الصراع والحوار من منظور إسلامي

  • المحاضرات
  • مارس 6, 2020

إستراتيجية الصراع:

الظاهر أن البشر، في وضعهم البدائي، أقرب لأن تستحوذ عليهم العداوة لبعضهم البعض، وبحيث كلما اشتدت العداوة بينهم اشتد صراعهم مع بعضهم البعض، وبذلك يبرز الصراع كظاهرة ملفتة للعيان في حياة البشر منذ بداية وجودهم، كما يفيد التاريخ، والى يومهم هذا كما يفيد الواقع المشاهد. وقد كان ومازال هذا الصراع مكلفة جدا وخاصة عندما يأخذ الشكل الجماعي المسلح حيث يكون آثاره ابعد عمقه الأخر، يكاد يغلب في الظن أن الصراع قدر محتوم لا قبل للبشر للإفلات منه أو تجاوزه والسمو عليه. ويبني البعض على مثل هذا الظن مقولات أو نظريات تبرر نهج الصراع وتكرسه وتدعو الى تبني استراتيجية الصراع على مستويي التعامل الفردي والجماعي بين البشر. وصحيح أن التنظير للتوجه الصراعي سجل ويسجل حضورا بارزا في الفكر والقانون الغربيين إلا أننا لا نستطيع أن ننفي انه يسجل حضوراً معتبراً في الفكر الإسلامي والى درجة ما – الفقه الإسلامي أيضا.

إستراتيجية الدفع:

يقر الإسلام بوجود الصراع وتخلله لمختلف العلاقات البشرية بدءا بعلاقة الفرد بذاته حيث تتنازع الفرد داخلية دواعي الخير ونوازع الشر، ومرورا بعلاقاته الاسرية سواء الأخوية أو الأبوية أو الزوجية، صعوده إلى العلاقات الفتوية والقومية وانتهاء بالعلاقات الدولية. بل إن النصوص الإسلامية تضمنت تنبأ بهذا الصراع بين البشر على الأرض قبل أن يحدث فعلا {قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو}[1]. ويشير القرآن إلى أن وقوف الملائكة المسبق على ما سيحدث بين البشر من صراع وسفك الدماء سبب لهم لبسا مما جعلهم يتساءلون في بداية الخلق {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}[2]. وتعلمنا قصص القرآن انه كما تتعدد أشكال الصراع وأطرافه تتعدد كذلك أسبابه ومصادرة وان السبب الغالب أو المباشر قد يكون دينية (قصة ابني آدم) وقد يكون اجتماعية اسرية (قصة يوسف واخوته) أو سياسية قصة طالوت وجالوت) أو اقتصادية (قصة نزاع أخوين على نعجة).

ويلفت القرآن الكريم النظر الى أن الصراع لا يقتصر على علاقة البشر ببعضهم البعض وإنما يتعداها، وان كان بأساليب ووسائل مختلفة، إلى علاقة البشر بغيرهم من بعض المخلوقات أو الكائنات. وأكثر ما يركز القرآن بهذا الصدد على علاقة الإنسان بالشيطان (إبليس) والذي يكن للأول العداء الشديد ويحاول بشتى السبل أن يميله عن رشد السلم والحوار إلى ضلال الاقتتال والصراع. وقد كشف لنا القرآن عن دور هذا الطرف الثالث – الشيطان – في ما يحدث من صراع بين الإنسان وأخيه {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء{[3] وبين لنا كيف انه يشجع البشر على الاقتتال والصراع {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم{[4]. على أن القرآن وان حرص على كشف هذا الدور الخفي للشيطان في الصراعات البشرية، وهو الدور الذي لم يكن في مقدور البشرية التيقن منه وربما مجرد إدراكه لولا هذا الكشف الرباني، إلا أنه حرص بذات القدر على بيان أن هذا الدور الشيطاني ليس دورا قهرياً لأقبل للإنسان بصده وانما هو دور اختياري من حيث أنه لا يتم إلا من خلال إرادة الإنسان وموافقته الطوعية {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}[5] و{إنما سلطانه على الذين يتولونه{[6]، وبذلك يكون القرآن قد أكد على المصدر البشري للصراعات البشرية دون إغفال الأهمية دور الغير (الشيطان) فيها.

إذن الشرع يقر بالصراع ويعتبره أحد الظواهر الأساسية في هذا الوجود. بيد أن حسن فهم منظور الشرع للصراع يتطلب الأخذ في الاعتبار:

  • إن إقرار الشرع بظاهرة الصراع في حياة البشر هو من قبيل الإقرار بالأمر الواقع. وفي ربط الشرع الصراع بإرادة | الإنسان وتأكيده على مسئولية الإنسان عنه ما يؤكد رفض الشرع القول بان الصراع بين البشر قدر محتوم.
  • يذمر ويحظر الشرع الصراع بكل مستوياته بدءا بالبغض والحسد {ولا تباغضوا ولا تحاسدوا}، ومرورا بالتهديد والتخويف {لا يحل لمسلم أن يروع مسلمة}، وانتهاء بالقتال أو حتى مجرد تمنيه {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}[7] و{لا تتمنوا لقاء العدو} ولا يقدح في ذلك كون الشرع شرع القتال وإجازة ردا على القتال لان ذلك إنما جاء من باب الضرورة – ضرورة الدفاع وصد الاعتداء على النفس والغير من المستضعفين.
  • يطرح الشرع منهجا متكاملا لمحاصرة الصراع من خلال العمل على إضعاف جذوره والحد من أسبابه ومعالجة حالاته. ويقوم هذا المنهج على:
  • سياسة تربوية وقائية تهدف إلى تعزيز الروادع والحوافز الداخلية (النفسية) التي تتني المرء عن الصراع وتعزز لديه الدافع الذاتي للنفور من الصراع والعزوف عنه اختيارا وطوعة. وتعمل هذه السياسة من خلال تزكية النفس وتطهيرها من نوازع ودواعي الصراع كالبغض والعداوة والحسد والطمع، وتربيتها على حب الإيثار والعفو والدفع بالتي هي أحسن، وتنشئتها على القبول بالاختلاف والتباين واحترام الآخر وحفظ حقوقه واللجوء للطرق السلمية في حل الخلافات والنزاعات، وتذكيرها بدور الشيطان في دفع الإنسان إلى وضحاياه أكثر عددا. الصراع وضرورة وكيفية مقاومة هذا الدور.
  • ب – سياسة عملية تكفل الاجراءات والآليات المناسبة للتعامل مع حالات الصراع القائمة أو الوشيكة الوقوع وهي سياسة قائمة على استراتيجية الدفع.

والدفع كالمنع والدرء يكون بوسائل عدة بدءا بالدعاء (الاستدفاع) ومرورا بالحوار والتفاوض والمقاضاة.

(الدفاع) وانتهاء باستخدام القوة البدنية والقوة المسلحة (التدافع). والدفع في الإسلام لا يكون إلا لغرض مشروع هو منع الفساد في الأرض {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين}[8]. وحيث أن أكبر فساد من منظور الشرع هو الفتنة في الدين {والفتنة اشد من القتل{[9] والتي تنطوي على الاعتداء على الحرية الدينية والإخلال بالتعايش الديني فقد خص الله دفع مثل هذا النوع من الفساد بالذكر كغاية من غايات الدفع {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا}[10].

واختيار وسيلة الدفع ليس متروكاً للهوى أو المصالح الخاصة أو الفئوية إذ ويشترط في الوسيلة أن تكون ملائمة للمدفوع رفقا وعنفا ولينا وشدة، وان يكون استخدامها وخاصة إذا ما كانت الوسيلة المناسبة هي التدافع (استخدام القوة البدنية أو المسلحة) بقدر الدفع {وجزاء سيئة سيئة مثلها}[11] و{فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}[12]. والذي يستلزم هذين الشرطين، بالإضافة إلى شرط مشروعية الهدف، من منظور الإسلام هو وجوب الالتزام بالعدل في التعامل مع الآخر. والاعتبار الثالث في اختيار وسيلة الدفع هو أفضلية عدل الإحسان على عدل المثل وهو ما پرشدنا إليه الشرع في نصوص عدة منها {خذ العفو وأمر بالغرف وأعرض عن الجاهلين{[13] }وادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم{[14].

وهكذا يبدوا جلية للعيان أن استراتيجية الدفع التي يدعو إليها الإسلام تختلف تماما عن استراتيجية الصراع التي يتبناها البعض سواء، من حيث الأساس أو الهدف أو الوسائل. فاستراتيجية الصراع قائمة على أساس ظني يزعم أن الصراع قانون طبيعي لازم ويلازم الوجود أبدا بينما استراتيجية الدفع قائمة على أساس – يقيني – مفاده أن الصراع بين البشر أمر واقع إلا أنه ليس سنة كونية لازمة. ومن حيث الهدف تركز إستراتيجية الصراع، كما هو الحال في أي مصارعة، على التغلب على الطرف الأخر وطرحه أرضا ما أمكن طلبا للسيطرة والهيمنة عليه، وفي المقابل تهدف إستراتيجية الدفع أساسا إلى دفع الفساد وليس المفسد أي يركز على وقف الصراع أو المصارعة وليس طرح المصارع أرضا ويبدو ذلك جليا في حرص الشرع على دفع العداوة بما هو أقرب لا إلى التغلب الظاهر على العدو وإنما إلى تحويل العدو أو الخصم إلى ولي حميم. ومع اختلاف أسس وأهداف الاستراتيجيتين كان من الطبيعي أن تختلف وسائلهما واعتبارات أو ضوابط استخدامهما.

أصالة الحوار:

لا شك أن اختلاف التصورات عن الصراع يستتبع اختلافا في النظر إلى الحوار والموقف منه، على أن من الواضح انه في غمرة انشغاله برصد وتتبع مظاهر الصراع رغبة في إثبات أصالة الصراع في هذا الوجود، ومن ثم، التأسيس للاستراتيجية الصراع غفل التنظير الغربي، وربما تعامى أحيانا، عن ملاحظة أصالة الحوار ومظاهره – وما أكثرها – في هذا الوجود. واحسب أن المرء لا يحتاج إلا القليل من التأمل ليتيقن من أصالة الحوار في هذا الوجود. ولعل أقصر طريق لذلك هو البدء بما يرجح انه محل اتفاق في ما يتعلق بمقولات الصراع وهو أن الصراع بين البشر، أيا كان التأطير أو التفسير الإيديولوجي له، يعد ظاهرة اجتماعية أي ان الصراع بين البشر يرتبط بالتجمع وجودا وعدما. وإذا كان ذلك كذلك صح القول بأنه بقدر ما يلزم لوجود الصراع وجود تجمع يلزم لوجود التجمع وجود حوار، إذ لا يتصور إمكان قيام تجمع بشري أو استمراره بدون قيام حد أدنى من الحوار بين أفراد مثل هذه التجمعات. إذن فالحوار هو أساس ومصدر التجمع البشري وهو اساس تطويره. واحسب ان تخلف التجمعات غير البشرية عموما = في ما نعلم – يرتبط اساسا بمحدودية القدرة على الحوار بين افراد مثل هذا التجمع. ويتيح ذلك الاستنتاج بان الحوار هو الأصل في التجمع البشري وان ما يطفو عادة على سطح هذا التجمع من صراع لا يعدو أن يكون انحرافا عن الأصل واستثناء منه، وهو ما يرجح خطأ تركيز البعض على فكرة أو مقولة الصراع وبحيث يبدو وكأنما الصراع هو الأصل في التجمع البشري وهو قدره ومصيره الذي لا فكاك عنه ابدا.

وإذا كان ما تمهد من مقاربة عقلية انتهى إلى أن الحوار وليس الصراع هو الأصل في التجمع البشري، يبدو من المنظور الشرعي أن الحوار هو الأصل ليس على مستوى التجمع البشري وحدة وإنما على مستوى الوجود كله. إذا يتضح من القرآن الكريم أن العلاقة الأساسية والأولى في هذا الوجود، وهي علاقة الخالق بالمخلوقات قد بدأت وتأسست واستمرت على أساس الحوار وحده. أما أنها بدأت على أساس الحوار فتشير أليه النصوص القرآنية التي تروى عن الحوار الرباعي الأطراف الذي تم في بداية الخلق بين الخالق سبحانه وتعالى من جهة وبين كل من الملائكة وإبليس والبشر من جهة أخرى. ومن تلك النصوص {وإذا قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين{[15] و{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}[16] و{قال يا إبليس مالك إلا تكون مع الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال}[17] و{وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}[18] فهذه النصوص، وأمثالها، تحكي لنا بعض ما دار بين الخالق وبعض مخلوقاته من القول: والأصل في القول كما نعلم هو الحوار. والجدير بالملاحظة هنا أن تأسيس علاقة الله بالمخلوقات على الحوار لم يقتصر على علاقة الله ببعض المخلوقات، مثلا كالتي جرى العرف على تسميتها بالمخلوقات العاقلة أو الناطقة. فالنصوص توضح لنا أن الله كما حاور الإنسان والملائكة حاور كذلك الارض والسماء {وقال لها وللأرض}[19] و{إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها}[20]. أما أن علاقة الله بمخلوقاته استمرت على أساس الحوار – الحوار الإقناعي وحده – وليس القسر والإكراه فواضح مما هو معلوم من استمرار الله سبحانه وتعالى في محاورة مخلوقاته، وخاصة الإنس والجن، من خلال رسله الذين حملوا إلى أقوامهم رسالات سماوية بلغاتهم تيسيرا لعملية التحاور.

والدلالة الأساسية التي يخرج بها المسلم مما سبق بيانه من أن الله أسس وبني علاقته بمخلوقاته على مبدأ الحوار وان هذه العلاقة استمرت وتستمر على أساس الحوار، رغم ما نعلم من سلبية استجابات أكثر الإنس والجن لهذا الحوار، هي أن الله أراد أن يعلمنا عمليا، ومن خلال القدوة الحسنة، أن النهج السليم في تأسيس وإدارة العلاقات في هذا الوجود هو تأسيسها وإدارتها على مبدأ الحوار. ولا شك أن من شأن مثل هذه الدلالة أن توجه المسلم إلى الحرص على بناء علاقته بالآخر سواء من المسلمين أو غيرهم على مبدأ الحوار. على أن الشرع لم يشأ أن يترك أمر الحوار في حياة المسلم لمثل هذا الاستنتاج الذي وان توصل اليه البعض قد لا يتوصل إليه البعض الأخر وإنما حرص على تأكيد لزوم أن يبني المسلم علاقاته بالآخر على مبدأ الحوار بنصوص صريحة وواضحة من مثل {وقولوا للناس حسنا}[21] و{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن{[22]، وامتثالا لأوامر الشرع واحكامه وبيانا لها مارس الرسول صلى الله عليه وسلم الحوار والتزم به في تعاملاته مع المسلم وغير المسلم وحث أصحابه على حسن الحوار مع الآخر وعلمهم اذابه.

متطلبات الحوار:

وإذا يتضح بذلك مدى حرص الشرع على تعزيز التوجه الحواري في السلوك البشري فان من الواضح أن مدى إقبال البشر على الالتزام بالحوار في تفاعلاتهم مع بعضهم البعض سيكون رهنا بمدى نجاح اسلوب الحوار في تمكينهم من الوصول إلى أهدافهم وتقريبهم أكثر من تحقيق تطلعاتهم. وتتوقف فعالية أسلوب الحوار في تحقيق الأهداف المرجوة بشكل يشجع البشر على انتهاجه والالتزام به في تفاعلاتهم على مجموعة من العوامل التي لا يكتمل للحوار بدونها | اسباب النجاح، ومن أهم هذه العوامل حسن اختبار الغاية من، الحوار والاتفاق على مرجعية الحوار، وتوافر المرونة الكافية لدى أطراف، الحوار وحسن المصداقية العملية.

الغاية من الحوار:

صحيح أن الغاية المباشرة من الحوار عادة ما تتحدد تلقائيا بما تهدف إليه أطرافه في الموضوع محل الحوار. بيد أن مثل هذه الغايات غالبا ما تكون متضاربة بشكل يؤدي الإصرار عليها إلى تعثر الحوار وربما فشله تماما. ومن هنا تأتي أهمية الاختيار الواعي والصائب لغاية أو غايات الحوار من قبل أطرافه. وتزداد أهمية تحري الصواب في تحديد الغاية إذا ما تعلق الحوار بشأن عام كما هو الحال مثلا في الحوار بين الحضارات. ولعل المعيار الأهم في اختيار غايات الحوارات العامة بين أطراف متباينة هو تجنب الغايات الخاصة التي غالبا ما تثير ممانعة أو نفور الأطراف الأخرى و- بدلا عن ذلك – تحري ما قد يكون هناك من مصالح مشتركة تصلح لأن تكون غايات مشتركة لأطراف الحوار، وفي ضوء ذلك يبدوا | واضحا أن ميل البعض الاختيار غايات مثل الهيمنة أو الإقصاء او الاختراق لا يمكن أن يساعد في تحقيق أو إنجاح الدعوات القائمة للحوار الحضاري. وإذا ما أخذنا في الاعتبار الاحتقان المتزايد في العلاقات بين الحضارات بينما تمس الحاجة الى التعايش السلمي والتعاون بينها ترجح لزوم أن تكون الغاية العامة الأساسية من الحوار الحضاري هي تزكية العلاقات بين حضارات وثقافات وأديان العالم بما يؤمن الحد من الأوجه السلبية لتلك العلاقات وينمي أبعادها الإيجابية.

مرجعية الحوار:

من المؤكد أنه لا يستقيم أي حوار بين طرفين أو أكثر لا يستند إلى مرجعية واحدة يكفل الاستناد إلى مسلماتها لحسم الخلافات وضبط الحوار وتوجيهه الوجهة الصحيحة. ويفترض أن لا تتور مسألة المرجعية أو يتعسر الاتفاق عليها | إذا ما كان أطراف الحوار ينتمون إلى مرجعية واحدة لا خلاف على مسلماتها أو أسسها. ولذلك فان حوار المسلم مع الآخر لا يتعين أن يثير إشكالا مرجعية إذا ما كان الأخر مسلمة إذ تجمع بينهما مرجعية واحدة هي مرجعية البيان الشرعي، أما إذا تباينت المرجعيات الأساسية الأطراف الحوار كما هو الحال في الحوار بين الحضارات أو الحوار بين الأديان يغدو لازما اتفاق هذه الأطراف على مرجعية معينة تتبادل الآراء في ضوئها وتحتكم إليها في حسم الخلافات. ومن الواضح أن المرجعية الأنسب وربما الوحيدة التي يمكن الاتفاق عليها كمرجعية حاكمة في مثل هذه الحالات هي مرجعية العقل أو المنطق البشري وذلك باعتبار أن العقل يمثل القدر المشترك، وان كان بدرجات متفاوتة، بين سائر المرجعيات التي يحتكم إليها البشر.

ولا ينبغي أن يجد المسلم حرجة أو صعوبة في قبول مرجعية العقل البشري في الحوار مع الآخر غير المسلم، إذ اليس في مثل هذا القبول تعارض مع ما يتعين على المسلم التسليم به من حاكمية البيان الشرعي ومرجعيته. فالبيان الشرعي نفسه يقر ويؤكد أن العقل البشري يمثل أصلا من أصول المرجعية الشرعية ويتيح بل يدعو إلى الاحتكام إليه في النطاق المحدد له، وهو نطاق واسع يشتمل بالضرورة على الحوار مع غير المسلم ويمتد الى مختلف الأمور الاجتهادية والمسائل العقلية. والواقع أن العقل هو المرجعية التي ارتضاها الله للحوار الإلهي – البشري حيث أن كافة الرسالات السماوية جاءت تخاطب العقل البشري وتعتبر العقل أساس الخطاب أو التكليف الشرعي، ولذلك رفعت التكليف او الخطاب عن من فقد عقله أو لم يكتمل عقله بعد، وتكريسا للاحترام للعقل وتشجيعا للبشر على الاحتكام إليه امتنع الشرع الإسلامي عن ما درجت عليه الرسالات السماوية السابقة من الاستجابة لدعوات او طلبات اجتراح المعجزات التي تبهر العقل أكثر مما تقنعه كشرط للأيمان. ولا يسع قارئ القرآن إلا أن يلاحظ أن الخطاب الشرعي وخاصة ما كان منه موجها لغير المسلم يعتمد في الإقناع أساسا على الحجج العقلية والبراهين المنطقية.

المرونة الكافية:

 من المتطلبات الأساسية لإنجاح الحوار توفر قدر كاف من المرونة لدى أطراف الحوار، وتتوقف مرونة أي شخص او طرف تجاه الآخر على عاملين أساسيين هما طبيعته الشخصية والمرجعية التي يستقي منها رؤيته للأخر ويحتكم إليها في اختلافاته معه.

وتتسم مرجعية المسلم – الشرع الإسلامي – بمرونة عالية تجاه الاخر تبدو واضحة في حرص الشرع على تنشئة المرء على التوجه الايجابي نحو الاخر من خلال تعاليمه التي تكرس لدى أتباعه الاهتمام بالتعارف مع الآخر {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}[23]، ومخاطبته بالحسني {قولوا للناس حسنة}[24] و{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن{[25]، والاهتمام بأموره (ليس منا من لم يهتم بأمر المسلمين)، والتداخل معه مؤاكلة وتزاوجا {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم}[26]، والتعاون معه {وتعاونوا على البر والتقوى}[27] و{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم}[28]، ونصرته إذا ما ظلم أو استضعف أو أهين {ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء}[29]، والتجاوز عن أخطائه وزلاته تسامحا وتنازلا وعفوا وصلحا (والصلح خير) و{فمن عفا وأصلح فأجره على الله}[30] وإيثاراً على النفس {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}[31].

ولا شك أن مرجعية تتسم بهذا القدر من التوجه الإيجابي نحو الاخر كفيلة بان تربي من يلتزم بتعاليمها على التخلق في حواراتهم مع الآخرين بمرونة عالية تعكس مضمون الحديث النبوي (المؤمن هين لين) وتساعد على إنجاح الحوار.

المصداقية العملية:

يعد اقتناع أطراف الحوار بتوافر حد أدنى من المصداقية العملية لدى الطرف الاخر أمرا أساسيا لاستمرار الحوار بحيث تتاح فرصة أكبر للتغلب على الخلافات وتحقيق النجاح. وفي غياب مثل هذا الاقتناع غالبا ما تقل الرغبة ليس فقط في مواصلة الحوار وإنما حتى في مجرد بدء الحوار وهو ما يترتب عنه ما يعرف بأزمة الثقة والتي تمثل أحد أهم عوائق الحوار في الوقت الراهن.

واهتمام الشرع ببعد المصداقية العملية تؤكده ما يتضمنه الشرع من نصوص صريحة ومباشرة توجب تطابق القول والاعتقاد كما توجب تطابق القول والعمل وتحظر الانفصام بينهما ولو حتى على المستوى الشخصي ناهيك عن المستوى العام {يقولون بأفوههم ما ليس في قلوبهم}[32] و(هل يكذب المؤمن ؟ قال: لا) و{لم تقولون ما لا تفعلون كير مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}[33]، ويأتي في اطار حرص الشرع على تعزيز مصداقية أتباعه تشديد الشرع على لزوم الوفاء بالوعد والالتزام بالعهد والميثاق من غير تمييز أو تفريق بين أن يكون الطرف الاخر مسلمة أو غير مسلم.

إذن فالشرع يحرص على، ويقضي الالتزام بتعاليمه إلى، تعزيز المصداقية العملية للمسلم مما يمنع أن تكون مصداقيته سبباً لتعثر الحوار ويعزز احتمال نجاح حواراته مع الاخر وخاصة إذا ما توافرت لهذا الاخر ايضا مصداقية عملية كافية.

تلك عن بعض متطلبات الحوار ومدى توفرها في مرجعية المسلم (الشرع الاسلامي)، على أن مما ينبغي أن يكون واضحا أن توفرها لمرجعية المسلم لا يعني بالضرورة توفرها للمسلم نفسه. والواقع أن تدني حظ المسلمين عموما من متطلبات الحوار يعطي انطباعا غير سليم للآخر ليس عن المسلم فقط وإنما عن الإسلام أيضا الامر الذي يتسبب في إبعادهم أكثر عن الإسلام وفتنتهم عنه. إن واقع سلوكنا، سواء الجماعي أو الفردي والشعبي أو الرسمي، هو المحدد الأساسي لفهم الآخر للمسلم والاسلام معا. ومن هنا لن يكفي أن تجيد العرض النظري للإسلام أو نحسن استعراض ماضينا المجيد ومساهماتنا السابقة في الإرث الحضاري البشري عموما مالم تدعم ذلك بتغيير سلوكنا الشخصي والجماعي وترتفع الى مستوى تعاليم ديننا الحنيف ونلتزم بقيمه ومبادئه.

وكما يؤكد التاريخ ويشهد الواقع، تؤكد وتشهد الكتب السماوية أيضا أن الصراع بين البشر حقيقة واقعية وان جذور هذا الصراع موغلة في القدم، ووفقا للكتب السماوية فان هذا الصراع بلغ ذروته منذ وقت مبكر جدا من التاريخ البشري كما تفيد قصة قتل أحد ابني آدم لأخيه، ومن طول مصاحبة الصراع للوجود البشري واستمرار ملازمته له، رغم أمنيات البعض وجهود البعض.

[1] القرآن الكريم: سورة طه، آية 123

[2] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 20

[3] القرآن الكريم: سورة المائدة، آية 91

[4] القرآن الكريم: سورة الأنفال، آية 48

[5] القرآن الكريم: سورة الاسراء، آية 65

[6] القرآن الكريم: سورة النحل، آية 100

[7] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 190

[8] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 251

[9] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 191

[10] القرآن الكريم: سورة الحج، آية 40

[11] القرآن الكريم: سورة الشورى، آية 40

[12] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 194

[13] القرآن الكريم: سورة الاعراف، آية 199

[14] القرآن الكريم: سورة فصلت، آية 34

[15] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 71

[16] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 30

[17] القرآن الكريم: سورة السجدة، آية 33

[18] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 35

[19] القرآن الكريم: سورة فصلت، آية 11

[20] القرآن الكريم: سورة الأحزاب، آية 72

[21] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 83

[22] القرآن الكريم: سورة العنكبوت، آية 46

[23] القرآن الكريم: سورة الحجرات، آية 13

[24] القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 83

[25] القرآن الكريم: سورة العنكبوت، آية 46

[26] القرآن الكريم: سورة المائدة، آية 5

[27] القرآن الكريم: سورة المائدة، آية 2

[28]القرآن الكريم: سورة الممتحنة، آية 8

[29] القرآن الكريم: سورة النساء آية 75

[30] القرآن الكريم: سورة الشورى، آية 40

[31] القرآن الكريم: سورة الحشر، آية 9

[32] القرآن الكريم: سورة آل عمران، آية 167

[33] القرآن الكريم: سورة الصف، آية 202

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *