الصحراء ومستقبل الإنسان العربي

  • المحاضرات
  • مارس 6, 2020

الإنسان والمستقبل:

لقد ظل الإنسان دائم الاهتمام بالمستقبل بصورة أو اخرى ولمدى أو آخر. وربما أمكن تتبع جذور هذا الاهتمام الى بداية الوجود الواعي للإنسان اذ تشير الروايات الدينية أن أبوي البشر ربما كانا قلقين على مستقبلهما متطلعين الى الخلود. وتفيد قراءة التاريخ ان الإنسان ما انفك يعيش في خوف ورجاء من المستقبل مما دفعه إلى اللجوء الى تحسس المستقبل من خلال وسائل واساليب مختلفة من مثل التنجيم والكهانة والعرافة. وقد أسهم اهتمامه هذا بالمستقبل في دفعه الى التدين املا في أن يؤمن له هذا الدين مستقبله البعيد (الأخروي أو ما بعد الموت).

ومع تطور الإنسان فان اهتمامه بالمستقبل، والذي ظل ملازما له، تطور اسلوبا وهدفا أو منهجا. فقد تطور اسلوب محاولة الإنسان التعرف على المستقبل من أساليب التنجيم والكهانة الى اسلوب الدراسة العلمية مما ساعد في ظهور مراكز ومؤسسات دراسات المستقبل، وتمخض هذا التوجه العلمي لاحقا عن ظهور فرع جديد من المعرفة ممثلا في علم المستقبل والذي وإن كان مازال في مرحلة الطفولة إلا أنه ينمو باستمرار. وتطور هدف اهتمام الإنسان بالمستقبل من محاولة مجرد معرفة المستقبل وانتظاره الى محاولة تغييره بل وصنعه.

وكان التطور اهتمام الإنسان بالمستقبل اسلوبا وهدفا أثر كبير على حياة الإنسان. ورغم ما شابه من سلبيات، ربما كان في مقدمتها ما أصاب البعض من غرور، إلا أن المردود الإيجابي لهذا التطور على تطوير مستوى حياة الإنسان ومعاشه وقدرته على توجيه المستقبل كان عظيما.

الإنسان العربي والمستقبل:

رغم بعض التحسن وخاصة على مستوى النخبة، فان اهتمام الإنسان العربي بالمستقبل ما زال متخلفا عن ما حققه هذا الاهتمام لدى البعض الاخر من تطور أشرنا آنفا الى بعض ملامحه. وبشكل عام ما زال الاهتمام بالمستقبل عند سواد الجمهور العربي بدائي الأسلوب، حيث لا يكاد يتعدى اساليب التنجيم والرمل والودع وقراءة الفنجان، ومحدود الافق والهدف حيث لا يكاد يتعدى افق حب الاستطلاع المشحون بأحلام اليقظة والمصحوب بالميل إلى الانتظار لما تأتي به الأيام من مكروه لا يملك له غير الجزع أو خير لم يستعد لحسن استثماره. والأكثر من ذلك أن هذا الإنسان سعى أحياناً لأدلجة أو تبرير موقفه الانتظاري / الاستسلامي من المستقبل استنادا الى مفاهيم ومعتقدات خاطئة كالجبرية والقدرية وكثيرا ما استطاب ترديد ما يزخر به الشعر العربي أو الأمثال العربية من اقوال تكرس، أو يفهمها على نحو يكرس، استسلاميته وعزوفه عن محاولة صنع مستقبله وذلك من مثل:

جري قلم القضاء بما يكون   فسيان التحرك والسكون

دع الأيام تفعل ما تشاء     وطب نفسا إذا حكم القضاء

ومن هنا فإن أي حديث حاد عن مسألة مستقبل الإنسان العربي لا يسعه أن يغفل التأكيد في اوله على أن معالجة هذه المسألة تتطلب بدءا ضرورة الارتفاع بمستوى اهتمام الإنسان العربي بمستقبله من مستوى التوسل بالكهانة والتنجيم الى مستوى التوسل بالعلم ومن مستوى الانتظار السلبي للمستقبل الى مستوى التحرك الايجابي لصنع المستقبل.

وقد يكون من الواضح، ولعله محل اجماع الكثيرين، أن مدى تقدم الإنسان العربي في حسن صنع مستقبله رهن بمدى تقدمه في حسن تطوير ذاته وحسن تنمية موارده وحسن بلورة مشروعه الحضاري. بيد انه في ما وراء مثل هذه العموميات هناك أمور عدة تبقى علاقتها بصنع مستقبل الإنسان العربي عند السواد الأعظم غير واضحة ويكتنفها الغموض أو سوء الفهم، أو غائبة عن الاهتمام الفعال، أو تكون محل خلاف. ومن تلك الأمور الصحراء.

صورة الصحراء في الوعي العربي:

منذ البدء كان للصحراء في ذهن الإنسان العربي وحياته حضور مكثف يدلنا عليه انعكاس هذا الحضور في لغة هذا الإنسان – العربية والتي اخترعت للصحراء نحوا من اربعين اسما عربيا، بيد أن هذا الحضور ارتبط في الغالب بجوانب واحداث الصحراء السلبية من مثل، كما يورد الشعر العربي، شظف العيش ومشاق الترحال المتواصل وارتفاع احتمالات الهلاك عطشا أو جوعا وكون الصحراء مأوى الوحوش ومسكن الجن ومهب الرياح العاتية ومظنة التيه وسبب البعاد والفصل بين الأحبة

أما الأحبة فالبيداء دونهم   فليت دونك بيدا دونها بيد

وهكذا فان صورة الصحراء في الوعي العربي القديم ظلت غالبا صورة سلبية. وقد انتقلت ذات الصورة السلبية الى الأجيال اللاحقة وربما مالت الى التفاقم أكثر في الوعي العربي المعاصر نتيجة انبهاره بالمدنية الحديثة التي الاحظ تركزها في المناطق غير الصحراوية وخلو الصحاري منها، وشيوع مفاهيم واقوال غير ثابتة عن تاريخ الصحاري من مثل القول بخلو المناطق الصحراوية من المراكز الحضارية والقول بان الصحراء شكلت في حالات كثيرة حاجزا يحول دون تواصل الحضارات. وقد يصح أن نضيف الى تلك الأسباب الآن ارتباط الصحراء في الذهن العربي حاليا بتسميات تتردد في الاعلام المعاصر وتبعث في نفس العربي مشاعر الهوان والمذلة مثل تسميات عاصفة الصحراء وثعلب الصحراء و… الخ.

وأن تلك الصورة السلبية عن الصحراء والتي تراوحت شدة وضعفا من شأن الى اخر قد بلغت في ما يخص علاقة الصحراء بمستقبل المنطقة وانسانها من الشدة بحيث أن هذه العلاقة بدت في تصور الكثيرين علاقة تضاد وتنافر. فعلى المستوى العام ساد اهتمامات تنمية المنطقة ميل الادب التنموي الى اسقاط الصحراء من اولويات التنمية واستبعاد ها من قائمة الموارد الطبيعية والنظر الى الصحراء كعائق اساسي من عوائق تنمية المنطقة وبناء مستقبلها. وعلى المستوى الفردي ساد التسليم بات البحث عن المستقبل الأفضل يستلزم اول ما يستلزم الهجرة عن الصحراء والابتعاد عنها. وقد ترتب على ذلك ضعف تواجد وأحياناً غياب الصحراء تماما عن خطط التنمية القطرية في المنطقة كما ترتب عليه تواصل الهجرة من الصحراء ليس فقط عن صحراء البدو العرب وانما۔ لاحقا۔ حتى عن صحراء الحضر العربي ريفا كان ام مدينة.

صحيح أن هنالك متغيرات اسفرت عن تحسن ملحوظ في صورة الصحراء في الوعي العربي وخاصة الرسمي حيث زاد إدراكه لأهمية الصحراء. بيد أن المردود الايجابي لهذا التنامي في إدراك أهمية الصحراء ظل غالبا محدودا على مستوى السلوك الفعلي الرسمي حيث لم ينعكس بشكل كاف لا على التنمية العملية الشاملة للصحراء ولا على حتى تنمية الوعي الشعبي الصحراوي السليم. ولم يخرج هذا المردود في كثير من الحالات عن اعطاء الصحراء فقط ما هو ضروري جدا لاستغلال ثرواتها ومواردها التي بدأت تظهر تباعا بدءا بالبترول والمعادن وانتهاء بالسياحة الصحراوية. ولم تخلو الكثير من السياسات الرسمية من اقتناع أو اتجاه، غالبا غير معلن، يرى امكانية وربما ضرورة تجاهل الصحراء ولو مؤقتا في عملية التنمية. وليس من العسير إدراك ذلك من تمركز الجهود الانمائية عمليا وبشكل مخل في المدن العربية دون الحضر الريفي العربي ناهيك عن الصحاري العربية. ومع محدودية المردود الايجابي لم يكن بد من أن يعلو الى السطح أحياناً بعض المردود السلبي لتنامي الإدراك بأهمية الصحراء في شكل صراعات تذكر بصراعات بعض الأجداد في الماضي على مراعي الصحاري. ففي بعض الحالات أسهم هذا الإدراك لأهمية الصحراء في اذكاء الصراعات بين بعض الأنظمة العربية على بعض رمال أو جبال الصحراء الحدودية وفي حالات اخرى أذكى احتجاجات بعض سكان الصحاري ضد السياسات الصحراوية الرسمية غير المقبولة لديهم وقد تحولت هذه الاحتجاجات أحياناً في وجود عوامل اخرى الى اعمال تخريب أو تمرد معلن.

و اذا ما صح تقديرنا بان مبعث نظرة الإنسان العربي السلبية لدور الصحراء في مستقبله هو اساسا بالطبع اضافة الى عوامل أخرى – خبرته العملية السلبية بالصحراء والجهل أو سوء تقدير ما ساهمت أو يمكن أن تساهم به الصحراء في حياته، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، يغدو واضحا أن معالجة هذه النظرة السلبية تتطلب اعادة تشكيل وعي الإنسان العربي بالصحراء من خلال توضيح ليس فقط أهمية الصحراء بالنسبة للإنسان العربي وموطنه وتصحيح مفاهيمه وانطباعاته عنها وانما أيضاً توضيح ما تقتضيه هذه الأهمية من سياسات وبرامج صحراوية تناسب تلك الأهمية وتترجمها الى واقع عملي.

أهمية الصحراء للإنسان العربي:

للصحراء أهمية بالغة للإنسان العربي سواء في ماضيه المنصرم أو حاضره القائم أو مستقبله القادم. وصحيح أن هذه الأهمية لم تكن، ولن تكون بالضرورة لدور الصحراء الايجابي فقط. فبعض أهمية الصحراء للإنسان العربي تعود الى مالها في حياته من دور سلبي منشؤه ما تثيرها من مشكلات وتحديات، من مثل الجفاف المهلك والتصحر، تكمن اهميتها في انه لا يسع الإنسان العربي اغفالها أو تجاهل معالجتها دون أن يدفع الثمن غاليا. ولعل من الواضح انه لا ينبغي أن تقلل من أهمية الصحراء التباسها بتلك السلبيات اذ أن ذلك ليس الا بعض طبيعة هذا الكون الذي لا يكاد شيء فيه يسلم من بعض السلبيات والمشكلات، وما مشكلات الاقاليم غير الصحراوية بأقل اهمية.

وعموما تعود أهمية الصحراء للإنسان العربي الى ما لها من دور اساسي في وجود هذا الإنسان، سواء وجوده المادي أو وجوده المعنوي. وقد يكفي لتبين بعض تلك الأهمية، في بعدها الايجابي، في ماضي الإنسان العربي أن يتذكر المرء أن الصحراء هي التي استضافت آباء العرب وامدتهم بمقومات الحياة وهي التي – فيما تروي الروايات۔ انقذت حياة ابيهم اسماعيل وأبقت على وجوده المادي عندما تفجرت، على غير عادتها، ماء مباركا روي ظمأ كاد يهلكه وهو ما زال طفلا صغيرا وربما رضيعا. والصحراء هي التي امدت من بعد سلالة هذا الطفل من العرب بالمقومات التي، على ندرتها، كفلت لهم البقاء والتكاثر. وإذا كان من أهم ما يعرف أو يذكر به الإنسان العربي في الزمن المعاصر النفط والإسلام يكفي الصحراء أهمية انها مصدر الأول ومهبط الثاني وموضع قبلته.

وكما أن ماضي وحاضر الإنسان العربي تشكلا من خلال تفاعله مع الصحراء وارتهنا بها على نحو بدت معه الصحراء ثابتا من ثوابت أو محددات حياة الإنسان العربي فان الارجح هو أن مستقبل الإنسان العربي أيضاً سيكون هنا بطبيعة تفاعله مع صحرائه. ويجد مثل هذا القول الدعم والسند في انه- اولا- يبدو أن من سنن هذه الحياة أن يأتي مستقبل الإنسان المجتمع امتدادا لماضيه وحاضرة من نواح عدة وانه مهما يحدث للإنسان أو المجتمع من تغير فان انسان مجتمع ما بعد التغير يظل يحمل ثوابت وأكثر ملامح، وإن مع بعض التحولات المجتمع الذي نشأ في رحمه أي مجتمع ما قبل التغير و- ثانيا- أن مستقبل أي انسان رهن بمدى توظيفه لما يملكه أو سيملكه من موارد مادية ومعنوية، ومن الواضح وإن كان كثيرا ما يغفل عنه البعض أن الصحراء تشكل مكونا اساسيا من موارد الإنسان العربي وبحيث يصح القول أنه يتعذر على الإنسان العربي استكمال أو اتقان توظيف أو تنمية موارده دون توظيف أو تنمية صحرائه وأنه بقدر اهماله أو فشله في تنمية صحرائه يكون اهماله وفشله في تنمية موارده و- بالتالي- بناء مستقبله.

الصحراء وموارد الإنسان العربي:

تفيد المؤشرات الاحصائية المتاحة أن الصحراء تشكل جزءا أحد اهم موارد الإنسان العربي الطبيعية، وهي حاليا المصدر الاساسي لإيرادات الوطن العربي من العملة الصعبة. ومن شأن النقاط التالية أن تذكر ببعض أهمية الصحراء كمورد طبيعي للإنسان العربي:

  • تشكل الصحراء نسبة 80% من مساحة اليابسة في الوطن العربي وهي نسبة مرتفعة جدا إذا ما اخذنا في الاعتبار أن المساحة الكلية لصحاري العالم تشكل فقط نسبة 33% تقريبا من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية. والأكثر من ذلك أن نسبة الصحراء الى اليابسة في الوطن العربي تتزايد بوتيرة متسارعة من خلال عملية التصحر. واقل ما يعنيه ذلك هو انه بينما تمثل الارض أحد اهم موارد الوطن العربي فان استثمار الإنسان العربي لهذا المورد المهم لن يزيد في أحسن الأحوال عن استثمار 20% فقط منه ما لم يشمل هذا الاستثمار الأرض الصحراوية.
  • تعتبر الصحراء حاليا اهم مستودع للموارد المعدنية العربية المستغلة. وقد يكفي بهذا الصدد أن يتذكر المرء أن الصحراء هي مصدر النفط العربي الذي يعتبر حاليا اهم صادر عربي كما انها مصدر الغاز العربي. والواقع أن صحراء الوطن العربي تمثل حاليا ليس فقط المصدر الأول للطاقة في الوطن العربي وانما أيضاً أحد اهم مصادر الطاقة في العالم.
  • تأتي الصحراء في طليعة اهم مصادر الموارد المستدامة الحديثة في الوطن العربي وفي مقدمتها السياحة حيث بدأت السياحة الصحراوية تكتسب أهمية متزايدة في اقتصاديات السياحة، وبمميزاتها الحضارية والثقافية والمناخية وغطائها الحيواني والطيري والنباتي الفريد يمكن أن تصبح صحاري الوطن العربي الأكثر جذبا للسياحة الصحراوية. ومن المتوقع أن تضم هذه الندوة اوراقا متخصصة في هذا المجال.
  • الصحراء هي موطن تربية أو مصدر غذاء جزء كبير من الثروة الحيوانية العربية حيث يقدر أن حوالي 42% من الثروة الحيوانية العربية تعيش على المراعي الطبيعية الموجودة اساسا في المناطق القاحلة وشبه القاحلة من الوطن العربي
  • يضاف الى ما تقدم أن الصحراء تستضيف جزءا مقدرا من الموارد السكانية العربية وتساهم بجزء من الانتاج الزراعي العربي وتنمو فيها نباتات تدخل في بعض الصناعات

ويتضح من الايجاز السابق أن الصحراء تساهم بجزء كبير، وربما الأكبر، من موارد الإنسان العربي الطبيعية أو المادية. ولعل ذلك كاف لأخذ فكرة عامة عن أهمية الصحراء المستقبل الإنسان العربي اهميتها لماضيه وحاضره. بيد أن تقدير هذه الأهمية حق قدرها، وخاصة من منظور المستقبل، يتطلب الأخذ في الاعتبار بأمور اخرى عدة منها:

  • مع التنامي المتواصل والكبير في حجم السكان العرب بدأت المناطق الحضرية العربية تعاني من الازدحام والكثافة السكانية العالية ومضاعفاتها السلبية. ومع الأخذ في الاعتبار ضرورة ضبط النمو السكاني العربي ولكن ليس من الممكن وقد لا يكون من الأفضل، على الأقل في الوقت الحالي، وقف هذا النمو كما أن التوسع العمراني الجاري في الاراضي الزراعية العربية هو هدر بل تخريب غير مقبول لا يبدو أن للعرب حاليا ملجأ اخر أفضل من الصحراء يعودوا اليها ويعمروها. ويلاحظ بهذا الصدد أن الدول العربية الأكثر تعرضا للمشكلة السكانية بدأت تشجع الهجرة العائدة والانتقال السكاني الى الصحراء من خلال مشاريع تعمير الصحراء وتنمية الريف.
  • بينما تتفاقم مشكلات الاراضي غير الصحراوية مع مرور الزمن يبدو جليا أن الكثير من مشكلات الصحاري المعهودة أو التقليدية تتجه لان تكون اقل حدة بفضل التطور العلمي والتقني المستمرين. وعلى سبيل المثال فان حل مشكلة الصحراء التقليدية الأولى أي مشكلة الماء هو اليوم اقل صعوبة مما كان في الماضي بفضل الامكانيات المادية والتقنية والعلمية التي ليس فقط يسرت أكثر اكتشاف واستغلال المياه الجوفية ومياه البحار وترشيد استخدامها في المجال الزراعي (بالري الحديث واستحداث انواع اقل احتياجا للماء) وانما أيضاً جعلت من الممكن وإن ما زالت بكميات محدودة، صناعة الماء في الصحراء مباشرة من مواردها الهوائية المتوافرة على سطحها. ولعله ليس من المستبعد أن يهتدي التقدم العلمي والتقني يوما ما الى وسيلة للتحكم في آلية الامطار واعادة توزيع الأمطار لصالح تعمير الصحاري (ربما كان في حديث القرآن الكريم عن سوق أو نقل وانتقال السحب الممطرة عن طريق الرياح وحديثه عن تمكين الله لاحد البشر المرسلين من التحكم في الرياح لفت إلهي كريم لنظر البشر الى أن التحكم البشري في توزيع السحب الممطرة ربما يكون أمرا ممكنا ويستحق اجتهاد البشر للوصول اليه. وربما ما لم نجتهد أكثر قد نفاجأ يوما بسحب البعض لسحبنا الممطرة).

وكيفما كانت أهمية صحاري العرب من حيث مواردها الطبيعية والمادية فان أهمية الصحراء للإنسان العربي لا تقتصر على أهمية تلك الموارد المادية لوجوده المادي. فالصحراء تمثل بالنسبة للإنسان العربي معان وحقائق أو معتقدات تشكل بعض اهم مقومات أو موارد وجوده المعنوي. ومن تلك المعاني والمعتقدات المرتبطة بالصحراء أو المستلهمة منها:

الصحراء اختيار إلهي:

تفيد الروايات الدينية أن الله هو الذي اختار الصحراء موطنا للعرب المنحدرين من اسماعيل عندما أمر ابراهيم بات يتوجه بابنه اسماعيل الى حيث اسكنهم في واد غير ذي زرع من الصحراء التي تعرف – حاليا- بالصحراء العربية. وليس مهما هنا الخلاف المحتمل حول تلك الروايات أو تفاصيلها التي ربما اختلقت أو حرفت في إطار التفاخر والتهاجي بالأنساب أو الصراع على الارث لان المقصود هنا هو أثر تلك الروايات وهو ما يتحقق بمجرد الاعتقاد في تلك الروايات بغض النظر عن مدى صدقها واقعيا. والواقع أن أكثر العرب، مسلمين ومسيحيين، يعتقدون في هذه الروايات ومن شأن مثل هذا الاعتقاد أن يولد لدى اصحابه من العرب الشعور بان الصحراء انما اصبحت لهم موطنا باختيار إلهي مبارك

جوار الله:

سواء تأكدت أو انتفت صحة روايات الاختيار الالهي، اكتشف العرب مبكرا أن الصحراء التي اتخذوها، أو اختيرت لهم موطنا قد حققت لهم، من حيث لم يكونوا يدرون، جوار بيت الله على هذه الأرض. وقد أدرك العرب أن تعم الجوار جوار الله جل جلاله فاحترموا بل قدسوا هذا الجوار بدليل ما دأبوا عليه من الحج الى هذا البيت الذي تستضيفه صحراؤهم من حيثما تفرقوا أو ارتحلوا وهاجروا.

الصحراء مهد الإسلام:

صحيح أن الإسلام دين لكل البشر وعلى اختلاف اوطانهم واقاليمهم المناخية بيد أن من الواضح أن الله قد اختار صحراء العرب مهدا ومنطلقا للإسلام واختار سكان هذه الصحراء دون غيرهم ليشرفهم بمهمة حمل رسالة الإسلام الى العالم اجمع واصطفي من بينهم رجلا لصيقا بالصحراء، حيث قضى طفولته المبكرة في باديتها ومارس الرعي في مراعيها صبيا وخبر طرقاتها عاملا بالتجارة وأحب الخلوة في خلائها متعبدا ليكون رسوله إليهم.

منطلق الحضارة العربية:

ترتبط الصحراء في الذهن العربي الواعي بانها المكان الذي نشأت فيه مدنياتُهم وانطلق منه اسهامهم الحضاري العالمي الأبرز حاملا معه للعالم طيب ذكرهم وبليغ لغتهم وبديع فكرهم وعلمهم.

وإذ يبدو انه لو أن العرب لم يستوطنوا الصحراء لما حظوا بجوار الله ولما۔ على الأرجح- حظوا بشرف حمل الرسالة الالهية الخاتمة ولربما لم يتمكنوا، بدون تلك الرسالة، من أن يبدعوا مثل ما أبدعوا من حضارة عالمية مشرقة يغدو واضحا أن عائد العرب المعنوي من الصحراء لم يكن بأقل من عائدهم المادي منها.

العرب هبة الصحراء!

لا يكاد المرء يستحضر مجمل ما تمهد عن أهمية الصحراء كمورد اساسي، طبيعي ومعنوي، للإنسان العربي في ماضيه وحاضرة حتى تقفز الى الذهن اسئلة عديدة من قبيل ترى لو أن الصحراء لم تهب ذلك الطفل الصغير الماء الذي أنقذ حياته ولو انها لم تهب ذريته / العرب مقومات الحياة والتكاثر هل كان سيكون للعرب وجود مادي على الأقل في هذه البقعة الاستراتيجية من العالم؟ ولولا ما جادت به الصحراء على العرب من نعمة الجوار الالهي وما كان لبيئتها من أثر ايجابي في تشكيل شخصيتهم هل كان العرب سيحظون بشرف الاختيار الإلهي لحمل رسالة الإسلام؟ ولو انه – فرضا۔ تم اختيارهم هل كانوا سينجحون في ما نجحوا فيه من الاستجابة الرائعة لرسالة الإسلام وما تحقق لهم بفضلها من نهضة حضارية عالمية أصبح الإسلام على إثرها اساس وجودهم المعنوي الحضاري المتميز؟ ولو أن الصحراء لم تهب العرب بعض ما تختزنه باطنها من ركاز النفط والغاز وغيرهما هل كان سيكون للعرب ما لهم الان من ذكر وشأن عالميين وما تحققت لهم من فوائض مالية بسرت تمويل حركتهم التنموية والتي كان يمكن أن تكون أوسع وأفضل لو انهم اتقنوا استثمار تلك الفوائض؟

وإذا صح ما يعنيه مجمل ما سبق من أن أكثر ثروات وموارد العرب، الطبيعية والمعنوية، هي من هبات الصحراء ألا يبدو مقبولا القول- مجازا۔ بان ” العرب هبة الصحراء”!

إذن فالصورة السلبية التي يختزنها الوعي العربي عن الصحراء هي صورة تفتقر للرؤية الشمولية المتزنة وتنطوي على كثير من الجحود لخيرات الصحراء وفضلها على العرب.

الآثار السلبية للتصور السلبي للصحراء:

لقد أسهم تمكن الصورة السلبية للصحراء في الوعي العربي في اعاقة العقل العربي المعاصر من أن يدرك بشكل أفضل أهمية الصحراء ليس فقط الماضي وحاضر الإنسان العربي وانما لمستقبله أيضاً. ومما ترتب على ذلك:

  • تأخر العرب في تطوير نظرة أو استراتيجية مستقبلية واضحة ازاء الصحراء تأخذ في الاعتبار تعظيم امكانات واسهامات الصحراء في تحسين مستقبل الإنسان العربي وقدرته على مواجهة المتغيرات المستقبلية الجارية والمحتملة كالمتغيرات البيئية والتطورات المناخية والنمو السكاني و… الخ.
  • تبني سياسات صحراوية خاطئة وضارة قائمة على الاستغلال الجائر للصحراء من خلال استنفاد مواردها الطبيعية (المعدنية) دون تخصيص قدر كاف من عائدات تلك الموارد التنمية الصحراء وتطوير مواردها المستدامة ومن خلال التهاون ازاء السلوكيات الخاطئة كالاحتطاب الجائر والرعي الجائر واهمال معالجة مشكلاتها. وإذا صحت الروايات فان هذه السياسات الخاطئة اشتملت أحياناً على استخدام الصحراء مدافن النفايات خطيرة لا يؤمن أن لا تكون لها عواقب وخيمة ليس فقط على مستقبل الصحراء وانما على مستقبل الإنسان العربي أيضاً.
  • تفاقم مشكلات الصحراء ليس فقط مشكلاتها الطبيعية كالتصحر وما ينتج عنه من الأضرار بالموارد الحيوانية والنباتية والاراضي الزراعية وانما مشكلاتها الاجتماعية والسياسية أيضاً كالهجرة، والتذمر الاجتماعي والذي تطور في بعض الحالات الى تمرد سياسي أو نزعات انفصالية بين سكان بعض المناطق الصحراوية، واستغلال جماعات العنف والتخريب وعصابات الجريمة المنظمة لضعف تواجد الحكومة في الصحراء.
  • ارتفاع تكلفة التنمية الصحراوية أكثر مما كان يمكن أن تكلف لو بدأت في وقت أبكر.

ترشيد التنمية الصحراوية:

مما يدعو للتفاؤل انه بدأ مؤخرا الاهتمام العربي بتنمية الصحراء ينمو ويزداد. ومما يعكس هذا النمو ما شهدته الساحة العربية من نشاطات مختلفة من قبيل مشاريع تعمير الصحراء وجهود مكافحة التصحر وقيام مراكز الدراسات الصحراء والمناطق القاحلة والاهتمام بالدراسات التاريخية للصحراء ومحاولات تشجيع وتنمية السياحة الصحراوية وعقد الندوات والمؤتمرات التي تعنى بالصحراء كمثل هذه الندوة التي يقيمها كرسي بن على. بيد انه يلاحظ على هذا الاهتمام الذي نحرص على أن يستمر ويتطور أكثر فأكثر انه – اولا- جاء في الغالب اهتماما أما فرضته ضرورات محلية أوجدتها مشكلات محلية مثل تفاقم المشكلة السكانية أو تداعيات تذمر أو تمرد سياسي من قبل بعض سكان الصحراء واما دفعت اليه رغبة خارجية مثل رغبة السواح الأجانب في السياحة الصحراوية أو استلزمه أكثر من عامل داخلي وخارجي مثل جهود مكافحة التصحر ولم يأت نتيجة مبادرة ذاتية مصدرها الاقتناع الذاتي بضرورة التنمية الصحراوية واولويتها لمستقبل الإنسان العربي، و- ثانيا- مازال اهتماما محصورا في نطاق ضيق يكاد يقتصر على بعض الجهات (شخصيات ودوائر الرسمية ذات الصلة ولم يحظ بعد بالأولوية التي يستحقها لا في إطار القطاع العام ولا في إطار القطاع الخاص ولا حتي بين الميسورين من ابناء الصحراء والذين ما زالوا يعطون الأولوية للهجرة عن الصحراء، و- ثالثا- ينقصه التخطيط العلمي السليم.

ولما سبق فان هذا الاهتمام بحاجة الى تأصيله وتعميقه وتطويره وتكثيفه وربطه بالعلم وتعزيز التعاون بين اطرافه، ولعل ذلك من اهم ما ينبغي أن تكرس له الجهود في الوقت الحالي، ونحسب أن من أهم ما يمكن التوسل به اليه:

  • اعادة تشكيل الوعي العربي (وكذا الافريقي المرتبط به) الرسمي والشعبي بالصحراء بما يحقق تصحيح وتعزيز صورة الصحراء في الوعي العربي وتأصيل وتعميق الاهتمام الفعال بالصحراء وتكريس الدوافع الذاتية لهذا الاهتمام
  • وضع سياسة/ استراتيجية عربية افريقية موحدة ومرنة لتنمية الصحراء- اولا- انطلاقا من الإقرار بحقيقة ما بين الصحراء العربية والصحراء الكبرى الافريقية من اتصال وتداخل ليس جغرافيا فحسب وانما تاريخيا وسكانيا ومواردا أيضاً مما يجعلهما تشكلان معا وحدة تنموية واحدة وثانيا- إدراكا لما من شأن توسيع التعاون الاكبر نطاق عملي ممكن أن يعين على التكلفة المرتفعة لتنمية الصحراء وثالثا- تجاوبا مع التوجه المعاصر نحو التكتلات الواسعة.
  • تعزيز البعد العلمي لهذا الاهتمام الناشئ والنامي بالصحراء بغية ترشيده وتوجيهه بما يحقق نموه الصحي ويرفع كفاءته ويمنع انتكاسه. ومما يتطلبه ذلك:
    • تشجيع الدراسات التي تعنى بإعادة اكتشاف التاريخ الحضاري والثقافي للصحراء.
    • دعم الدراسات المستقبلية التي تستشرف مستقبل الصحاري في إطار المتغيرات الكونية والتطورات الدولية.
    • التركيز على دراسات الثقافة الصحراوية السائدة عند سكان الصحراء لتحديد العلاقة الايجابية المثلى بينها وبين التنمية الصحراوية المنشودة وترشيد علاقة الصحراويين بالصحراء.
    • الاهتمام الفعال بتطوير التقنية الصحراوية المناسبة من خلال إنشاء مراكز علمية متخصصة في المنطقة تعنى بتطوير التقنية المناسبة لاكتشاف واستغلال موارد الصحراء وحل المشكلات الخاصة بالبيئة الصحراوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *