بكل شوائبه وسلبياته.

وعلى الصعيد الخارجي نلاحظ، على سبيل المثال:

  • لا نكاد نجد لجامعاتنا اسهاما يذكر في وضع السياسات الثقافية الوطنية / القومية كما لا نكاد نجد عندها برنامجا أو خطابا ثقافيا محددا موجها للمجتمع حولها بل يلاحظ ضعف أو غياب الاسهام الجامعي الثقافي حتى في برامج اعوام عواصم الثقافة العربية، ولا يكاد العمل الثقافي لجامعاتنا يتعدى المواسم الاسابيع الثقافية التي درجت على تنظيمها البعض القليل من الجامعات، وكان من المفترض أن تعمل جامعاتنا على التعاون معا في وضع مشروع ثقافي عربي اسلامي يؤسس للتغيير الاجتماعي المنشود في المجتمع العربي الإسلامي.
  • ضعف تصدي جامعاتنا لحملات التشويه الخارجية للثقافة العربية الاسلامية مع أن جزءا غير قليل من هذا التشويه صادر عن جامعات اجنبية أو مؤسسات اكاديمية وثيقة الصلة بها كما هو حال الكثير من الدراسات الاستشراقية غير الموضوعية.
  • بينما تخصص الجامعات الأجنبية برامج رئيسية لدراسة المجتمع العربي الاسلامي وثقافته لا نكاد نجد عند جامعاتنا برامج مثيلة لدراسة المجتمعات الاخرى ولم يوجد حتى الان۔ مثلا۔ دراسات استغرابية على مستوى الدراسات الاستشراقية.
  • بينما تقوم الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الاسرائيلية بجهود اكاديمية ثقافية واضحة موجهة للمجتمع العربي تهدف الى تحقيق ما يسمى بالتطبيع الثقافي، نحسب تمهيدا للهيمنة الثقافية، لا نكاد نجد لدى جامعاتنا جهودا اكاديمية ثقافية تواجه وتستبق النوايا السلبية للجهود الثقافية للجامعات الاسرائيلية.
  • في الوقت الذي ينمو فيه باضطراد تحدي العولمة للثقافات بما فيها الثقافة العربية الاسلامية لم نسمع بعد عن شروع جامعاتنا في وضع مشروع أكاديمي جماعي يستطلع الاثار المحتملة للعولمة على الثقافة العربية الاسلامية ويقترح المعالجات المناسبة.

صحيح أن بعض اساتذة أو خريجي جامعاتنا لهم عطاءات علمية ثقافية مقدرة في الجوانب المذكورة آنفا ولكنها لا تمثل غير جهود فردية ربما حاولت بعض المراكز دعم بعضها وكان المأمول أن تسارع الجامعات الى تنظيم مثل هذه الجهود في إطار برامج تحقق التنسيق والتعاون والتوجيه وتكفل الدعم وتنوع الموارد العلمية والفكرية.

وكان المفترض أن تمثل حقيقة ضعف الثقافة العربية الاسلامية السائدة وضرورة معالجة هذا الضعف الهم الأساسي للدور الثقافي للجامعات العربية والاسلامية وأن تمثل معالجة ملامح ضعف هذه الثقافة وملامح ضعف الدور الثقافي للجامعات العربية داخليا المجتمع الجامعي وخارجيا سواء تجاه المجتمع العربي الاسلامي أو الثقافات الأخرى محور خصوصية هذا الدور.

وكون الجامعات العربية والاسلامية لم تقم بهذا الدور المفترض على النحو المرغوب ينبغي أن يدفع المعنيين للبحث عن العوامل التي حالت دون قيام الجامعات العربية بدورها الثقافي أو اضعفت هذا الدور.

 

عوامل ضعف الدور الثقافي للجامعات العربية والاسلامية:

يحسن بنا بدءا أن نؤكد على بعض النقاط العامة الأساسية التي تشكل الإطار العام الذي ينبغي أن تفهم ضمنه مقولة ضعف الدور الثقافي للجامعات العربية والاسلامية. ومن هذه النقاط:

  • إن مشكلة ضعف أو اختلال الدور الثقافي للجامعات لا تخص الجامعات العربية والاسلامية فقط ولكنها تعم تقريبا سائر جامعات ما يسمى بالعالم الثالث أو النامي بل لا يسلم من اختلال الدور الثقافي للجامعات – كما تشير الملاحظات السابقة على ثقافة المجتمع الغربي جامعات ما يسمى بالعالم المتقدم والتي وإن استطاعت أن تحقق نجاحات مشهودة في بعض الجوانب الثقافية مثل تعزيز ثقافة العلم الا انها لم تحقق النجاح المرغوب في جوانب أخرى مثل تعزيز القيم الثقافية التي تساعد على ضبط السلوك العلمي، وتجذير البعد العلمي في البنية الثقافية.
  • إن ضعف/ اختلال الدور الثقافي للجامعات العربية والاسلامية هو جزء من الضعف الاختلال الذي يشوب مختلف ادوار الجامعات العربية والاسلامية بما فيها دورها العلمي ودورها التنموي ودورها السياسي و …الخ، وضعف/ اختلال ادوار هذه الجامعات هو بدوره جزء من الضعف الاختلال المجتمعي العام للبيئة الخارجية لهذه الجامعات أي ضعف/ اختلال المجتمع العربي الاسلامي.
  • يعزى ضعف أو اختلال الدور الثقافي للجامعات العربية والاسلامية الى عوامل عديدة بعضها داخلية أي مصدرها الجامعة(بأساتذتها وطلابها) وبعضها خارجية مصدرها المجتمع الخارجي وخاصة ولكن ليس بالضرورة فقط المجتمع العربي الإسلامي، ومع أن الجامعات لا تتحكم في العوامل الخارجية المشار اليها الا انه من المتعذر اعفاؤها تماما من بعض المسئولية عن تلك العوامل الخارجية حيث أن أكثر مؤسسات المجتمع التي هي مصدر هذه العوامل غالبا ما تستمد قياداتها وكوادرها من هذه الجامعات مما يعني انه لو كانت هذه الجامعات قد احسنت أعدادهم وتوجيههم ثقافيا لكانوا بالتأكيد افضل تجاوبا مع الدور الثقافي للجامعات وأكثر حرصا على احترامه وتفعيله ودعمه.

 مع الأخذ في الاعتبار بالنقاط المشار اليها انفا يمكن القول أن من أهم العوامل الخارجية التي تعمل على اضعاف الدور الثقافي للجامعات التدخل الخارجي السلبي (سواء من الأنظمة الحاكمة أو القوى التقليدية المناهضة للتغيير الثقافي)، وضعف التقدير الرسمي والمجتمعي للعمل الثقافي (عدم استشارة الجامعات في الشأن الثقافي)، وضعف الاعداد الثقافي المدرسي للطلاب المقبولين في الجامعات، ومحدودية الموارد المالية المخصصة للجامعات، والأمية بمختلف أشكالها، وضعف العائد المعنوي والمادي للعطاء الثقافي.

ومن بين العوامل الداخلية أي المتعلقة بالوسط الجامعي نفسه والتي تكرس أضعاف الدور الثقافي للجامعات:

تقليدية الثقافة الجامعية:

لا تختلف الثقافة السائدة في الجامعات العربية والاسلامية كثيرا عن الثقافة السائدة في المجتمع العربي الاسلامي والتي تتسم عموما بالتقليدية، ومما يعيب الثقافة التقليدية في ما يتعلق بالمسألة محل النظر هنا أي ضعف العمل أو الدور الثقافي:

  • النزوع لإبقاء ما كان على ما هو كائن والاحتفاظ دون تغيير بما هو موروث ليس فقط الموروث الديني والفكري وانما ايضا ما هو موروث من الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ومثل هذا النزوع غالبا ما يكون مؤسسا على ما تكرسه الثقافة التقليدية من الاقتناع بان ما كان أو ما هو كائن يمثل الوضع الأمثل و/ أو الأسلم ودائما ما يكون مقرونا أو مشفوعا بالتهيب من ما قد يستلزمه تطوير المجتمع من تغيير أساسي أو تحديث واسع وهو ما يضعف الدافع للتغيير الاجتماعي، ومن الطبيعي أن ينتج عن ضعف الدافع لدى الوسط الجامعي لتغيير وتطوير المجتمع حوله ضعف الدور الثقافي للجامعة في المجتمع اذ أن مثل هذا الوسط الجامعي غالبا ما يفتقر أساسا الى الاحساس أو الشعور بضرورة القيام باي دور، ثقافي أو غير ثقافي، لتطوير المجتمع.
  • ضعف إدراك أهمية ومدى قوة العامل الثقافي كعامل تغيير، وهو ما يدفع بمن يتطلعون من أصحاب الثقافة التقليدية الى بعض التغيير الاجتماعي والذي عادة ما يكون تغييرا شكليا ومحدودا الى العزوف عن التوسل بالعمل الثقافي واللجوء بدلا عنه إلى وسائل اخرى غالبا ما تقوم على استخدام القوة كالاستقواء بالسلطة السياسية وإن تطلب ذلك القيام بانقلاب عسكري أو ممارسة العنف السياسي.

وصحيح أن هناك البعض من اساتذة الجامعات العربية والاسلامية والبعض الأقل من طلابها ممن انعتقوا من ربقة الثقافة التقليدية (الموروثة) واغراء التقليد الثقافي (للآخر) ويتطلعون إلى التغيير الاجتماعي والبعث الحضاري من خلال، أساسا العمل الثقافي والتجديد الثقافي الا أن دورهم ما زال محدودا في ظل العوامل الأخرى والمثبطات الكثيرة التي تعوق جهودهم.

ضعف الاهتمام بالثقافة:

ربما أساسا بسبب تقليدية ثقافتها لا تهتم الجامعات العربية والاسلامية كثيرا بالشأن الثقافي، وضعف اهتمام هذه الجامعات. كمؤسسات بالثقافة تعكسه ضالة الموارد المالية التي تخصصها للعمل الثقافي وضعف بناها التحتية الثقافية كالمسارح والمكتبات والصالات الثقافية وعدم توافرها على برامج ثقافية محددة، اما ضعف اهتمام الطلاب بالثقافة والعمل الثقافي فيظهر جليا من ضعف حرص الطلاب على حضور والمشاركة في النشاطات الثقافية الجماعية ومن محدودية ما يبذلونه من نشاط أو جهد ثقافي فردي كالاطلاع الشخصي، ولعل الكثير من طلاب الجامعات تنقضي فترات دراساتهم الجامعية دون أن يكونوا قد فكروا بجدية، ولو مرة واحدة، في محاولة الاطلاع على ما سوى الكتب والملازم المقررة وربما على ما سوي فقط اجزاءها المحددة من قبل اساتذة المواد المعنية وبالتالي، فانهم عادة ما يتخرجون من الجامعة دون أي تغيير يذكر في وضعهم وبنائهم أو اهتمامهم الثقافي عما كان عليه عندما دخلوها أو عندما تخرجوا من المدارس الثانوية.

الجامعات العربية والاسلامية، حيث لا يكاد مجتمع الأساتذة فيها يختلف كثيرا عن مجتمع طلابها من حيث الخمود أو ضعف النشاط الثقافي، وقليل من الاساتذة من يوجه الطلاب أو يقوم هو شخصيا بممارسة عمل ثقافي منظم موجه للمجتمع الخارجي، وقد لا يكون ذلك أمرا مستغربا كثيرا إذا ما تذكرنا أن أكثر هؤلاء الاساتذة قد درسوا في وتخرجوا من ذات الجامعات التي لا تولي للثقافة اهتماما كبيرا.

وبالإضافة الى ما يسود الجامعة والمجتمع حولها من ثقافة تقليدية لا تقدر الثقافة حق قدرها، مما يولد الشعور لدى الأساتذة والطلاب على السواء بضعف عائد العمل الثقافي سواء العائد المعنوي أو المادي، تتضافر عوامل اخرى على اضعاف الاهتمام بالعمل الثقافي ومن هذه العوامل ما يتعلق بالجامعة من مثل ما تضعها بعض الجامعات من عوائق عملية وأحيانا قيود قانونية غير مبررة – غالبا بإيحاء خارجي-على النشاط الثقافي أو انواع معينة منه.

ضعف التأهيل الثقافي:

لا تقدم الجامعات العربية والاسلامية لطلابها ما يكفي لحسن اعدادهم وتأهيلهم ثقافيا، فالمادة الثقافية التي تتضمنها المقرات الجامعية فقيرة نوعا ولا تهدف الى اثارة الاهتمام والتأهيل الثقافيين الذين يولدان الابداع الثقافي والعلمي بقدر ما تهدف الى التحصين الثقافي ولكن بأسلوب عاجز وعلى نحو اقرب الى تكريس الثقافة التقليدية، ومناهج التقويم الجامعية لا تعطي اعتبارا كافيا للأداء أو العمل الثقافي وبالتالي لا يشجع الطلاب ولا الاساتذة على الكسب أو العطاء الثقافي، وكثيرا ما تكون البني الثقافية اللازمة لانتعاش وممارسة العمل الثقافي كالمسارح والمكتبات والصالات الثقافية محدودة وضعيفة الاعداد والتجهيز في هذه الجامعات ومما يدعو للغرابة أنه في بعض هذه الجامعات تكون بعض هذه البني أو الخدمات، كالمكتبات، متاحة فقط اثناء الدوام الرسمي والذي يكون فيه الطلاب والاساتذة مشغولون بالمحاضرات مما يقلل فرص الاستفادة منها في العمل الثقافي، وبالرغم من أهمية مقررات من مثل مناهج البحث في التأهيل الثقافي للطلاب وتعزيز قدراتهم على الابداع الثقافي وفي تكريس الثقافة العلمية التي يفتقر اليها طلاب الجامعات العربية والاسلامية إلا أن تدريسها لا يحظى بالاهتمام والتركيز الذين تستحقهما.

ضعف التنوع الثقافي، بينما توجد في الجامعات الغربية أعداد لا بأس بها من الطلب بل والاساتذة | ذوي الثقافات غير الغربية مما يدفع للتفاعل والعطاء الثقافي لا توجد في الجامعات العربية والاسلامية اعداد كافية من الطلاب غير ذوي الثقافة العربية الاسلامية

جدة أو حداثة الكثير من الجامعات العربية والاسلامية: (الافتقار للخبرة في العمل الثقافي).

تفعيل الدور الثقافي للجامعات العربية والاسلامية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.