الفن في ميزان الإسلام

  • المؤلفات
  • مارس 6, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهداه بكل ما في الكون إلى صراط مستقيم، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتى يرضي الله به علينا يوم الدين.

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، وخاتم رسل الله للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي فاق كل النبيين، وعلى آله الطاهرين وصحابته أجمعين، وكل من اقتفى أثره إلى يوم الدين.

وبعد، فإن الله – سبحانه وتعالى. قد خلق الإنسان من جسم طيني محسوس، ونفخ فيه سر الحياة الأعظم، وهو الروح في مشهد الملائكة الكرام، ثم أنزل الله هذا المخلوق إلى العالم المحسوس، وهو الأرض؛ وذلك ليجد الإنسان من الانسجام مع مكونات هذا العالم ما يوفي بمعادلة التكليف الكبرى، وقد أكد الله على أن استخلاف هذا المخلوق إنما سيكون في الأرض لا في السماء، فقد قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) ([1]).

ولما تعلقت الإرادة الإلهية بجعل الإنسان في الأرض، خفيت حكمة خلق الإنسان على ملائكته، المستغرقين في عبادته، المتمحضين لطاعته، الذين تجردت طبيعتهم عن الشهوة الدافعة، وعن حب المعرفة الذي يمزق في سيره الفاتح حُجُب المجهول، فيجليه ويكشف خفاياه.

وقد أودع الله هذه القوي في الإنسان، حتى ينجح في المهمة التي أوكلها الله إليه، كما اقتضت عنايته أن تعهده برسالاته المساعدة له على الجمع بين معرفته بربه، وبين شحذ قواه ومداركه ليكتشف مكنونات الكون وقوانينه وطبائع المخلوقات.

              فالإنسان جسم محسوس يأكل ويشرب، ويتعب وينام، وروح تتذوق المعاني والجمال، كما أن الأرض والبحار والجبال والسحاب والأشجار والطيور والحيوانات و…. إلخ، كل هذه الأشياء هي عناصر العالم المحسوس التي ترسل إشارات لروح الإنسان، مما يشعر الإنسان باحتياجه للكون المحيط به من الجانب الحسي، وكذلك من الجانب المعنوي.

وتعبير الإنسان عن هذه المشاعر والإشارات التي ترسلها الكائنات، هو ما يسمى بالفن، وهو موضوع بحثنا حيث نستعرض في هذا البحث قضية ” الفن في ميزان الإسلام “، وللفن ارتباط كبير بالجمال، فيصعب علينا أن نتصور الفن بدون تصور الجمال، وكذلك يصعب علينا معرفة علاقة الدين بالفن، دون تصور الفن نفسه.

فرغم أن موضوع البحث عن الفن في ميزان الإسلام، إلا أننا بحاجة لمعرفة الجمال، وطبيعته ومفهومه، وعلاقته بالفن والدين، ولهذا فقد تم تقسيم هذا البحث كما يلي:

الفصل الأول: حقيقة الجمال والفن، وعلاقتهما بالدين الإسلامي:

الفصل الثاني: الفنون السمعية في ميزان الإسلام: وينقسم إلى مبحثين:

المبحث الأول: الغناء في ميزان الإسلام.

المبحث الثاني: الموسيقى في ميزان الإسلام.

الفصل الثالث: فن التصوير في ميزان الإسلام، وينقسم إلى مبحثين:

المبحث الأول: طبيعة فن التصوير وحقيقته.

المبحث الثاني: حكم الإسلام في فن التصوير.

الخاتمة: طبيعة الإسلام وعلاقته بالفنون الإنسانية الهادفة.

الفصل الأول: حقيقة الجمال والفن، وعلاقتهما بالإسلام

تعريف الجمال:

نظرا لارتباط معنى الفن بالجمال، فلابد أن نتعرف على معنى الجمال أولا في اللغة، كذلك في العرف أيضا، فالجمال في اللغة العربية: مصدر الجميل، والفعل جهل. وقوله عز وجل: (فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) ([2])، أي بهاء وحسن. قال ابن سيده: الجمال المحسن یكون في الفعل والخلق. وقد جُمل الرڅل، بالضم، جمالاً، فهو جميل ومال، بالتخفيف؛ هذه عن اللحياني، ومال، الأخيرة لا تكسر. والجمال، بالضم والتشديد: أجمل من الجميل. وجمله أي زينه. والجمل: تكلف الجميل ([3]).

طبيعة الجمال في النفس البشرية وفي الكون:

فطر الله النفس البشرية على حب كلِّ جميل، والنفور من كل قبيح، فللجمال شرف فاق كل شرف، ألا ترى من شرف الجمال أن يدعيه من هو ليس بأهله، كما أنه من حقارة القبح أن ينكره من هو أهله، وكما جعل الله ذلك الشرف والميل للجمال أمرا طبيعيا في الفطرة السليمة، كذلك جعله أمراً محثوثاً عليه في الشرع والدين، ففي الجمال اجتماع للأمر الكوني والأمر الشرعي في انسجام باهر.

وشاءت قدرة المبدع – سبحانه وتعالى – أن يجعل من الجمال في شتى صوره _ مناط رضی وسعادة لدى الإنسان، واستساغة الجمال حقا مشاعا، وربما تختلف مقاييسه من فرد لفرد، ومن عصر العصر، لكنه اختلاف محدود قد يمس جانبا من الجوانب، أو عنصرا من العناصر التي تشكل القيمة الجمالية.

والجمال ليس قيمة سلبية لمجرد الزينة، كما أنه ليس تشكلا ماديا فحسب، ولكنه بالمعنى الصحيح: حقيقة مركبة في مداخلها وعناصرها وتأثيراتها المادية والروحية، وموجاته الظاهرة والخفية، وفي انعكاساته على الكائن الحي، ذلك لأن أثره يخالط الروح والنفس والعقل، فتنطلق ردود أفعال متباينة، بعضها يبدو جليا وبعضها الآخر يفعل فعله داخلية، لكن محصلة ذلك كله ما يتحقق للإنسان من سعادة ومتعة، وما ينبثق عن ذلك من منفعة، تتجلى فيما يأتي أو یدع من أفعال وأقوال، وفيما يحتدم داخله من انفعالات ومشاعر.

والجمال بداهة لا يرتبط بالمظاهر الحسية وحدها، وهذه قضية هامة من وجهة النظر الإسلامية، فالمرأة الجميلة الفاتنة لا يصح أن تكون مجرد أداة لإثارة الشهوة البهيمية، وارتكاب الرذيلة، وإشباع الرغبة الآثمة، وجمال الطبيعة وما فيها من ورود وزهور وأنهار وجبال وطيور، ليس مجرد جمال سطحي، لكنه ينبع من قوة مبدعة قادرة، خلقت فأحسنت، وصنعت فخلبت الألباب والأبصار، وأثارت الفكر والتأمل، وفتحت أبواب الإيمان واليقين بهذه القدرة المعجزة الخالقة، وإذا كان الاستمتاع بالجمال مباحا في الأصول الإسلامية، فإنه مدخل إلى ارتقاء الروح والذوق، وسمو النفس وخلاصها من التردي والسقوط، ومحرك للفكر كي يجول إلى ما هو أبعد من المظاهر الحسية التي قد کُتب عليها الزوال، فالجمال سبب من أسباب الإيمان، وعنصر من عناصره، والقيم الجمالية الفنية تحمل على جناحيها ما يعمق هذا الإيمان ويقويه، ويجعله وسيلة للسعادة والخير في هذه الحياة.

الجمال في النص الشرعي:

والجمال في فطرة الإنسان يميل إليه بطبعه، وهذا لا يحتاج إلى تدليل، إذ هو محسوس مشاهد في كل زمان ومكان، وأما ما ورد في نصوص الشرع الحنيف من دعوة للتأمل في الجمال، فهي كثيرة، نذكر منها. على سبيل المثال لا الحصر – الآتي:

أولا: ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم * والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون) [4]، ومثله ما ورد في ذکر جمال منظر السماء، والحث على النظر إليه بقوله سبحانه و تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) ([5])، ويشبه ذلك أيضا ما ذكره الله سبحانه تعالى في معرض مه على الإنسان بالمخلوقات التي تبعث البهجة في النفوس، كما في قوله تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) ([6]).

ففي هذه الآيات دلالة واضحة، على عظم قيمة الجمال؛ حيث امتن الله على الإنسان بكل مظهر جميل، وحث المؤمنين على النظر في كل جميل؛ حتى تسمو نفوسهم وترتقي لفهم المعاني الجليلة. واماما ورد في السنة المشرفة، فمثل حديث عبد الله بن مسعود، الذي يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر “. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة. قال: ” إن الله جميل، يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس”([7]).

ففي الحديث دعوة صريحة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته للاهتمام بالجمال المظهري، وقد علل هذه الدعوة بأن الله جميل، فالله عز وجل متصف بكل صفات الجمال ونعوت الكمال والجلال.

ويؤكد هذا المعني هذا الحديث الذي رواه معاذ بن جبل قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله، إني أحب الجمال، وإني أحب أن أحمد. كأنه يخاف على نفسه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” وما يمنعك أن تحب أن تعيش حميدا وتموت سعيدا؟ وإنما بعثت على تمام محاسن الأخلاق “([8]).

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الجمال، وحب الذكر الحسن، من سعادة الدنيا، بل جعله من مکارم الأخلاق التي بعث صلى الله عليه وسلم ليتممها.

ولو ذكرنا النصوص الواردة في الكتاب والسنة التي تحث على الجمال، وتؤيده، لطال بنا المقام، ونرى فيما ذكر الكفاية، فإن فضل الجمال، والحث على التأمل في كل جميل، والتعبير عن هذا الإحساس أمر لا يختلف عليه المسلمون، ولا حتى العقلاء.

إدراك الإنسان للجمال مقدمة للفن:

مما سبق نعلم أن النفوس تدرك الجمال عن طريق الحواس، فالعين تدرك المنظر الجميل، والأذن تدرك الصوت الجميل، والأنف تدرك الرائحة الزكية الجميلة، واليد تدرك الملمس الجميل، كما أن اللسان يدرك الطعم الجميل.

فإدراك الجمال وظيفة الحواس التي خلقها الله في الإنسان، ومن الخطأ أن نعتقد أن للجمال مقاییسه الحسية وحدها، تلك التي تقع عليها العين، أو تسمعها الأذن، أو يشمها الأنف، أو يتذوقها اللسان، أو تتحرك لها لمسات الأطراف العصبية، فالجمال مادة وروح، وإحساس وشعور، وعقل ووجدان، فإذا التقى فلاسفة الجمال في بعض الجوانب أو العناصر، فستظل هناك في عالم الجمال مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراك كنهها، والوصول إلى أبعادها، فليس العقل وحده هو القوة القادرة على استكناه كل أسرار الوجود وما خفي فيه، ولحكمة يقول الله في كتابه العزيز: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)([9]).

والسؤال هو ماذا يفعل الإنسان إذا أراد أن يعبر عن هذا الجمال الذي أدركه، وكيف يعبر عنه، وما اسم هذا التعبير؟

فالإجابة أن ليس للإنسان سبيل للتعبير عن مشاعره، إلا بالفن، فالفن هو اسم لتعبير الإنسان عن شعوره بالجمال.

تعريف الفن:

ولكي نستطيع أن نعرف طبيعة العلاقة بين الفن والإسلام، لابد أن نعرف حقيقة الفن وماهيته، فلابد أن نتعرف على معنى الفن، ومدلوله في اللغة، وكذلك في العرف والاستعمال.

فالفن في اللغة: واحد الفنون، وهي الأنواع، والفن: الحال، والفن: الضرب من الشيء، والجمع أفنان وفنون ([10])، والأفانين الأساليب، وهي أجناس الكلام وطرقه، ورجل متفنن، اي ذو فنون، وافتن الرجل في حديثه، وفي خطبته، بوزن اشتق، جاء بالأفانين ([11]).

أما عن الفن في الاصطلاح أو في الاستعمال، فنقطة المنطلق للحديث عنه، والتي يقصد منها تعريفه، وهي في ذاتها مثار خلاف المفكرين والفلاسفة على امتداد تاريخ الفكر البشري، وذلك لتشابه المنتج الفني مع أشكال تعبيرية أخرى كالفكر والسحر من ناحية أخرى.

ولذلك فإن أول إشكالية تعترض من يود مقاربة مفهوم الفن مقاربة فلسفية هي الجواب عن السؤال ما هو الفن؟ وذلك يرجع إلى تعدد مجالات استعمال المفهوم، حيث نسمع مثلا عن ” فنون الطبخ”، كما تنعت أنواع من الرياضات ب ” فنون الحرب”، والملاكمة مثلا ب “الفن النبيل”، علما بأن بعض الممارسات التي يتقاسمها الأدب والفن، بل والتكنولوجيا، يغلب عليها أكثر “اسم الفن” كالسينما، والمسرح…

وهذا ما يؤكد أن مفهوم الفن أصبح معوماً إلى درجة أنه أصبح مقرونا بالإبداع، ونظرا لأن مصداقية أي تعريف تكمن في مدى قدرته على التحديد والتفسير؛ فإننا سنكتفي هنا بهذا التعريف الذي يعرف الفن بأنه هو: “المحاولات التعبيرية التي تستهدف تجسيد المشاعر الإنسانية”، فالحدث الفني يتعلق بالشعور وليس المنطق، وهذا هو الفارق البائن له عن الفكر، والغرض المستهدف هو تجسيد المشاعر.

والفن الصحيح هو الذي يهيئ اللقاء الكامل بين الجمال والحق، فالجمال حقيقة في هذا الكون، والحق هو ذروة الجمال، ومن هنا يلتقيان في القمة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود.

الفن ضرورة ملحة في العصر الحديث:

في ظل حالة الصراع الفكري التي يشهدها العالم الآن فيما يسمى بعصر العولمة، فإن الفن يمثل أخطر سلاح في الوجود بعد القنبلة الذرية وأسلحة الدمار الشامل. وعلى ذلك فمسألة العلاقة بين الإسلام والفن تتجاوز حالة الاشتباك الفقهي، الذي لا ينتهي بين الإسلاميين حول الحلال والحرام في قضايا الفن، وتدخل في نطاق آخر هو نطاق الضرورة القصوى التي تتمثل في سلاح فائق الخطورة، إذا توانى طرف في استخدامه فإن الأخرين لن يتوانوا في استخدامه ضده بأقصى سرعة.

ومن ناحية أخرى فإن للفن القدرة المثلى على تبليغ دعوة الله إلى النفوس. وإنه لمغزى كبير لم نتعلم منه كثيرا، ذلك أن رسالة الله إلينا قد بعثها في أعظم كتاب فني في العالم في تقدير الكثير من الملحدين أنفسهم، وتمثيل التصورات والقيم الدالة على العلاقات الفاعلة بين الإنسان والوجود في عمل إبداعي يرتب أكبر التأثير في ترسيخ هذه التصورات والقيم في نفوس البشر، ويدفعهم إلى امتثالها والارتقاء بها إلى الله الذي هو غاية الوجود.

وعلى ذلك فيجب التأكيد على وجوب اقتحام المبدعين الإسلاميين للمجالات المختلفة للفنون بما في ذلك المجالات التي تم استحداثها في هذا العصر مثل السينما والتليفزيون. إن ما يستطيع الفيلم أو المسلسل التليفزيوني تحقيقه يفوق الأثر الذي تستطيع تحقيقه آلاف الكتب والندوات والخطب.

والإشكالية التي تطرح هنا هي: هل يكون على المبدع الذي يريد اقتحام هذه المجالات أن يكون ملما بمفردات القيم والشرائع الإسلامية التي يتطلبها شمول هذه المجالات لكل النواحي الحياتية للبشر، وأن يكون قادرا على استخلاص الأحكام الاجتهادية من هذه القيم والشرائع التي تواكب حركة الحياة ومستجداتها الدائمة؟

إن تطلب ذلك يعني في الحقيقة اشتراط توافر القدرة على الاجتهاد المطلق في كل فنان يريد إبداع فن إسلامي في هذه المجالات. وحيث إن تطلب ذلك يخرج عن التصور فلا بد من الإيمان بمبدأ جواز الخطأ، ما دام الباعث القائد للعمل الإبداعي هو تمثل الحقائق الإسلامية التي تتمحور حول الإيمان والخير والسمو بالبشر إلى القيم الإسلامية المثلى.

علاقة الإسلام بالفن:

إن أي دين يؤمن بالحياة الأخرى بعد الموت، كالإسلام مثلا، لا يرضى أو يشجع التطور الفني إذا كان سادرة مطلق الحدود، غير ملتزم مثل مذهب “الفن للفن”. إن وقت المسلم محسوب عليه، وليس له أن يضيعه هباء، في غير جدوى.

فمن الخطأ المشاع أن نقول: إن هناك أنواعا من الفنون حرام وأنواعا منها حلال؛ لأن استقراء المنهج الإسلامي في التشريع يكشف عن عدم ورود التحليل أو التحريم المطلق لجنس شيء من الأشياء، فكل شيء يدخل في نطاق الفعل الإنساني تندرج مفرداته بين الحلال والحرام في الإسلام، سواء أكان ذلك طعاما أو شرابا أو متعة أو لهوا أو أي شيء. وكذلك ينطبق الأمر على سائر أنواع الفنون المختلفة حتى الرقص نفسه يمكن تقسيمه بين الحلال والحرام. فعلى الرغم من كونه للوهلة الأولى يبدو فجورا، إلا أنه لا يستطيع أحد الذهاب إلى تحريم رقص المرأة أمام زوجها. إلا أن الأهم من ذلك هو ما ثبت في الصحيح عن مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم والسيدة عائشة رضي الله تعالى عنها لرقص الحبشة، ومن ثم فإن القاعدة التي نستطيع أن ننطلق منها في قياس هذه الأمور في القاعدة التي أرساها الرسول نفسه صلى الله علي وسلم في حكم الإسلام علي الشعر، وذلك في قوله: “الشعر كالكلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح” ([12]). فهي قاعدة يمكن تعميمها على جميع أنواع الفنون.

وفي الحقيقة أن موضوع ” الفن ” موضوع في غاية الخطورة والأهمية، لأنه يتصل بوجدان الشعوب ومشاعرها، ويعمل على تكوين ميولها وأذواقها، واتجاهاتها النفسية، بأدواته المتنوعة والمؤثرة، مما يسمع أو يقرأ، أو يرى أو يحس أو يتأمل.

والقرآن يوجه الحس البشري للجمال في كل شيء، وإنه يسعى لتحريك الحواس المتبلدة لتنفعل بالحياة في أعماقها، وتتجاوب تجاوبا حيا مع الأشياء، والأحياء، وهنا يلتقي الفن بالدين، فإنهما يلتقيان في ثورتهما على آلية الحياة، وعلى نسقها الرتيب وعلى ظاهرها المسطح.

فالإسلام أعظم دين غرس حب الجمال والشعور به في أعماق كل مسلم، وقارئ القرآن يلمس هذه الحقيقة بوضوح وجلاء وتوكيد، فهو يريد من المؤمنين أن ينظر إلى الجمال مبثوثة في الكون كله، في لوحات ربانية رائعة الحسن، أبدعتها يد الخالق المصور، الذي أحسن خلق كل شيء. وأتقن تصوير كل شيء: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) ([13])، (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ) ([14])، (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ([15])، فالقرآن الكريم يلفت الأنظار، وينبه العقول والقلوب، إلى الجمال الخاص للأجزاء الكون ومفرداته..

إن القرآن بهذا كله، وبغيره، يريد أن يوقظ الحس الإنساني، حتى يشعر بالجمال الذي أودعه الله فينا وفي الطبيعة من فوقنا، ومن تحتنا، ومن حولنا. وأن نملأ عيوننا وقلوبنا من هذه البهجة، وهذا السن المبثوث في الكون كله.

فالإسلام دين واقعي، فهو يتعامل مع الإنسان كله: جسمه وروحه، وعقله ووجدانه، ويطالبه أن يغذيها جميعا، بما يشبع حاجتها، في حدود الاعتدال، الذي هو صفة ” عباد الرحمن “: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) ([16])، وليس هذا خلقهم في أمر المال فقط، بل هو خلق أساسي عام في كل الأمور، هو المنهج الوسط للأمة الوسط.

وإذا كانت الرياضة تغذي الجسم، والعبادة تغذى الروح، والعلم يغذي العقل، فإن الفن يغذى الوجدان، ونريد بالفن: النوع الراقي الذي يسمو بالإنسان، لا الذي يهبط به.

وقد أحيا الإسلام ألوانا من الفنون، ازدهرت في حضارته وتميزت بها عن الحضارات الأخرى مثل فن الخط والزخرفة والنقوش: في المساجد، والمنازل، والسيوف، والأواني النحاسية والخشبية والخزفية وغيرها.

كما اهتم الإسلام بالفنون الأدبية التي نبغ فيها العرب من قديم، وأضافوا إليها ما تعلموه من الأمم الأخرى، وجاء القرآن يمثل قمة الفن الأدبي، وقراءة القرآن وسماعه عند من عقل وتامل إنما هما غذاء للوجدان والروح لا يعدله ولا يدانيه غذاء، وليس هذا لمضمونه ومحتواه فقط، بل لطريقة أدائه أيضا، وما يصحبها من ترتيل وتجويد وتحبير تستمتع به الأذان، وتطرب له القلوب، وخصوصا إذا تلاه قارئ حسن الصوت، ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم الأبي موسى: ” يا أبا موسى لقد أوتيت مزمار من مزامير آل داود “([17]).

فالقرآن الكريم آية الإسلام الكبرى، ومعجزة الرسول العظمى: يعتبر معجزة جمالية، إضافة إلى أنه معجزة عقيلة، فقد أعجز العرب بجمال بيانه، وروعة نظمه وأسلوبه، وتفرد لحنه وموسيقاه، حتى سماه بعضهم: سحرا.

مفهوم الفن الإسلامي:

ولم تكن علاقة الإسلام بالفن تقتصر على توصيفه الشرعي فحسب، بل كان هناك فن منسوب إليه عبر العصور، يسمى بالفن الإسلامي، فما هي “الإسلامية” التي يمكنها أن تحدد المنعوت – وهو الفن- وتميزه فتجعله نسقا قائما بذاته منفصلا عن غيره؟ هل الإسلامية صفة تاريخية، أي تنسحب على فترة تاريخية معينة، وإن كانت كذلك فما هي تلك الفترة؟ هل هي فترة ذروة الحضارة الإسلامية إبداعيا؟ أم هي فترة الفتوحات الواسعة؟ أم هي بعد ذلك؟ أم هل “الإسلامية” صفة مكانية، من ثم ترتبط بمكان معين أو حاضرة بعينها؟

وهذا السؤال عن المكانية مثله مثل السؤال عن الزمانية يطرح إشكالية التعددية والتنوع داخل النسق كما سنرى.

أم هل “الإسلامية” صفة مرتبطة بالفعلية؟ بمعنى أن ثمة فعلا يمكن قرنه بهذه الصفة، وفعلا آخر لا يمكن قرنه بها ولا إضافة هذا النعت له.

أم هل ترى “الإسلامية” صفة تنبع من الفاعلية؟ أي أنه كلما كان الفاعل مسلما كان الفعل إسلاميا والمنتوج إسلاميا كذلك، بغض النظر عن صفاته البنائية وخصائصه المميزة؟ كل هذه التساؤلات باختصار هي تساؤلات تدور حول ما يجعل الإسلامي إسلاميا، وهي قديمة قدم الصفة ذاتها وقدم خاصية التفكر والنظر، والاجتهادات في هذا الصدد كثيرة، وكل الإجابات مقبولة وصحيحة.

وهذا التنوع في الإجابة لا يدل على غموض، وإنما على ثراء وتكثيف الصفة في ذاتها، بحيث إننا يمكننا أن نتكلم عن إمكانياتها المكانية والزمانية والفعلية والفاعلية والبنائية في آن واحد. وكمثال على الزمانية سنجد أن معظم من تكلم عن الفن الإسلامي إنما اختاروا الكلام عن حقبة الحضارة الإسلامية في ازدهارها الإبداعي، وضربوا الأمثلة من بقاع متفرقة من سمرقند في الشرق وقرطبة في الغرب، ومن أشبيلية في الشمال حتى تمبكتو في الجنوب، مرورا بالقاهرة وتبريز وأصفهان وخراسان وبانيالوقا وإستانبول وغيرها.

بمعنى أن النقاد الذين اختاروا الزمانية كمحدد رأوا في المكانية والتعددية صفة ثانوية تؤكد خصوصية النسق الذي بنوه.

بينما نجد أن من تعصب للمكانية، فتكلم عن الأندلسي، والمصري، والمغربي، والتركي، والفارسي، والسمرقندي، والقمي، وغير ذلك من صفات مكانية، قد شد عينه وجذب انتباهه التنوع والخصوصية الكامنة في كل مكان؛ فحولت انتباهه عن العناصر العمومية الممتدة عبر المكان وعبر الزمان.

ونجد أن الفعلية تتجلى بالخصوص في فن الخط العربي، حيث المنتج والفعل مرتبط بالإسلام أساسا من خلال ارتباطه باللغة وجماليات الحرف العربي کنسق وحرفة أرسيت دعائمها منذ أقدم العصور الإسلامية، وسنرى هنا أن الفعلية قد جاوزت المكان، فهناك ابن مقلة وإنتاجه من بغداد، وهناك عبد الله هاشم وإنتاجه من إستانبول. وجاوزت الزمان، فها هو هلال العراقي العباسي، وهاكم محمد إبراهيم المصري المعاصر، فهي صفة نبعت من المنتج والفعل في ذاته.

أما الفاعلية فهي صفة جديدة لم تكتسب مشروعية بعد، ولا أظنها تكتسبها. فالقول: إن الفنان المسلم ينتج فنا إسلاميا، هو قول أعرج يفترض أن الإسلام ملة توضع في خانة من خانات بطاقات الهوية، ومن ثم تنسحب منه صفات تضفي على إنتاج وفعل صاحب هذه البطاقة خصوصية ما. إنما الإسلام عقيدة حياة ورؤية معرفية متكاملة ودين بالمعنى الشمولي للكلمة، حيث يتخلل كل جزئية من جزئيات من يعيش في كنفه، ومن ثم قد تكون ملة الصانع أو الحرفي غير الإسلام، ولكن نتاجه الحضاري الجمالي من فن وصنعة هو إسلامي بلا مراء.

كذلك ثمة إشكالية أخرى تجعلنا لا نقبل الفاعلية كأساس تصنيفي، حيث إن الفن في الرؤية الإسلامية المعرفية هو نتاج حياة، من ثم فالجميع متاح لهم كما أوضحنا أن يصيروا فنانين بل هو فرض على كل منتج أن يتقن عمله؛ ومن ثم يخرج فنا كما أسلفنا.

وقد كان لهذا الفن الإسلامي الذي وضحنا جهة نعته بالإسلامية، خصائصه التي تميزه وتجليه بين الحضارات المختلفة، المتزامنة وكذلك التي سبقته، فما هي تلك الخصائص التي تميز الفن الإسلامي؟

خصائص الفنون الإسلامية:

الفرق بين فن وفن، هو فرق الانتماء والتعبير عن حضارات مختلفة، فالفن الروماني – مثلا. به كل سمات الحضارة الرومانية التي تعتبر حضارة “الساعد” أو القوة الجسدية في المقام الأول، وفي الفن الإغريقي نلمح الفكر الفلسفي الذي هو عصب تلك الحضارة، وكذلك الفن الإسلامي يعد من أنقى وأدق صور التعبير عن الحضارة الإسلامية، وكونه المعبر عن هذه الحضارة هو ما يعطيه هذه الصفة، صفة “الإسلامية”.

إن كل متأمل في الفن الإسلامي يعرف أنه أرسى معايير ذات صبغة مميزة، كان لها آثارها الواضحة على العالم الغربي، وبشكل مستمر، خاصة فيما بين القرن العاشر الميلادي والقرن الرابع عشر، الذي أوضح أن الفن الإسلامي يتوسل بالمادة ليعبر عن الإحساس الديني بالحياة، وعن وجدان أخلاقي إسلامي، تماما كأصول العقيدة أو الاعتقاد، لذا تجد، على سبيل المثال وحتى اليوم، في فن المعمار الإسلامي روعة في معمار البيوت البسيطة، وكذلك القصور المشيدة نفسها، وكلاهما يخفي من كنوزه وروائعه أكثر مما يبدو للعيان.

وينسحب هذا على صحون المساجد وساحاتها وقاعاتها، فهي مشيدة بأسلوب ذي دلالة واضحة في رفضه للتقسيم التصاعدي المتدرج، فضلا عن البساطة الواضحة الساطعة الرافضة لكل تهويمات الطقوس السحرية الغامضة، كما ينسحب على التجريد الراقي في المنمنمات التي تصون الخيال عن الوهم، والماثلة في تصوير الأدميين في اشكال متجانسة لطيفة التقاسيم، منعمين في جنات وعيون، تذكر بما ينتظر المؤمنين من نعيم.

كما وصف القرآن: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) ([18]).

فالفن الإسلامي في مصر أو الهند أو العراق هو في النهاية “فن إسلامي” حتى وإن كان الفنان في بعض الأحيان غير مسلم.. لأنه بالإضافة إلى تعبيره عن ذاته وعن بيئته – وهذا ضروري وموجود فإنه يعبر عن الأصيل والثابت والهام في الحضارة التي ينتمي إليها، بصرف النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو الجنسي.

وقد قدم الإسلام نظاما كليا، يعتني فيه بالجسد مثلما يعتني بالروح، في إطار تكامل بين ما هو روحي وما هو جسدي، يأخذ كل منهما مكانته الطبيعية اللازمة، ويؤدي دوره في حياة الفرد والمجموع، ويؤسس لرؤية شاملة للحياة الدنيا بكل شئونها، في شقيها المادي والمعنوي، كما يؤسس لتنظيم علاقة الإنسان بالخالق.

وفيما يلي نتعرف على أهم خصائص الفن الإسلامي:

التجريد والموسيقية:

وهما من أبرز صفات الفن الإسلامي، فالقيمة الجوهرية الكامنة في الفن الإسلامي، هي إيقاعه وتجريده، وما يصاحب ذلك من إحساس موسيقي رائع، لا يجاريه فيه أي فن آخر، ولا شك أن هذا الاتجاه مرده إلى التصور الإسلامي لله وللإنسان وللعالم، ومن أجل ذلك لم تكن وظيفة الفن الإسلامي نقل المرئي، بل إظهار ما هو غير مرئي، ومحاولة الإحساس بالقوانين الرياضية التي تحكم هذا الوجود.

وقد وصلت قمة الإيقاع الموسيقي في الفنون الإسلامية ذروتها في العمارة الأندلسية المغربية؛ حيث تتجاوب أقواس العقود مع سائر العناصر المعمارية، وأحواض المياه والأشجار والمناظر التي تحيط بالمكان؛ حيث يصبح المبنى وكأنه نبت من الأرض، كما ينبت الشجر والنخيل.

كراهية تصوير الكائنات الحية:

شاع رسم وتصوير الكائنات الحية في المنطقة العربية قبل الإسلام، ولكنه لم يهتم قط بالمحاكاة الحركية لهذه الكائنات، كما نرى في الفن الإغريقي والفنون التي سارت على نهجه، وبالرغم من أن القرآن الكريم لم يرد فيه نص صريح يمنع ممارسة تصوير الكائنات الحية، إلا أن البعض يجدون أن رسم الكائنات غير جائز، مما تسبب في اختفاء تصوير الكائنات الحية في الفن الإسلامي، حتى أصبح هذا الاختفاء سمة من سمات التصوير الإسلامي

تحويل الخسيس إلى نفيس:

من المسلمات في العقيدة الإسلامية العزوف عن الإسراف في بهرج الحياة، باعتبار ذلك عرضا زائلا، وما عند الله خير وأبقى، وإلى جانب ذلك فقد وصل ازدهار الحضارة الإسلامية في كثير من العصور إلى درجة عظيمة، كما وصل الثراء إلى حد يفوق كل تصور، وكان في استطاعة المسلمين لو أرادوا أن يزينوا الأجزاء المهمة في المساجد بالأحجار الكريمة، وهنا نجد ظاهرة اجتماعية اقتصادية، تحتاج إلى حل يحقق المواءمة والتوافق بين روح العقيدة وسلوك السلف الصالح، بين إمكانيات المجتمع وقدراته الاقتصادية العالية، ومبادئه الدينية الخالدة.

وهكذا كان على الفنان أن يحقق هذه المواءمة، وأن يبتكر أسلوبا جديدا لحل هذه المعادلة الصعبة، وقد نجح الفنان المسلم في تحقيق هذه الغاية بابتكار الخزف ذي البريق المعدني (وهو نوع من الخزف لم يعرف إلا في الفن الإسلامي في ذلك الوقت، ويتيح الحصول على أوان خزفية تصلح بديلا لأواني الذهب والفضة، ويزخر المتحف الإسلامي بمصر بالكثير من نماذج ذلك الخزف ذي البريق المعدني، والذي يعتبر من أرقى أنواع الخزف في العالم، ومن الحلول الابتكارية التي كان للفنان المسلم الفضل في تحقيقها، المواءمة بين استيفاء المسجد للعظمة والفخامة، وهو ما تتيحه الثروة المتزايدة في المجتمع، وبين ما يتطلبه الفكر الإسلامي في الالتزام بأسلوب السلف الصالح في الحياة البسيطة التي تقوم على صدق الإنسان مع ربه.

فاستطاع الفنان المسلم باستعمال أرخص الخامات إطلاقا، كالطين والخشب، أن يصنع محاريب المساجد من الخزف أو الخشب أو الجص، بعد أن أثراها بالزخرفة والنقش، مما جعل هذه المحاريب قمة في الجمال والجلال. ومن أمثلة المحاريب الإسلامية الرائعة محراب السيدة رقية بالمتحف المصري الإسلامي.

وقد خلفت الحضارة الإسلامية نماذج عظيمة القيمة من التحف المعدنية، والأثاث، وبخاصة من البرونز المكفت والمشغول بالزخارف الدقيقة، التي تبلغ حد الإعجاز، وقيمة هذه التحف لا تعود إلى الخامات التي صنعت منها، ولكن مردها إلى قدرات الفنان في الإنجاز ودقته البالغة في التنفيذ.

المثالية الواقعية أو الإطار الفكري للفن الإسلامي:

يمكن التعبير عن الإطار الفكري الذي يعكس التصور الإسلامي للوجود بخاصية المثالية الواقعية، فالواقعية تعني أن الإسلام يعمل على بلوغ الدرجات الممكنة من الحياد في التعامل مع الواقع، فلا يضع غشاء من الفكر المسبق على عقل الإنسان، وهو يدرك الواقع. ولكن المسألة ليست بهذه البساطة؛ لأن تجريد النظر إلى الواقع من الفكر المسبق ليس كافيا لتحديد ما يمكن اعتباره واقعيا مما يمكن إدراكه من هذا الواقع.

فالماديون يحاولون اختزال الإدراك الواقعي للحقائق في المدركات المادية فقط، مع أن الموضوعية تقتضي اعتبار كل ما يمكن إدراكه من الحقائق الفاعلة في الواقع حقائق واقعية. فكما أن الحقائق المادية واقع، فإن الحقائق الروحية أيضا واقع. وكما أن قوى الإنسان وإمكاناته وغرائزه واقع، فإن مشاعره وطموحاته وارتقاءه واقع ايضا، والواقعية الحقيقية هي التي تعني وضع كل هذه المدركات في الإطار التصوري للفنان.

لكن الواقعية لا تعني الوقوف عند حد الإدراك السلبي للواقع، فإن جاز هذا في الواقع الطبيعي، فإنه لا يجوز في إدراك العلاقات السائدة بين البشر، فإدراك وجود الحق أو الباطل في الواقع لا يقوم على أسس كمية، بل يستند في الضرورة إلى قيم مستقلة، تستطيع التمييز بين الحق والباطل، مهما حوصر الأول أو شاع الثاني.

كما أن إدراك الواقع لا يعني إقراره، فتلك هي الواقعية التي لا يفهمها سوى الضعفاء والانهزاميين، الذين لا تعني الواقعية بالنسبة لهم سوى الاستسلام للأمر الواقع، فالواقعية الإسلامية تعني اقتحام الواقع، والتصارع مع الباطل، وعدم الاستسلام لمعطياته، حتى ولو نجح في فرض نفسه أمرا واقعا بالفعل، ما دامت هناك الإمكانات لتغييره، ووجود الإمكانات الدائمة لتغيير الباطل من مقتضيات العقائد الإسلامية.

والصراع مع الباطل الهدف منه استنهاض الواقع، والعمل على إصلاحه وتقويمه، والسمو به إلى المثل العليا والغايات المنشودة، وهذا ما تعنيه المثالية في الإطار الفكري للتصور الإسلامي.

إنها المثالية الواقعية، التي تفرض على الفنان التعامل مع الواقع بموضوعية كاملة، والسمو به في نفس الوقت إلى المثل العليا التي تحقق رضا الله ورضوانه، فالفنان المسلم إنسان يعيش على الأرض بروح تحلق في السماء. فهو يتفاعل مع الواقع الاجتماعي بعقيدة ربانية ومنهج إلهي؛ ليسمو به إلى غاياته التي يتطلع بها إلى عالم الخلود الذي سوف يستقر به في نهاية المطاف.

والذي يعنيه ما سبق أن الفن الإسلامي مذهب مستقل، يتباين تماما عن تلك المذاهب الفنية التي نشأت عن تطور المفاهيم العلمانية في الغرب، ولكن ذلك لا يعني في نفس الوقت أن الفن الإسلامي مدرسة فنية غير قابلة للتجدد؛ لأن التصور الإسلامي للوجود، والذي نعبر عنه هنا بالمثالية الواقعية، يجمع ما بين الثابت والمتغير.

فالجانب الثابت هو المثالية العقائدية والقيمية للتصور الإسلامي، والجانب المتغير هو الفاعلية الإنسانية التي يتعامل بها هذا التصور مع الواقع، وهذا المتغير قابل للتشكل الفني بحسب التوجهات البشرية المختلفة ومن المزج بين هذا وذاك يتسع المجال لأن تتوالد العديد من المدارس الفنية المتجددة، ولكنه سيلاحظ دائما أنها تختلف عن تلك المدارس الفنية الأخرى التي تتفاعل على أرضية أيديولوجية فنية مختلفة.

ومن ناحية أخرى فإن كون العمل الإبداعي ينطبق عليه معيار الفن الإسلامي؛ فإن ذلك لا يمنحه أي قدر من الارتقاء الفني، فإن المعايير الفنية للعمل الإبداعي مستقلة بذاتها بعيدا عن أي تصورات إيديولوجية أو أخلاقية. فقد ينطبق على العمل الإبداعي صفة الفن الإسلامي، ومع ذلك يكون فتا إسلامية رديئا، وقد لا تنطبق عليه تلك الصفة ويكون عملا فنيا رائعا.

الإسلام وتنوع الفنون:

الفن عمل إنساني بالدرجة الأولى، وذلك لارتباطه بالوعي، ومن أجل ذلك، فهو يتطور في نفسه ويتعدد، نظرا لأن الابتكارات الإنسانية غير محدودة ودائمة التغير، ونحن عندما نتكلم عن الفنون سوف نتكلم عنها باعتبارين: فنون قديمة، وهي التي جاء الإسلام وهي موجودة فسكت عن كثير منها، وتكلم في قليل منها، وفنون حديثة، وهي التي استحدثت بعد عصر التشريع، مثل السينما والمسرح.

والإسلام لم يتعرض لأغلب الفنون القديمة، وهذا يوضح أن الإسلام أقر أغلب ما كان موجودا من فنون في الأمم السابقة، مما علم به المسلمون من نحت، وعمارة، ورسم، وأيضا مما مارسه العرب من فنون القول، التي أبدعها اللسان العربي، من الشعر والنثر والمقامة والقصة والملحمة، والمفاخرة والمنافرة، وسائر فنون الأدب.

قيمة الشعر في الإسلام:

وللشعر قيمة كبيرة في التراث الإسلامي، ولا ينكر مطلع على تراث المسلمين قيمة الشعر في حفظ اللغة العربية وان علماء اللغة والنحو يعتبرون الأبيات الشعرية هي شواهد ودلائل الإثبات قواعد لغتهم الخالدة.

وقد استمع النبي صلي الله عليه وسلم إلى الشعر وتأثر به، ومنه قصيدة كعب بن زهير الشهيرة “بانت سعاد” وفيها من الغزل ما هو معروف، وقصيدة النابغة الجعدي، ودعا له، ووظف الشعر في خدمة الدعوة والدفاع عنها، كما صنع مع حسان. واستشهد بالشعر كما في قوله: “أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل([19]).

واستشهد أصحابه بالشعر، وفسروا به معاني القرآن، بل منهم من قاله، وأجاد فيه، كما يروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – وعلي. كرم الله وجهه. وهناك عدد كبير من الصحابة شعراء، منهم عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت وعبد الله الزبعري، وكعب بن زهير.

وكثير من الأئمة الكبار كانوا شعراء، مثل الإمام عبد الله بن المبارك، والإمام محمد بن إدريس الشافعي وغيرهما.

وقال صلي الله عليه وسلم: “إن من الشعر حكمة” ([20])، كما قال صلى الله عليه وسلم في موضع آخر “إن من البيان لسحرة” ([21]).

هذا ما يوضح ويبرز قيمة الشعر في الدين الإسلامي، وتكلمنا عن الشعر باعتباره فتاكان موجودا قبل الإسلام، وظل في الإسلام بل ومارسه العرب.

السينما والمسرح وعلاقتهما بالإسلام:

أما عن الفنون التي ظهرت بعد عصر التشريع، أي لم تكن هناك نصوص شرعية تتعامل معها، بل هو الاجتهاد الفقهي على أصول الشريعة الغراء، فأبرز هذه الفنون هو التمثيل الذي يعبر عنه في فني السينما والمسرح.

فالسينما والمسرح، وهما أكبر فنين ظهرا بعد عصر التشريع، أو في هذا العصر الحديث، وكان من شدة انتشارهما، أنك إذا أطلقت لفظة الفن انسحبت عليهما، فإن الإسلام لم يحرم فني السينما والمسرح، واعتبرهما وسيلتان تصلحان للمصلحة، كما أنهما يستخدمان في الإفساد، وهو غالب استخدامهما في هذه الأيام.

فالمسرح وهو ما يدعونه ” أبو الفنون “؛ لأنه يجمع كثيرة من الفنون الجميلة، فيوجد في الفن المسرحي، فن الأداء وهو التمثيل، وفن الإخراج، وهو “الرؤيا”، والفن التشكيلي، ويتمثل في تصميم الديكور وتصميم الأزياء، وفن الإضاءة، متمثلا في اللحظات الضوئية المختلفة، وكيفية توزيعها، وفن الاستعراض، متمثلا في تصميم الاستعراضات، وفن الموسيقى، التي هي عنصر من عناصر تأكيد الحدث الدرامي.

كذلك فن السينما، من الفنون الحديثة؛ حيث إنه بدأ منذ ما يقرب من مائة عام، ولكن خلال هذه الفترة تطور هذا الفن تطورا ملحوظة في مختلف مجالاته، وهو أيضا فن غني لأنه يجمع بين كتابة السيناريو، والمكياج، والمونتاج، والتصوير، وهندسة المناظر، والملابس والأزياء، والصوت، إلى جانب التمثيل والإخراج.

والإسلام لم يحكم على هذين الفنين بالإباحة المطلقة، أو بالحظر المطلق، بل وضع ضوابط لهما، لا علاقة لهذه الضوابط بجوهر الفن نفسه، فنهى عن ظهور النساء بشكل يخالف شريعة الإسلام، كما نهى عن اختلاط الرجال بالنساء، بهذه الصورة التي تثير الشهوات، وتفسد المجتمعات مما لا يحتاج إلى التدليل عليه.

ويؤكد هذا الحكم الخاص بفني السينما والمسرح ما قاله الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الحلال والحرام: ” ويتساءل كثير من المسلمين عن موقف الإسلام من دور الخيالة (السينما والمسرح وما شابهها. وهل يحل للمسلم ارتيادها أم يحرم عليه؟ ولا شك أن (السينما) وما ماثلها أداة هامة من أدوات التوجيه والترفيه، وشأنها شأن كل أداة، فهي إما أن تستعمل في الخير أو تستعمل في الشر، فهي بذاتها لا بأس بها ولا شيء فيها، والحكم في شأنها يكون بحسب ما تؤديه وتقوم به.

وهكذا نرى في السينما أنها: حلال طيب، بل قد تجب وتطلب إذا توفرت لها الشروط الآتية:

أولا: أن تتنزه موضوعاتها التي تعرض فيها عن المجون والفسق وكل ما ينافي عقائد الإسلام وشرائعه وآدابه، فأما الروايات التي تثير الغرائز الدنيا أو تحرض على الإثم، أو تغري بالجريمة أو تدعو الأفكار منحرفة، أو تروج لعقائد باطلة، إلى آخر ما نعرف، فهي حرام لا يحل للمسلم أن يشاهدها أو يشجعها.

ثانيا: ألا تشغله عن واجب ديني أو دنيوي. وفي طليعة الواجبات الصلوات الخمس التي فرضها الله كل يوم على المسلم، فلا يجوز للمسلم أن يضيع صلاة مكتوبة -كصلاة المغرب- من أجل رواية يشاهدها. قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ([22]). وفسر السهو عنها بتأخيرها حتى يفوت وقتها. وقد جعل القرآن من جملة أسباب تحريم الخمر والميسر آنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

ثالثا: أن يتجنب مرتادها الملاصقة والاختلاط المثير بين الرجال والنساء الأجنبيات منهم، منعا للفتنة، ودرءا للشبهة،

ولا سيما أن المشاهدة لا تتم إلا تحت ستار الظلام.

ونظرا لكثرة الفنون وتشعبها، فنكتفي بالشعر مثالا من الفنون القديمة، والسينما والمسرح، أمثلة للفنون الحديثة، وفي الحقيقة لن نجد فنا من الفنون أثار جدلا وكلاما على الساحة العلمية بين فقهاء المسلمين، مثل الغناء والموسيقى، والتصوير؛ ولذلك فإن موضوع بحثنا سوف يتناول بالتفصيل المذاهب الفقهية ونظرة الإسلام لهذه الفنون، وهو ما يأتي في الفصول التالية.

 

الفصل الثاني: الفنون السمعية في ميزان الإسلام

لقد تبين لنا فيما ذكر من خلال النصوص: عناية الإسلام بالجمال، وحرصه على تربية تلك الحاسة التي تجعل الإنسان يشعر بالجمال ويتذوقه في مجالاته المتنوعة.

وعلمنا أن من الجمال ما يتجلى لحاسة السمع، ومنه ما يتجلى لحاسة البصر، ومنه ما يتجلى الحواس أخرى، أما “الجمال المسموع”، وبعبارة أخرى الفنون المسموعة فقد كان لها في تراث المسلمين وحضارتهم مكانة كبير؛ إذ تميز المسلمون عبر العصور المختلفة بفن له طابع خاص، وهذا مما يظهر جليا من خلال معرفة أقسام الفنون السمعية عند المسلمين.

الفنون السمعية عند المسلمين:

تنقسم الفنون السمعية عند مختلف علماء المسلمين، سواء السلف منهم أو المعاصرون، إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: يتعلق بالصوت البشري من خلال عنصر الأداء والإحساس إلى الطبقات والمدد الإيقاعية المنغمة ليحدث ما تعارف الناس على تسميته بالغناء.

القسم الثاني: يتعلق بالصوت الخاص أو ما يسميه الغرب: الموسيقى، وهو بمثابة ترجمة لرؤية معرفية خاصة بكل شعب أو بكل حضارة في شكل طبقات صوتية ومدد إيقاعية متفاوتة.

القسم الثالث: وهو فرع خاص بالمسلمين، وهو تلاوة القرآن وتجويده، أي أداء الواجب الديني العبادي بصوت حسن مرخم منغم.

وإشكالية الفنون السمعية عند المسلمين إشكالية محلولة فعلا مطروحة قوة، فالغناء والموسيقى فعل حضاري معبر عن الرؤية المعرفية للأمة، أمر مستمر ولا يحتاج لتدليل أو لبيان، أما اختلاف الفقهاء -وهو رحمة للعباد- فهو اختلاف تفصيلي يربط أحيانا بين السماع واللهو والإعراض عن ذكر الله، ومن ثم يأتي النهي عنه من خلال باب سد الثغرات ودرء الشبهات.

الخصائص الإسلامية للفنون السمعية:

وما يميز الفنون السمعية عند العرب اقترانها بالفعل الحياتي دائما، فالموسيقى والغناء والحداء والنصيب والنشيد والأذان والترتيل وغير ذلك من أشكال الفنون السمعية، كلها مظاهر من مظاهر الفعل الحياتي للإنسان المسلم.

والفنون السمعية الإسلامية مثلها مثل الفنون الإسلامية الأخرى تفي بالشروط الأخرى، وتتسم بنفس السمات التي تميز غيرها من الفنون التي رسمناها بسمة الإسلامية، فالفن السمعي الحياتي الذي يؤدي دورا حياتية عند المسلمين مرغوب ومطلوب، يقول ابن القيسراني: إن باب السماع لا يمكن البت فيه، وكل ما نفع المسلمين فهو حلال مباح، ويرى ابن حجر الهيثمي أن السماع ثلاثة أقسام: سماع العوام وهو حرام لأنه رذيلة لا تفيد، وسماع الزهاد وهو مباح لحصول المجاهدة، وسماع العارفين وهو مستحب لحياة قلوبهم، وهنا نراه يربط بين السماع وبين درجات التقوى ومعرفة الله سبحانه، فهو في هذا يسير في نهج أن الحسن يستنطق اللسان بالتسبيح.

الصفة الأولى: وهي صفة الحياتية تتجلى في مظاهر كثيرة، منها: أغاني الحرفيين وأناشيد العاملين والطوائف وأغاني المناسبات، وقد حض الرسول عليه السلام – على إحياء الأفراح بالأناشيد والأغاني. ولا يتوقف الأمر عند هذا، بل إن الأعياد والمناسبات الدينية كانت لها أغانيها الخاصة وأهازيجها المناسبة وهكذا لعبت الفنون السمعية. وما زالت تلعب دورا هاما في حياة الأمة الإسلامية.

والصفة الثانية: وهي التركيبية، وتتجلى أساسا في عملية رؤية المقامات العربية والشرقية بصفة عامة بوصفها سلالم مركبة، فالموسيقى الشرقية ليست وحدات بسيطة وإنما هي وحدات معقدة في ذاتها، والمزاج الشرقي يتوافق مع هذه الوحدات ومع رؤيتها الصوتية للكون التي تخالف في الأساس الرؤية الغربية.

ما نخلص له هو أن الفنون السمعية عند المسلمين مثل غيرها من الفنون تتميز بصفات الحياتية والتركيبية.

ولا يوجد خلاف بين المسلمين في استحباب أداء القرآن بصوت حسن، فيبقى الأمر في بحث الوضع الفقهي عند علماء المسلمين في فني الغناء، والموسيقى، أو اقترانهما.

ورغم وجود الغناء والموسيقي مقترنين غالبا، إلا أن كلا منهما فن مستقل، وموضوع بذاته منفصل عن الآخر، وليس معنى اقترانهما في الأغنية الحديثة خاصة، أن الغناء لا يوجد إلا بالموسيقى أو الموسيقى لا توجد إلا بالغناء بل الغناء شيء، والموسيقى شيء.

وقد يوجد الغناء باستقلال عن الموسيقى، وكذلك توجد الموسيقى باستقلال عن الغناء، ولهذا سوف نتكلم عن كل منهما على حدة، وسوف نتكلم في النهاية عن اقترانهما في الأغنية الحديثة، عندما يكون ذلك في غاية الوضوح بعد التبيين إن شاء الله، ولنبدأ في تبيين حكم الغناء في الإسلام أولا.

 

المبحث الأول: الغناء في ميزان الإسلام

الغناء هو أقدم الوسائل التي استخدمها الإنسان للتعبير عن مشاعره في كافة المواقف، فقد غنت الشعوب. رغم اختلاف اللغات والحضارات وتنوع اللهجات والثقافات. للحرب والسلام – للحب وللجمال للأرض والوطن وغنت للحزن والفرح والموت والحياة. فما هذا الفن القديم، وما حقيقته ومفهومه؟

تعريف الغناء:

الحكم على الشيء فرع من تصوره، فلابد أن نتصور الغناء تصورا دقيقا، حتى يكون الحكم عليه حكما دقيقا، وهذا التصور يتضح من معرفة مفهوم الغناء في اللغة.

فالغناء بالفتح والمد: النفع، وبالكسر والمد: السماع، وبالكسر والقصر: اليسار، تقول منه غني بالكسر غنى، فهو غني وتغني أيضا، أي استغنى، وتغانؤا: استغنى بعضهم عن بعض، والمغنى مقصور، واحد المغاني، وهي المواضع التي كان بها أهلوها ([23]).

والمراد هنا هو الثاني الذي بالكسر والمد، وهو الغناء من الصوت: ما طرب به، قال محمد بن ثور:

عجبت لها أي يكون غناؤها فصيحا ……………………….. ولم تفغر بمنطقها فما

وقد غنى بالشعر وتغنى به؛ قال: تَغَنَّ في كُلِّ شِعرٍ أَنتَ قائِلُهُ إِنَّ الغِناءَ لِهَذا الشِعرَ مِضمارُ، أراد إث التغني، فوضع الاسم موضع المصدر. وغناه بالشعر وغناه إياه. ويقال: غنى فلا يغني أغنية، وتغنى بأغنية حسنة، وجمعها الأغاني؛ فأما ما أنشده ابن الأعرابي من قول الشاعر:

ثم بدت تنبض أحرادها ……………………….. إن متغناة وإن حاديه

فإِنه أَرادَ إِنْ مُتَغَنِّيَةً، فأَبدلَ الياءَ أَلِفاً كَمَا قَالُوا الناصاةُ فِي الناصِية، والقاراةُ فِي القارِيةِ. وغَنَّى بالمرأَة: تَغَزَّلَ بِهَا. وغَنَّاهُ بِهَا: ذَكَّرهُ إِيّاها فِي شِعْرٍ، قَالَ:

أَلا غَنِّنا بالزَّاهِريَّة، إِنَّني ……………………….. عَلَى النَّأْيِ مِمَّا أَن أُلِمَّ بِهَا ذِكْرَا ([24]).

وهناك نوع من الغناء يسمى حداء، وهو غناء خاص بالإبل يغني لها حتى تسرع في السير، والفقهاء يتعاملون معه بنفس معايير الغناء تقريبا، وربما كان أخف في الإنكار عليه من الغناء.

والحداء في اللغة: من حدا: حدا الإبل وحدا بها يحدو حدوا وحداء (حداء)، ممدود: زجرها خلفها وساقها. وتحادت هي: حدا بعضها بعضا؛ قال ساعدة بن جؤية:

أرقت له حتى إذا ما عروضه ……………………….. تحادت وهاجتها بروق تطيرها

ورجل حاد وحداء؛ قال: وكان حداء قراقريا، الجوهري: الحدو سوق الإبل والغناء لها.

علاقة الغناء بالشعر:

إن الغناء فن أدائي، وليس فتا إنشائيا، بمعنى أنه فن يقوم على فن موجود في الأصل، وإنما يبرز الغناء بطريقة الأداء فالفن الأصيل للغناء هو الشعر، والغناء فرع على الشعر، فهو طريقة الأداء الشعر بالتنغم والتلحين.

والغناء من الفنون التي تستريح إليها النفوس، وتطرب له القلوب، وتنعم به الآذان، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن من البيان لسحرة” ([25])، وهذا كان في الكلام عن الشعر، فلا شك أن الغناء شعر والشعر كلام، غير أن الغناء يزيد عن الشعر في اللحن والأداء.

ولكن السؤال هو: هل لهذه الزيادة تأثير في النفس والشعور أم لا؟ الإجابة: نعم، وهذا مما يجعل للغناء قيمة عالية فكل ما قيل عن الشعر يقال عن الغناء أيضا من جهة التأثير.

ولذلك تزامن الغناء والشعر باعتبارهما من الفنون القديمة، فكان الغناء موجودا قبل الإسلام، وظل أثناء الإسلام، ومارسه المسلمون، فكان الحكم عليه من خلال النصوص، مما جعل قضية توصيفه الشرعي مبناها النصوص الشرعية الا الاجتهاد، إذ كان موجودا في زمن التشريع.

الغناء في النصوص الشرعية:

أولا: الغناء في القرآن الكريم:

في الحقيقة أن لفظة الغناء لم ترد في القرآن الكريم، وكذلك كل مشتقات هذه اللفظة بمعنى السماع والصوت لم ترد أيضا، وإنما ورد في القرآن ألفاظ اختلف الصحابة والسلف الصالح والأئمة في تأويلها، وقد كان يذهب أحيانا إلى أنها تعني الغناء لكن الغناء لم يرد نصا صريحا في القرآن الكريم، وبالتالي لم يرد حكمه، فكيف يرد حكمه صريحا وهو لم يرد باللفظ الصريح؟ ومن الآيات التي وردت وأولها القوم على الغناء:

الآية الأولى: قال سبحانه وتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) ([26])، روى سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري قال: سئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث)، فقال: الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات. وعن ابن عمر أنه: الغناء، وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول ([27]).

الآية الثانية: قوله عز وجل: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) ([28])، اختلف أهل التأويل في الصوت الذي عناه. جل ثناؤه – بقوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ)، فقال بعضهم: عنى الغناء واللعب.

ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد في قوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ)، قال: باللهو والغناء.

حدثني أبو السائب قال: ثنا ابن إدريس قال سمعت ليثا يذكر عن مجاهد في قوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ)، قال: اللعب واللهو.

وقال آخرون: عنى به: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ): بدعائك إياه إلى طاعتك، ومعصية الله.

ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ)، قال صوته: كل داع دعا إلى معصية الله.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ). قال: بدعائك.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، أن يقال إن الله تبارك وتعالى قال لإبليس: واستفزز من ذرية آدم من استطعت أن تستفزه بصوتك، ولم يخصص من ذلك صوتا كان دعاء إليه، وإلى عمله وطاعته، وخلافا للدعاء إلى طاعة الله، فهو داخل في معنى صوته، الذي قال الله تبارك وتعالى اسمه له: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) ([29]).

الآية الثالثة: قال جلا وعلا: (أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ) ([30])، قال ابن عباس عن سامدون: ” هو الغناء بالحميرية، اسمدي لنا أي غني لنا “([31])، ” وأنتم سامدون قال: البرطمة ([32]). حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ” وأنتم سامدون ” قال: البرطمة.

حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: السامدون: المغنون بالحميرية ([33]).

الآية الرابعة: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) ([34]) ” اختلف أهل التأويل في معنى الزور الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم لا يشهدونه، فقال بعضهم: معناه الشرك بالله.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا سفيان، عن جويبر عن الضحاك، في قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال: الشرك.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)، قال: هؤلاء المهاجرون. قال: والزور: قولهم لآلهتهم وتعظيمهم إياها.

وقال آخرون: بل عنى به الغناء. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن عبد الأعلى المحاربي قال: ثنا محمد بن مروان، عن ليث، عن مجاهد في قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال: لا يسمعون الغناء ([35]).

مما سبق من الآيات الواردة، وما ذكر فيها من أقوال الصحابة والتابعين والمفسرين، نلاحظ عدة أمور:

أولا: أنه لم يحصل اتفاق، وإجماع بين الصحابة والسلف والأئمة المفسرين على أن الآيات الواردة مورد الذم في القرآن تعني الغناء.

ثانيا: أنه حتى على افتراض أنها تعني الغناء فالسياق ليس سياق تحريم لفن الغناء المجرد، إنما هو سياق آخر كما يظهر في أولى تلك الآيات وهي قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) ([36])، حيث كان العذاب الذي توعد به الله في الآية، جزاء للإضلال عن سبيل الله بغير علم، والاستهزاء بآيات الله، ولم يكن العذاب جزاء لمجرد لهو الحديث.

ثالثا: أن الآيات تتكلم على الكافرين، وتذكر أفعالهم في معرض الصد عن سبيل الله، وإسقاط الآيات الواردة في المشركين على المسلمين من فعل الفرق الضالة كالخوارج.

ثانيا: الغناء في السنة المشرفة:

كان الغناء في بعض الأوقات أمرا متعارفا عليه بين المسلمين، وهذا في المناسبات السارة؛ لإشاعة السرور، ولترويح النفوس وذلك كأيام العيد والعرس وقدوم الغائب، وفي وقت الوليمة، والعقيقة، وعند ولادة المولود.

ولم يقتصر هذا الأمر على عوام المسلمين فحسب، بل كان من نبي الأمة الأعظم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما تروي السيدة عائشة رضي الله عنها: أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو”([37]).

وقال ابن عباس: زوجت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ” أهديتم الفتاة؟ ” قالوا: نعم. قال: ” أرسلتم معها من يغني؟ ” قالت: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم”([38]).

وعن عائشة: أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى – في عيد الأضحى – تغنيان وتضربان، والنبي صلي الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه، وقال: “دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد”([39]).

وعن عائشة أيضا قالت: كان في حجري جارية من الأنصار، فزوجتها، قالت: فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرسها، فلم يسمع غناء، ولا لعبا، فقال يا عائشة: ” هل غنيتم عليها، أو لا تغنون عليها “، ثم قال: ” إن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء “([40]).

وعن عامر بن سعد أنه قال: كنت مع ثابت بن وديعة، وقرظة بن كعب – رضي الله عنهما – في عرس غناء، فسمعت صوتا، فقلت: ألا تسمعان؟ فقالا: إنه رخص في الغناء في العرس، والبكاء على الميت نياحة ([41]).

وعن أم سلمة قالت: دخلت علينا جارية لحسان بن ثابت – يوم فطر – ناشرة شعرها، معها دف، تغني فزجرتها أم سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” دعيها يا أم سلمة، فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا “([42]).

وعن ربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل علي صبيحة بني بي، والحاصل على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جویريات يضربن بدف لهن، ويندبن: من قتل من آبائي يوم بدر، إلى أن قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في الغد، فقال: “دعي هذه، وقولي الذي كنت تقولين” ([43]).

وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، فسمعنا لغطا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حبشية تزف والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت ذقني على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: ” أما شبعت؟ ” فجعلت أقول: لا؛ لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر فارفض الناس عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر “. قالت: فرجعت. ([44]).

ومما ورد عن الصحابة أيضا ما رواه زيد بن أسلم، عن أبيه: سمع عمر رجلا يتغنى بفلاة من الأرض، فقال: الغناء من زاد الراكب ([45]).

ومما ذكر من الأحاديث الواردة في الصحاح والسنن، يتبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اهتم بمزاج الناس وحبهم للغناء، كما في الحديث الذي يلوم عائشة فيه لعدم تكليفها من يغني، بقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء”، فجعل حبهم للغناء موجبا لأن تجلب لهم عائشة رضي الله عنها من يغني، ففي هذا الحديث وغيره مما ذكر دلالة واضحة على أن الغناء لم يكن محظورا من الشرع الحنيف.

الغناء في المذاهب الفقهية:

إن المذاهب الفقهية ليست آراء توضع مقابل النص الشرعي، بل من الجهل العظيم أن نقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا، ثم نقول: وقال أبو حنيفة: كذا كذا، بل الصواب أن نقول قال الله: كذا، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم: كذا، وفهم أبو حنيفة من النص كذا وكذا.

والمذاهب الفقهية هي أعلى أشكال فهم النص الشرعي المتمثل في القرآن الكريم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم”، هذا الفهم الذي أجمع المسلمون على قبوله وتدريسه واتباعه وتقليده والفتوى به عبر أزمنة القوة والرخاء، وخاصة المذاهب الأربعة للأئمة الأعلام، هؤلاء الأئمة الذين أضاءوا ليل هذه الأمة، كإمام الأئمة أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه، وإمام دار الهجرة عالم المدينة الإمام مالك رضي الله عنه، وإمام المسلمين الأعظم عالم قريش الذي يملأ طباق الأرض علما الإمام الشافعي، وإمام أهل السنة الذي كان سببا في حفظ الدين بثباته في الفتن الإمام أحمد بن حنبل.

ونحن عندما نتكلم عن مذاهب الأئمة في الغناء، إنما نعني به الغناء المجرد بغير آلة، بمعنى أنه غناء غير مصحوب بالموسيقى، فللموسيقى مبحث خاص نتكلم عن مذاهب الأئمة فيها.

فكيف نظرت هذه المدارس الفقهية العريقة لهذه النصوص الشرعية، وكيف فهمت عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نصوص الكتاب والسنة؟

الغناء في فقه الأحناف:

يعتبر المذهب الحنفي من أشد المذاهب في الحكم على الغناء، فقد ذهب الأحناف إلى تحريم الغناء للهو بغير مناسبة، وربما عبروا عنه بأنه كبيرة، كما ذكر ذلك عن أئمة الأحناف، حيث قال أحدهم: “وظاهره أن الغناء كبيرة، وإن لم يكن للناس، بل لإسماع نفسه؛ دفعا للوحشة، وهو قول شيخ الإسلام، فإنه قال بعموم المنع، والإمام السرخسي، إنما منع ما كان على سبيل اللهو” ([46]). ويقول السرخسي من أئمة الأحناف: “ولا تجوز الإجارة على تعليم الغناء والنوح لأن ذلك معصية” ([47]).

وكذلك يقول ابن عابدين أيضا: “قوله ومغنين لأن الغناء حرام”([48])، واختلفوا في حكمه في المناسبات كالأعراس والأعياد على أقوال بين الإباحة والكراهة، كما نقل هذا أيضا أئمة مذهب الأحناف – رضي الله عنهم. حيث قالوا: “كذا اختلفوا في الغناء في العرس، والوليمة، فمنهم من قال بعدم كراهته كضرب الدف” ([49]).

فالأحناف يقولون بتحريم الغناء إذا أطلق، وتارة يذكرون الكراهة وربما عنوا الكراهة التحريمية كما يتوافق مع أصولهم، وإنما كانت دائرة المباح في الغناء عند الأحناف ضيقة جدا، فاعتبر الأحناف أن الغناء إذا كان ليستفيد المغني منه نظم القوافي: ليكون فصيح اللسان فيباح، وإذا كان يغني لإسماع نفسه أيضا فمنهم من كرهه، ومنهم من أباحه، وهذا ما ذكره ابن عابدين حيث قال: ” اعلم أن التغني لإسماع الغير وإيناسه حرام، ومنهم جوزه في العرس والوليمة، وقيل: إن كان يتغنى ليستفسد به نظم القوافي وفصاحة اللسان فلا بأس، أما التغني لإسماع نفسه قيل لا يكره، وبه أخذ شمس الأئمة، لما روي ذلك عن أزهد الصحابة، البراء بن عازب – رضي الله عنه، والمكروه على ما يكون على سبيل اللهو. ومن المشايخ، من قال: ذلك يكره. وبه أخذ شيخ الإسلام “([50]).

وكذلك اعتبروا الغناء لنفسه ليهون على نفسه الوحشة والوحدة مباح، كما قال ابن عابدين في حاشيته: “وقيل: إن تغنى وحده للوحشة، لا بأس به، وبه أخذ السرخسي، وذكر شيخ الإسلام أن كل ذلك مكروه عند علمائنا”([51]).

والأحناف قالوا بحرمة أن يكون الغناء مهنة للمسلم، يتكسب منها ويتسم بها، وقد ذكر هذا أيضا ابن عابدين حيث قال: ” إن اسم مغنية ومغن، إنما هو في العرف: لمن كان الغناء حرفته التي يكتسب بها المال، وهو حرام، ونصوا على أن التغني للهو أو لجمع المال حرام بلا خلاف؛ وحينئذ فكأنه قال: لا تقبل شهادة من اتخذ التغني صناعة يأكل بها “([52]).  

ونخلص مما سبق أن الأحناف – رضي الله عنهم – يرون أن الغناء للهو في غير مناسبة محرم باتفاق، وإن لم يصاحبه موسيقى، وكذلك الغناء للتكسب والحرفة، فهو حرام بلا خلاف عندهم، وأنهم اختلفوا في الغناء في المناسبات كالعرس والأعياد فمنهم من أباحه، ومنهم من كرهه كراهة تنزيهية، وكأنهم اتفقوا على عدم الإثم فيه، أما الغناء الاستفادة القوافي، وفصاحة اللسان فقد أباحوه بلا كراهة، واختلفوا في أن يغني المرء لنفسه؛ للخروج من الوحشة بين الإباحة والكراهة والتحريم.

الغناء في فقه المالكية:

وكما أن الإمام مالك هو ثاني إمام بعد أبي حنيفة من الأئمة الأربعة، من حيث الترتيب الزمني، كذلك تلا مذهب المالكية مذهب الأحناف في الحكم على الغناء من حيث الشدة، فكان المالكية أقل شدة من الأحناف في التعامل مع الغناء، وإن كانوا أكثر شدة من الشافعية والحنابلة.

فإن المالكية ذهبوا إلى تحريم الغناء إذا كان للإطراب سواء كان مصحوبة بالموسيقي أم لا، ومنهم من ذهب الكراهة دون التحريم، فممن حكى التحريم أبو الحسن المالكي قال: “كذا لا يحل لك سماع الغناء بالمد، وهو مدما يقصر، وقصر ما يمد؛ لتحسين ا لصوت، من كلام طيب مفهوم المعنى، محركا للقلب؛ طلبا للإطراب، سواء كان بألة، أو بغيرها، على المذهب” ([53])، وكذا نقل عبد الرحمن المغربي المالكي: ” قال القاسم بن محمد: إذا جمع الحق والباطل يوم القيامة، كان الغناء من الباطل، وكان الباطل في النار، وقال أصبغ: والباطل كله محرم على المؤمنين، قال الله عز وجل: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) ([54])([55]).

وممن حكي الكراهة أيضا عبد الرحمن المغربي المالكي حيث قال: ” الغناء إن كان بغير آلة، فهو مكروه، ولا يقدح في الشهادة بالمرة الواحدة، بل لا بد من تكررة، وكذا نص عليه ابن عبد الحكم؛ لأنه حينئذ يكون قادحا في المروءة” ([56]).

إلا أن بعض فقهاء المالكية فصلوا في المسألة، فقالوا بجواز سماع الغناء لمن يعتبر به، وحرمة سماعه لم يفتتن به، مثل القاضي عياض الشبلي حيث قالوا عنه: “هو شيخ الصوفية، ذو الأنباء البديعة، وواحدة المتصوفين في علوم الشريعة، عالما فقيها، على مذهب مالك، قال: سئل عن السماع فقال: ظاهره فتنة، وباطنه عبرة، فمن عرف الإشارة، حل له استماع العبرة ” ([57]).

وكذلك العز بن عبد السلام – رحمه الله. كأنه قال بقول يقارب قول القاضي عياض حيث ذكر أيضا فقهاء المالكية عنه: ” وقال ابن عرفة عن عز الدين بن عبد السلام: إنه متفق على علمه ودينه، لا ينعقد إجماع بدونه، قال في قواعده: الطريق في صلاح القلوب يكون بأسباب من خارج، فيكون بالقرآن، وهؤلاء أفضل أهل السماع، ويكون بالوعظ والتذكير، ويكون بالحداء والنشيد، ويكون بالغناء بالآلات المختلف في سماعها، كالشبابات، فإن كان السامع لهذه الآلات مستحلا سماع ذلك، فهو محسن بسماع ما يحصل له من الأحوال، وتارك للورع لسماعه ما اختلف في جواز سماعه” ([58]).

وأما الحداء عند السفر، والغناء برفع العقيرة” ([59]) للوطن، فقد أباحه المالكية، كما ذكر ذلك ابن عبد البر حيث قال: ” وأما قوله في حديث مالك: فرفع بلال عقيرته، فمعناه رفع بالشعر صوته كالمتغني به ترنما، وأكثر ما تقول العرب: رفع عقيرته، لمن رفع بالغناء صوته، وفي هذا الحديث دليل على أن رفع الصوت بإنشاد الشعر مباح، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم ينكر على بلال رفع عقيرته بالشعر، وكان بلال قد حمله على ذلك شدة تشوقه إلى وطنه، فجرى في ذلك على عادته، فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وهذا الباب من الغناء قد أجازه العلماء، ووردت الآثار عن السلف بإجازته، وهو يسمى غناء الركبان، وغناء النصب والحداء، وهذه الأوجه من الغناء لا خلاف في جوازها بين العلماء” ([60]). ثم يستأنف ابن عبد البر حديثه بعد تدليله على ما يقول بالأحاديث فيقول: ” وأما الغناء الذي كرهه العلماء فهذا الغناء بتقطيع حروف الهجاء، وإفساد وزن الشعر، والتمطيط به، طلبا للهو والطرب، وخروجا عن مذاهب العرب، والدليل على صحة ما ذكرنا: أن الذين أجازوا ما وصفنا من النصب والحداء، هم الذين كرهوا هذا النوع من الغناء، وليس منهم من يأتي شيئا وهو ينهى عنه” ([61]).

نخلص مما ذكر: أن المالكية – رضي الله عنهم – قد اختلفوا في الغناء الذي لم تصاحبه آلة، وكان للإطراب، في غير مناسبة، فتارة قالوا بالتحريم، وتارة قالوا بالكراهة، ولعلهم أيضا ذكروا الكراهة بمعنى التحريم، كما أنهم أباحوا الحداء، والغناء بالأشعار المستقيمة للوطن.

الغناء في فقه الشافعية:

وكان الشافعية – رضي الله عنهم – أقل شدة، وأرفق في الحكم على الغناء، حيث إنهم ذهبوا إلى أن الغناء بغير آلة لا يحرم، فتارة يصرحون بإباحته مطلقا، وتارة يذكرون بأنه مكروه، ومن تردد في نقل الإباحة بلا كراهة تارة، والكراهة أخرى، الخطيب الشربيني حيث قال: “مع أن التحقيق: أن الغناء ليس محرما مطلقا، وإنما المحرم إذا كان بآلة في الهيئة الاجتماعية” ([62])، كما قال في موضع آخر: “ويكره الغناء، وهو بالمد، وقد يقصر، وبكسر المعجمة: رفع الصوت بالشعر؛ لقوله سبحانه تعالى(ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) ([63]). قال ابن مسعود: هو والله الغناء رواه الحاكم، ورواه البيهقي، عن ابن عباس وجماعة من التابعين، هذا إذا كان بلا آلة من الملاهي المحرمة، ويُكره سماعه كذلك، والمراد استماعه، ولو عبر به كان أولى، أما مع الآلة فيحرمان، واستماعه بلا آلة من الأجنبية، أشد كراهة، فإن خيف من استماعه منها أو من أمرد فتنة، فحرام قطعا “([64]).

وممن نقل من أئمة الشافعية أنه لا يحرم أيضا، ولكنه مكروه، أبو إسحاق الشيرازي حيث قال: ويكره الغناء وسماعه آلة مطربة، لما روى ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل “([65])، ولا يحرم، لما روى: أن النبي صلى الله عليه وسلم، مر بجارية لحسان بن ثابت، وهي تقول:

*هل على ويحكما إن لهوت من حرج*

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا حرج إن شاء الله “. وروت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان عندي جاريتان تغنيان، فدخل أبو بكر – رضي الله عنه. فقال: مزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” دعهما فإنها أيام عيد “([66]).

فإن غنى لنفسه، أو سمع غناء جاريته، ولم يكثر منه، لم ترد شهادته؛ لأن عمر – رضي الله عنه. كان إذا دخل في داره يترنم بالبيت والبيتين، واستؤذن عليه لعبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه. وهو يترنم فقال: أسمعتني يا عبد الرحمن. قال: نعم قال: إنا إذا خلونا في منازلنا نقول كما يقول الناس. وروي عن أبي الدرداء. رضی الله عنه وهو من زهاد الصحابة وفقهائها: أنه قال: إني لأجم قلبي شيئا من الباطل؛ لأستعين به على الحق.

فأما إذا أكثر من الغناء، أو اتخذه صنعة يغشاه الناس للسماع، أو يدعي إلى المواضع ليغني، ردت شهادته؛ لأنه سفه وترك للمروءة، وإن اتخذ جارية؛ ليجمع الناس لسماعها، ردت شهادته لأنه سفه وترك مروءة ودناءة ([67]).

وكذلك من الشافعية من أباح الغناء، بشرط أن يكون الكلام في غير العصيان كالشعر، وألا يكون عادة، ومن هؤلاء حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي – رضي الله عنه. حيث قال: ” نظم الشعر، وإنشاده، وسماعه، بألحان، وغير ألحان، ليس بحرام، إلا أن يكون في الشعر هجو، أو وصف امرأة معينة، أو فحش، وما يحرم نثره فيحرم نظمه، فإن الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وقد أنشد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعار ولم ينكرها.

وإن أطنب في المدح، حتى انتهى إلى حد الكذب، قيل: إنه حرام، والصحيح: أن ذلك ليس بكذب، إذ ذلك ليس يقصد منه الاعتقاد والتصديق، بل هو إظهار صنعة في الكلام، وسماع الغناء مباح؛ لأن ما جاز اللحن، جاز مع الحان، إلا أن يتخذ ذلك عادة “([68]).

كما أن الإمام أبا حامد الغزالي – رحمه الله – كان يرى أن الغناء قد يكون طاعة، وقد يكون معصية، فكأنه اعتبره وسيلة مجردة لا حكم لها في نفسها، بل إن حكمها يحدد تبعا لاستخدامها، وإنما هي في نفسها مباحة معفو عنها إن لم ترتبط بمعصية أو طاعة، فقد نقل عنه البجيرمي هذا حيث قال: “قال الغزالي: الغناء إن قصد به ترويح القلب على الطاعة، فهو طاعة، أو على المعصية، فهو معصية، أو لم يقصد به شيء فهو لهو معفو عنه” ([69]).

كما أن الشافعية لا يحرمون سماع الغناء من المرأة إذا أمنت الفتنة، ونص كبار فقهاء الشافعية على هذا في غير موضع، فقد قال البجيرمي في حاشيته على الإقناع، في أثناء حديثه عن الأذان: “ولا يشكل بجواز غنائها، مع سماع الأجنبي له؛ حيث لم يخش منه فتنة؛ لأن الغناء يكره للرجال استماعه، حيث لم تخش الفتنة وإلا حرم” ([70]). وكذلك أيضا ذكر عبد الحميد الشرواني في حواشيه حيث قال عن الآذان: “وهل يحرم على سامع أذانها السماع، فيجب عليه سد الأذان، أم لا؟ فيه نظر، والأقرب الثاني؛ لأنه لا يحرم سماع نحو الغناء منها، إلا عند خوف الفتنة ” ([71]).

 وكذلك أيضا وافق الشافعية الأحناف، والمالكية، في الحداء، بل ذهبوا أيضا إلى ندبه، كما نقل ذكر الخطيب الشربيني حيث قال: ” ويباح الحداء، بل قال المصنف في مناسكه: مندوب؛ لأخبار صحيحة وردت به، ولما فيه من تنشيط الإبل للسير، وإيقاظ النائم، وهو بضم الحاء وبالمد، بخطه، وكذا في “المحكم” و”الصحاح”، ويجوز كسر الحاء، ويقال فيه: جدو أيضا، وهو ما يقال خلف الإبل من رجز شعر وغيره، ذكر في “الإحياء” عن أبي بكر الدينوري: أنه كان في البادية فأضافه رجل فرأى عنده عبدا أسود مقيدا، فسأله عنه، فقال مولاه: إنه طيب، وكانت له عیس، فحملها أحمالا ثقيلة، وحدأها، فقطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم، فلما حطت أحمالها ماتت كلها، قال: فشفعت فيه، فشفعني، ثم سألته أن يحدو لي، فرفع صوته، فسقطت لوجهي من طيب صوته، حتى أشار إليه مولاه بالسكوت.

ويباح سماعه أيضا واستماعه، لما روى النسائي في “عمل اليوم والليلة”، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن رواحة: ” حرك بالقوم فاندفع يرتجزہ” ([72]).

ونخلص مما سبق أن الشافعية – رضي الله عنهم. قد ذهبوا إلى أن الغناء، سواء كان في مناسبات أو لا، لا يحرم، وترددوا في وجه عدم الحرام هل هو مطلق الإباحة، أم مع الكراهة، كذلك ذهبوا إلى إباحة سماع صوت المرأة بالغناء إذا ما أمنت الفتنة، وأيضا ذهبوا إلى إباحة الحداء مطلقا، بل ذكروا أيضا ندبه.

وبهذا نجد أن مذهب الشافعية أخف في حكمه على الغناء، من مذهب الأحناف والمالكية، والله يجزي الجميع بالخير، ولننظر ماذا قال أئمة المذهب الرابع، المذهب الحنبلي.

الغناء في فقه الحنابلة:

أما مذهب الحنابلة فكان أقرب لمذهب الشافعية، وجاءت عبارات إمام المذهب الإمام أحمد ابن حنبل غير صريحة في الحرمة، بل الأظهر أنها تحمل على الكراهة، فاختلف أئمة مذهب الحنابلة في حكم الغناء، وترددت أقوالهم بين الحرمة، والكراهة، والإباحة، فقد قال ابن قدامة: ” قال أحمد – رضي الله عنه.: لا يعجبني الغناء؛ لأنه ينبت النفاق في القلب، وقال: من خلف ولدا يتيما له جارية مغنية، تبع ساذجة، واختلف أصحابنا فيه، فذهب طائفة إلى حرمته؛ لأنه يروي عن ابن عباس، وابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” الغناء ينبت النفاق في القلب” ([73]).

وذهب أبو بكر والخلال إلى إباحته مع الكراهة، وهو قول القاضي؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: ” كانت عندي جاريتان تغنيان، فدخل أبو بكر فقال: مزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” دعهما فإنها أيام عيد “([74]).، قال أبوبكر ([75]): الغناء والنوح واحد، مباح ما لم يكن فيه منكر، ولا فيه طعن “([76]).

وكذا نقل الكراهة في المذهب العلامة البهوتي الحنبلي المحقق حيث قال: ” ويكره سماع الغناء، بكسر الغين والمد، والنوح بلا آلة لهو من عود وطنبور ونحوهما، ويحرم معها، أي مع آلة اللهو سماع الغناء، قال أبو بكر عبد العزيز: والغناء والنوح معنى واحد، نقله عنه في “المغني”، فليس المراد النوح بمعنى النياحة؛ لأنه يحرم، بل هو كبيرة كما تقدم “([77]).

كما نقل ابن قدامة الخلاف بين الحنابلة، ونقل القول بالإباحة للخلال، وذكر أن الخلال علل كراهة أحمد بأنها ليست كراهة للغناء نفسه، وإنما هي كراهة للأفعال المذمومة فيه، فقد قال ابن قدامة: ” واختلف أصحابنا في الغناء، فذهب أبو بكر الخلال، وصاحبه أبو بكر عبد العزيز إلى إباحته، وقال أبو بكر عبد العزيز: الغناء والنوح معنى واحد مباح، ما لم يكن معه منكر، ولا فيه طعن، وكان الخلال يحمل الكراهة من أحمد على الأفعال المذمومة، لا على القول بعينه “، ثم يستأنف ابن قدامة تحقيقه للقول في الغناء فيقول: ” وممن ذهب إلى إباحته كراهة، سعد بن إبراهيم، وكثير من أهل المدينة، والعنبري ” وبعد أن يذكر الأحاديث الدالة على هذا الحكم يقول: ” واختار القاضي أنه محرم، وهو قول الشافعي، قال: هو من اللهو المكروه، وقال أحمد: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني “([78]).

وأما الحداء، فذهبت الحنابلة إلى إباحته مطلقا، تماما كما فعلت بقية المذاهب، ونقل الإباحة عنهم ابن قدامة، والبهوتي، فقال ابن قدامة: ” وأما الحداء، فمباح؛ لما روي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لابن رواحة: “حرك بالقوم”، فاندفع يرتجز فتبعه أنجشة، فأعنقت الإبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنجشة: “رويدك، رفقا بالقوارير “([79]). ونشيد الأعراب لا بأس به لأنه كالحداء وكذلك سائر الأصوات “([80]).

وقد ذكر البهوتي – رحمه الله – ما يوافق هذا فقال: ” ويباح الحداء – بالضم والمد ويجوز كسر الحاء – الذي يساق به الإبل، ويباح نشيد العرب؛ لفعله بين يديه صلى الله عليه وسلم “([81]).

ونخلص مما سبق ذكره من مذهب الحنابلة، إلى أن الحنابلة – رضي الله عنهم. قد انتهوا إلى أن الغناء بغير آلة في غير مناسبة لا إثم فيه، تماما كما ذهب الشافعية، كما أنهم وافقوا باقي المذاهب في جوازه مطلقاً في المناسبات، وكذلك ذهب الحنابلة إلى أن الحداء مباح مطلقا وكذلك نشيد العرب.

خلاصة قول المذاهب الأربعة في الغناء:

ومما سبق عرضه من مذاهب الأئمة نستخلص الآتي:

أنهم أجمعوا على أمور:

أولا: الغناء بغير آلة في المناسبات، كالأعراس والأعياد، لا إثم فيه.

ثانيا: الحداء مباح لا إثم فيه، بل يكاد أن يكون سنة إقراريه.

ثالثا: أن مستديم الغناء، وسامعه ساقط المروءة ترد شهادته.

واختلفوا فقط في الغناء بغير آلة في غير المناسبات، فاختلفوا بين الحرمة، والكراهة، والإباحة، والاستحباب في أحوال خاصة.

من خلال الاطلاع على ما نقلناه موجزا من مذاهب الأئمة، يتضح لنا: أن الكلام في الغناء ليس من أصول العقيدة، وكذلك ليس من المعلوم من الدين بالضرورة، بل هو مسألة فرعية خلافية، وبعد أن تتاح لنا فرصة الاجتهاد والنظر في الأدلة، نخرج بنتيجة في هذا البحث وهي:

أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح، أو صريح غير صحيح، ولم يسلم حديث واحد مرفوع إلى رسول الله يصلح دليلا للتحريم، وكل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية والحنابلة والشافعية.

قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب “الأحكام”: لم يصح في التحريم شيء، وكذا قال الغزالي، وابن النحوي في “العمدة”، وقال: ابن طاهر: لم يصح منها حرف واحد، وقال ابن حزم: كل ما روي فيها باطل وموضوع ” ([82]).

لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، وتستطيبها العقول، وتستحسنها الفطر، وتشتهيها الأسماع، فهو لذة الأذن، كما أن الطعام الهنيء لذة المعدة، والمنظر الجميل لذة العين، والرائحة الذكية لذة الشم… إلخ، فهل الطيبات أي المستلذات حرام في الإسلام أم حلال؟

فلم يبق في الإسلام شيء طيب، أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة إلا أحله الله رحمة بهذه الأمة؛ العموم رسالتها وخلودها. قال سبحانه تعالى: )يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ( ([83])، ولم يبح الله الواحد من الناس أن يحرم على نفسه أو على غيره شيئا من الطيبات مما رزق الله مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه، فإن التحليل والتحريم من حق الله وحده، وليس من شأن عباده، قال تعالى: )قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ( )[84]). ولو تأملنا لوجدنا حب الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية وفطرة بشرية، حتى إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه، ولذا تعودت الأمهات والمرضعات والمربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم.

بل نقول: إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتى قال الغزالي: “من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور وجميع البهائم، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه- المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه. فتري الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها، وتصغي إليه ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها، حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها “([85]).

فننتهي في هذا المبحث إلى القول بإباحة الغناء بغير آلة، إباحة مطلقا، وهذا ما يوافق كثيرة من علماء الشافعية والحنابلة، فضلا عن موافقته للعلماء والأئمة من السابقين أمثال ابن جزم، والغزالي، وابن السمعاني، كما أنه يوافق بعض علمائنا المعاصرين.

المبحث الثاني: الموسيقى في ميزان الإسلام

الموسيقى لغة عالمية واحدة تتكون من الحروف نفسها، لكنها تتعدد بتعدد الشعوب التي تستخدمها، ويتغير لونها ومذاقها من شعب لآخر؛ حتى لتظنها لغات كثيرة، لا لغة واحدة.. ومن أهم الأسباب التي تؤدي إلى هذا الاختلاف طبيعة الشعوب، والآلات التي تستخدمها في موسيقاها، والقوالب الفنية التي تصب فيها هذه الموسيقى.

والموسيقى من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان وتطورت عبر السنين لتصبح عنصرا أساسية في حياة البشر، ففي الحضارة الفرعونية القديمة ظهرت النقوش التي تحمل أسماء العازفين والمنشدين والرسامين على جدران المعابد والمدافن، وكانت في الغالب لموسيقي و فناني القصر الذين لهم أعمال فنية متميزة، كما مارست الموسيقي دورة سياسية واجتماعية منذ آلاف السنين، فقد اعتبر “كونفوشيوس” منذ القرن السادس قبل الميلاد أنه لابد من استخدام الموسيقى في التعليم، وأصر على أن تعاليمه الصارمة بشأن الاعتدال يجب أن تطبق على الموسيقى، كما رأى أن الموسيقى المستحبة هي تلك التي تعلم الناس، تنظم المجتمع وتقوي الحكومة.

تعريف الموسيقى، وماهيتها:

إن كلمة موسيقى ليست كلمة عربية أصلا، بل هي كلمة لاتينية، وتعني بالعربية الصوت الخاص، وهو بمثابة ترجمة الرؤية معرفية خاصة بكل شعب، أو بكل حضارة، في شكل طبقات صوتية ومدد إيقاعية متفاوتة، وتعني الموسيقى عند العرب الصوت الخارج من آلات العزف، ولكي نتصور الموسيقي لابد أن نعرف العزف والمعازف في لغة العرب؛ قال ابن منظور: ” عزف يعزف عزفا: لها. والمعازف: الملاهي، واحدها معزف ومعزفة. وعزف الرجل يعزف إذا أقام في الأكل والشرب، وقيل: واحد المعازف عزف على غير قياس، ونظيره ملامح ومشابه في جمع شبه ولمحة، والملاعب التي ضرب بها، يقولون للواحد عزف، والجمع معازف رواية عن العرب، فإذا أفرد المعرف، فهو ضرب من الطنابير ويتخذه أهل اليمن وغيرهم، يجعل العود معزفاً. وعزف الدف: صوته. “([86]).

الموسيقى في النص الشرعي:

أولا: الموسيقى في القرآن الكريم:

لفظة الموسيقي غير عربية، وبديهي أن لا ترد في القرآن، ولكن حتى المعنى العربي لها وهو صوت المعازف، لم يرد في القرآن، بل إن الآلات نفسها والمعازف، لم ترد في القرآن صريحة قط، والسلف يسمون آلات العزف والمعازف آلات لهو، وكذلك صوت المعازف، والذي ورد آيات فهم منها بعض السلف وأئمة التفسير أنها تتكلم عن المعازف وصوتها، ومن أمثلة هذه الآيات قوله تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) ([87])، اختلف أهل التأويل في الصوت الذي عناه. جل ثناؤه – بقوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) فقال بعضهم: عنى الغناء واللعب، وعن مجاهد في قوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) قال: باللهو والغناء “([88]).

 

ثانيا: الموسيقى في السنة المشرفة:

الموسيقى في السنة وردت في بعض أفرادها كالدف، والمزمار، وكذلك وردت بكلمة المعارف، ومن الأحاديث التي أثبتت الدف مثلا حديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: ” كان في حجري جارية من الأنصار، فزوجتها، قالت: فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرسها، فلم يسمع غناء، ولا لعبا، فقال يا عائشة: “هل غنيتم عليها، أو لا تغنون عليها؟”، ثم قال: ” إن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء “([89]).

وكذلك حديث عن الربيع بنت معوذ، قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم، غداة بني علي والحاصل على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تقولي هكذا وقولي ما كنت تقولين “([90]).

وحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض مغازيه، فجاءت جارية سوداء، فقالت يا رسول الله: إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب على رأسك بالدف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن نذرت فافعلي، وإلا فلا “. قالت: إني كنت نذرت، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربت بالدف ([91]).

وأما الأحاديث التي أشارت إلى المعازف عموما بغير تخصيص الدف، فعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ”، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: ” إذا ظهرت المعازف، والقيان، واستحلت الخمر “([92]).

وكذلك حديث عبد الرحمن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ” إن الله بعثني رحمة للعالمين، وهدى للعالمين، وأمرني ربي – عز وجل – بمحق المعازف، والمزامير، والأوثان، والصلب، وأمر الجاهلية “([93]).

الموسيقى في المذاهب الفقهية:

ومن خلال ما ذكرنا من نصوص ذكرت في القرآن والسنة، فكان من تمام الفائدة، معرفة فهم الأئمة الأعلام الذين دونوا الفقه، لهذه النصوص، مما يجلي مسالة حكم الإسلام في الموسيقى، أي آلات العزف واللهو.

وفي الحقيقة لن تخرج آراء المذاهب الأربعة عن رؤية واحدة، وهي أن أغلب الأصوات التي تنتجها آلات العزف واللهو لا تجوز، وكانت دائرة الإباحة ضيقة جدا.

الموسيقى في مذهب الأحناف:

الأحناف قسموا آلات اللهو قسمين: قسم يباح، وقسم يحرم، وإن كان القسم المحرم هو أغلب المعازف فقد نقل ذلك الإمام محمد بن بكر الحنفي حيث قال: ” الملاهي نوعان: محرم، وهو الآلات المطربة الغناء، كالمزمار، سواء كان من عود، أو قصب، كالشبابة، أو غيره، كالعود، والطنبور؛ لما روى أبو أمامة: أنه عليه الصلاة والسلام قال: ” إن الله بعثني رحمة للعالمين وأمرني بمحق المعازف والمزامير ” ([94])؛ لأنه مطرب مصد عن ذكر الله تعالى.

والنوع الثاني: مباح، وهو الدف في النكاح، وفي معناه ما كان من حادث سرور، ويكره في غيره؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه: أنه لما كان يسمع الدف، بعث فنظر، فإن كان فيه وليمة سكت، وإن كان في غيره عمده بالدرة، وهو مكروه للرجال على كل حال للتشبه بالنساء ونقله في “فتح القدير”، ولم يتعقبه، ونقل في “البزازي” في المناقب الإجماع على حرمة الغناء إذا كان على آلة، كالعود وأما إذا كان بغيرها فقد علمت الاختلاف “([95]).

نخلص مما سبق أن الأحناف يحرمون جميع آلات اللهو والعزف عدا الدف، ولعلهم يوافقون بذلك أغلب المذاهب.

الموسيقى في مذهب المالكية:

سوف نجد أن المالكية وافقوا الأحناف تقريبا في مذهبهم، حيث حكموا على أغلب آلات اللهو والمعازف بالحرمة، وهذا ما نقل عنهم في معتمد فقههم حيث قال أبو الحسن المالكي: “لا يحل لك سماع شيء من آلات الملاهي كالعود إلا الدف في النكاح” ([96]).

كما قال الدسوقي في “حاشيته”: “غوان، جمع غانية، بمعنى مغنية، أي إذا كان غناؤها يثير شهوة، أو كان بكلام قبيح، أو كان بآلة، لأن سماع الغناء إنما يحرم إذا وجد واحدا من هذه الأمور الثلاثة، وإلا كان مكروها فقط إن كان من النساء لا من الرجال “([97]).

وقد ذكر عبد الرحمن المغربي، جواز البوق في الأعراس حيث قال: ” ولابن كنانة في المدونة إجازة البوق في العرس، فقيل معنى ذلك في البوقات والزمارات التي لا تلهي كل الإلهاء، والله أعلم. واختلف في جواز ما أجيز من ذلك، فقيل هو من قبيل الجائز الذي يستوي فعله وتركه، في أنه لا حرج في فعله ولا ثواب في تركه وهو المشهور في المذهب، وقيل: إنه من قبيل الجائز الذي تركه أحسن من فعله، فيكره فعله لما في تركه، من الثواب، إلا أن في فعله حرجا أو عقابا، وهو قول مالك في “المدونة”: أنه كره الدفاف والمعازف في العرس وغيره”([98]).

ونخلص من هذا أن المالكية يرون حرمة أغلب المعازف عدا الدف، وفي البوق ترددوا بين الكراهة، والحرمة. فكأنهم وافقوا مذهب الأحناف.

الموسيقى في مذهب الشافعية:

قسم الشافعية المعازف إلى قسمين: قسم يباح، وقسم يحرم، وهم تقريبا على ما ذهب إليه الأحناف والمالكية أيضا، فقد ذكر الإمام أبو إسحاق الشيرازي هذا فقال: ” فصل: ويحرم استعمال الآلات التي تطرب غناء كالعود والطنبور والمعرفة والطبل والمزمار، والدليل عليه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّه) ([99])، قال ابن عباس: إنها الملاهي. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر ([100]) والكوبةَ والقنِّينَ”؛ فالكوبة: الطبل، والقنين: البربط ([101]).

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” تمسخ أمة من أمتي؛ بشربهم الخمر وضربهم بالكوبة والمعازف “؛ ولأنها تطرب، وتدعو إلى الصد عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة، وإلى إتلاف المال فحرم كالخمر.

ويجوز ضرب الدف في العرس والختان، دون غيرهما، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف “، ويكره القضيب الذي يزيد الغناء طربا ولا يطرب إذا انفرد؛ لأنه تابع للغناء فكان حكمه حكم الغناء ([102]).

كما ذكر ذلك أيضا السيد البكري الدمياطي حيث قال: “بخلاف الصوت الحاصل من آلات اللهو والطرب المحرمة، كالوتر فهو حرام يجب كف النفس من سماعه” ([103]).

وكذلك الخطيب الشربيني حيث قال: ” ويحرم استعمال، أو اتخاذ آلة من شعار الشربة، جمع شارب، وهم القوم المجتمعون على الشراب الحرام، واستعمال الآلة، هو الضرب بها، كطنبور بضم الطاء، ويقال الطنبار، وعود وصنج، وهو كما قال الجوهري: يضرب بعضها على بعض، وتسمى الصفاقتين، لأنهما من عادة المخنثين، ومزمار عراقي، بكسر الميم، وهو ما يضرب به مع الأوتار، ويحرم استماعها أي الآلة المذكورة لأنه يطرب ” ([104]).

وما ذكره حُجة الإسلام أبو حامد الغزالي في نقله عن المذهب حيث قال: ” المعازف والأوتار، حرام؛ لأنها تشوق إلى الشرب، وهو شعار الشرب، فحرم التشبه بهم، وأما الدف، إن لم يكن فيه جلاجل، فهو حلال، ضرب في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيه جلاجل فوجهان، وفي اليراع وجهان، والأصح أنه لا يحرم، والمزمار العراقي حرام؛ لأنه عادة أهل الشرب، والطبول كلها مباح، إلا الكوبة “([105]).

وكذلك نستخلص مما ذكر من مذهب الشافعية في آلات اللهو والمعازف: أن الشافعية يحرمون أغلب آلات اللهو والمعازف، وكذلك كالأحناف والمالكية، ولم يجوزوا إلا الدف والطبول.

الموسيقى في مذهب الحنابلة:

والحنابلة كانت قريبة من مذهب الشافعية، فذهبوا تقريبا إلى ما ذهب إليه الشافعية، إلا أنهم قسموا الآلات إلى ثلاثة أقسام: محرمة، ومباحة، ومكروه ويذكر هذا التقسيم ابن قدامة إمام الحنابلة حيث يقول: ” فصل في الملاهي: وهي على ثلاثة أضرب: محرم، وهو ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها، والعود والطنبور والمعرفة والرباب ونحوها، فمن أدام استماعها ردت شهادته “. ثم استأنف الإمام ابن قدامة يدلل بالأحاديث على ما ذكر حتى قال: ” وضرب مباح، وهو الدف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف “([106])، وذكر أصحابنا وأصحاب الشافعي أنه مكروه إلا في النكاح؛ لأنه يروي عن عمر: أنه كان إذا الدف بعث فنظر فإن كان في وليمة سكت وإن كان في غيرها عمد بالدرة “، ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن امرأة جاءته فقالت: إني نذرت إن رجعت من سفرك سالما أن أضرب على رأسك بالدف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أوفي بنذرك “([107]). رواه أبو داود، ولو كان مكروها لم يأمرها به، وإن كان منذورا، وروت الربيع بنت معوذ قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة بني بي، فجعلت جویريات يضربن بدف لهن، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إلى أن قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد؟ فقال: ” دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين “([108]). متفق عليه، وأما الضرب به للرجال فمكروه على كل حال؛ لأنه إنما كان يضرب به النساء والمخنثون المتشبهون بهن، ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء.

فأما الضرب بالقضيب فمكروه، إذا انضم إليه محرم أو مكروه، كالتصفيق والغناء والرقص، وإن خلا عن ذلك كله الم يكره؛ لأنه ليس بالة ولا يطرب ولا يسمع منفردا بخلاف الملاهي ” ([109]).

وقد نقل ابن مفلح مذهب الحنابلة وأقوال الإمام فقال: ” ويحرم كل ملهاة سواه كمزمار وطنبور ورباب وجنك، قال في “المستوعب” و”الترغيب”: سواء استعملت لحزن أو سرور، وسأله ابن الحكم عن النفخ في القصبة كالمزمار قال: أكرهه، وفي القضيب وجهان، وفي “المغني”: لا يكره إلا مع تصفيق أو غناء أو رقص ونحوه، وكره أحمد الطبل لغير حرب، واستحبه ابن عقيل فيه لتنهيض طباع الأولياء وكشف صدور الأعداء، وليس عبثا، وقد أرسل الله الرياح والرعود قبل الغيث والنفخ في الصور للبعث، وضرب الدف في النكاح، والحج العج والثج، واستحب أحمد الصوت في عرس وكذا الدف، قال الشيخ: لنساء، وظاهر نصوصه، وكلام الأصحاب التسوية “([110]).

والحاصل أن مذهب الحنابلة، تماما كمذهب الشافعية تقريبا، إلا أنهم ذهبوا إلى إباحة الدف مطلقا، والشافعية كرهوا ذلك.

ذكر من أباح المعازف وآلات اللهو:

وممن أباح الآلات والمعازف الإمام الغزالي حيث قال: ” اللهو معين على الجد ولا يصبر على الجد المحض، والحق المر، إلا نفوس الأنبياء عليهم السلام، فاللهو دواء القلب من داء الإعياء، فينبغي أن يكون مباحا، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه، كما لا يستكثر من الدواء، فإذا اللهو على هذه النية يصير قربة، هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها، بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة، فينبغي أن يستحب له ذلك، ليتوصل به إلى المقصود الذي ذكرناه. نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال، فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق، ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومن أحاط بعلم علاج القلوب، ووجوه التلطف بها، وسياقتها إلى الحق، علم قطعا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غنى عنه “([111]).

وعقد الغزالي في كتاب ” إحياء علوم الدين ” الكتاب الثامن في السماع وفي خصوص آلات الموسيقي قال: إن الآلة إذا كانت من شعار أهل الشرب أو الخنين وهي المزامير والأوتار وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة، وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدف وإن كان فيه الجلاجل وكالطبل والشاهين والضرب بالقضيب وسائر الآلات.

ونقل القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن” قول القشیری ضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح”. فكن يضربن ويقلن:

نحن بنات النجار ……………………….. حبذا محمد من جار

ثم قال القرطبي: وقد قيل إن الطبل في النكاح كالدف وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن رفثا۔

ونقل الشوكاني في “نيل الأوطار” في باب ما جاء شفی آلة اللهو أقوال المجرمين، والمبيحين وأشار إلى أدلة كل من الفريقين، ثم عقب على حديث “كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه” بقول الغزالي: قلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: “فهو باطل” لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة، ثم قال الشوكاني: وهو جواب صحيح لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح، وساق أدلة أخرى في هذا الصدد من بينها حديث ” من نذرت أن تضرب بالدف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رده الله سالما من إحدى الغزوات “، وقد أذن لها عليه صلوات الله وسلامه بالوفاء بالنذر والضرب بالدف، فالإذن منه يدل على أن ما فعلته ليس بمعصية في مثل ذلك الموطن، وأشار الشوكاني إلى رسالة له عنوانها “إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع”.

              وفي “المحلى” لابن حزم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى”، فمن نوى استماع الغناء عونا على معصية الله تعالى فهو فاسق، وكذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل وينشط نفسه بذلك على البر، فهو مطيع محسن وفعله هذا من الحق، ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه متنزها وقعوده على باب داره متفرجا “([112]).

ولذلك فالذي نراه. والله أعلم – هو جواز الموسيقى اتباعا لأقوال كل من الإمام أبي حامد الغزالي، وكذلك الإمام ابن حزم، وابن السمعاني، وآخرين ممن سلف، وكذلك موافقة لعلمائنا المعاصرين، أمثال الشيخ جاد الحق، والشيخ يوسف القرضاوي، غير أن هناك آلات كثيرة لم يتكلم في الفقهاء قد استحدثت بعد زمنهم.

ونخلص من هذا الفصل بأكمله إلى أن الغناء بآلة – أي مع الموسيقي وبغير آلة: مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولي، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخري.

اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض على معصية، إذ الغناء ليس إلا كلاماً فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكل قول يشتمل على حرام فهو حرام، فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم والتأثير؟

واتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيام الأعياد ونحوها، بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها.

ولهذا نرى والله أعلم جواز الغناء، سواء كان مصحوبا بالموسيقى، أم لا، ولكن استدامته والإكثار يخرجه من حد الإباحة، إلى حد الكراهة، وربما إلى حد الحرمة.

وبهذا نكون قد انتهينا من مقصود بحثنا في الفنون السمعية، ولا أزعم أني أصبت الحق، أو أنهيت القول على من تكلم بعدي، ولكني أزعم أني استفرغت الوسع والله ولي التوفيق.

 

الفصل الثالث: فن التصوير في ميزان الإسلام

المبحث الأول: الفنون البصرية وخصائصها في الإسلام

انتهينا في الفصل الماضي من الفنون السمعية، واستعرضنا أقوال أهل العلم قديما وحديثا، وقمنا بعرض فقهي خرجنا منه إلى أن قضيتي الغناء والموسيقى مسائل فرعية فقهية، لا ينبغي أن تفترق الأمة وتختلف على أساسها، ومن رأى الحرمة لا ينكر على من رأى الجواز.

وفي هذا الفصل نتكلم عن الفن المرئي، وعلى وجه الخصوص “فن التصوير” والذي تتذوقه حاسة البصر، وهذا إذا صنفنا الفنون تبعا لتأثيرها في الحواس وانطلاقا من الآية الكريمة (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) ([113])؛ حيث نجد الربط بين السمع والبصر، وبين الفؤاد أو القلب والعقل أي نفس وروح الإنسان، والعامل المؤثر إنسانيا، نقول: إن هدفنا بالأساس من هذا التصنيف رؤية هذا الربط والبحث خلف المعنى المعرفي الكامن في النسق الجمالي الذي دعوناه بالفن الإسلامي.

وعلى هذا النسق ينظر إلى الفنون البصرية من خلال تأثيرها في العين، وكيف أن الجمال يدعو الإنسان إلى التأمل، ومن ثم يقوده للتفكر في الخلق ومعرفة الخالق.

والمهتمون بالجمال المرئي والمنبهرون به إنما يتأملون في روعته، فالجمال والتناسق فيه هدف في ذاته، بينما الجمال في الإسلام طريق لهدف هو الجلال ومعرفة الخالق سبحانه.

ومن ثم فإن كل الحسن يبدأ من تأثيره فينا واستنطاقه لنا بالتسبيح، والدعوة للإحسان: والإتقان في القرآن واضحة في الآية الكريمة: (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) ([114])، فالإحسان والإتقان إنما هو إظهار النعمة الله علينا وابتغاء لمرضاته تعالى، ومن ثم فكل صنعة مرئية أنطقتنا بالتسبيح هي فن جمالي بصري، الحديقة الغناء المنسقة التي تدعونا للسير في أرجائها والتمتع بأريجها فن بصري. الكرسي المصنوع من الخشب بحرفة الأرابسك المتقنة، حيث تتراكب الوحدات متقنة الصنع في توليفة متكررة تحاكي التسبيح وتدفع للتسبيح. فن. ومشكاة النحاس والخزف المتقنة الجميلة فن، واللوحة الجميلة فن، والعمارة والبيت فن، كل ما نراه حولنا فن بصري، طالما دعانا للتأمل، وأحسسنا بقيمة الحياتية، ودعانا للتفكير في تركيبيته، وكيف استخرج الصانع من المادة الغفل جوهرها، وبالتالي أبدع لنا جمالها في طريقنا نحو معرفة جلال الله سبحانه.

خصائص الفنون المرئية في الإسلام ([115]):

وتتعدد الآراء فيما يتعلق بهوية الفنون البصرية الإسلامية، ولكن ثمة إجماع على عناصر عدة تمثل القاسم المشترك الأعظم الذي يظهر في المشكاة كما يظهر في اللوحة الجدارية، مثلما يظهر في أرابسك الكرسي، ونقوش وعمارة الدار. من هذه العناصر: التجريد والبعد عن التمثيل، والالتزام بقانون هندسي صارم، والنماذجية، بمعنى أن نموذجاً أولية يلتزم به الفنان المسلم دائما، ويجده دائما في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، أيضا الهروب من الفراغ أو الاهتمام بالتكرار وغيرها.

أولا: التجريد:

الصفة التي يجمع الباحثون على أنها من الخصائص المميزة للفنون البصرية الإسلامية هي صفة التجريد، بمعنى أن الكل أجمع على أن التجريد سمة إسلامية، لكنهم لم يتفقوا على سببها: فالبعض يرى التجريد نتيجة التحريم تصوير المخلوقات، ومن ثم النزعة إلى التجريد للابتعاد عن شبهة الحرام.

وهذا التفسير أقرب إلى الغائية التبسيطية والتي تنفي التعقيدية والتركيبية عن الفن، فالتصوير التمثيلي حرام إذن، فلنلجأ للتصوير التجريدي. هذا المنطق مخل وتبسيطي، وأزيد فأقول: إنه ينافي صفة الإسلامية لأنه يقبع في الأساس بالرؤية المعرفية الغائية التي تبحث عن علة مبسطة مباشرة لكل معلول، ولا ترى تشابك العلاقات الكونية ولا تعقيدية الثقافة والبنيان الحضاري.

والبعض يرى التجريد وسيلة الفنان المؤمن للتجرد من لباس الخلائق ووصولا لجلال الخالق -سبحانه وتعالى۔ ورغم ما في هذا التفسير من تصوف ظاهري وقبول لسمة الدعوة للعبادة. إلا أنه ينبني كذلك على تصور أن الفنان المبدع الخالق هو الفنان المسلم. وهي إشكالية أوضحنا بالأساس كيف أنها تنتسب للرؤية المعرفية الغربية ذات الأصول الإغريقية، وأن فكرة هذا الفنان المتميز تتعارض تماما مع النزعة الحياتية في صفة “الإسلامية” التي تميز هذا النسق الفني الخاص، رغم هذا فالجزء الخاص بأن نزعة التجريد محاولة لاستكشاف ما وراء الشكل ودعوة للتأمل في جمال صنع الله هو فكرة جيدة وجديرة بالاعتبار، ولكنها لا تكفي لتفسير سمة التجريد التي نراها في مختلف الفنون الاسلامية.

والبعض الثالث يرى أن التجريد نتيجة لتجنب التصوير التمثيلي، بمعنى آخر: البعد عن التمثيل كسمة سلبية هي التي أدت إلى التجريد كصفة إيجابية، وهذا التفسير لا يقدم شيئا في الواقع، فماذا سادت سمة البعد عن التمثيل السلبية؟ وهل جاء هذا نتيجة التحريم التصوير التمثيلي كما أسلفنا؟

أرى أن أكثر التفسيرات اقترابا من الرؤية المعرفية التي نتبناها في هذا البحث هو التفسير الذي يرى أن التجريد في الفن الإسلامي هو استمرار لصفة التجريد والابتعاد عن تمثيل المخلوقات السائدة في الفنون السامية وما قبل الإسلام عامة، وفنون النقش والرقش التي وجدت في الجزيرة العربية قبل الإسلام بصفة خاصة.

ولنا أن نتوقف هنا مليا لنتأمل هذا القول على مستويين؛ المستوى الأول: تاريخي أثري يبحث في أصول التجريد السامية، سواء في الفنون التي كانت في جزيرة العرب قبل الإسلام أم في الساميين غير المسلمين الآخرين، والمستوى الثاني: معرفي يتأمل خاصية التجريد في ضوء مفهوم التوحيد الذي أضاء بنوره منطقة الساميين قبل المناطق الأخرى من العالم.

إن الدارس لتاريخ الفنون يعرف أن الفن الفرعوني لم يعمد إلى محاكاة الطبيعة إلا في عصر أخناتون كنوع من شعبوية الفنون (اي تحويلها إلى نزعة شعبية)، الأمر الذي راه الكثير من الباحثين تأثيرا أجنبيا على الفن المصري القديم.

والفكرة الأساسية هنا هي محاولة الفنان المجهول الوصول إلى السمو والقوة من خلال الضخامة، أي تجريد عناصر الشكل في ذاتها والتركيز على عنصر واحد لأجل الوصول إلى الفكرة المتجاوزة، وهي الجلال والخلود، وهي روح الرؤية المعرفية للفرعونية التي كانت تمجد الموت وتقدس العالم الأخر. هذه الرؤية انتقلت كذلك إلى اليهودية، فوجدنا تحريم التصوير كنوع من تحريم محاكاة الرب، وكذلك كنوع من النهي عن تقليد المصريين: المحبوبين والمكروهين في آن. لو انتقلنا إلى اليمن مثلا لوجدنا أن التجريد في فنون العمارة ما قبل الإسلام كان جلا ظاهرا، كذلك في مناطق عسير وأبها والحجاز من جزيرة العرب، فهذا التجريد يلائم الطبيعة الصحراوية الخشنة والتي تتيح للإنسان الفرصة للتأمل والتجرد.

وما يدعم فرضيتنا من أن التجريد سمة من سمات الفنون السامية هو أن مقاييس التصوير عند مختلف الأمم السامية كانت دائما خارجة عن الإطار المثالي وتعمد إلى المبالغة والخلط بين الخرافي والواقعي، أي تنزع إلى السريالي لو استعرنا مصطلحا تصوريا حديثا، وهو خطوة في سبيل الحلمي ثم التأملي.

كذلك نجد أن الفنون التصويرية الأولي في العصر الأموي مثل النقوش الجدارية الفسيفسائية على جدران المسجد الأموي أو في قصر عمر في الأردن أو على قبة الصخرة أو في قصر الخير الغربي في سوريا إنما توضح تأثرا بالغا بالسمت البيزنطي، وتصور موضوعات تمثيلية أو رؤى بيزنطية في فن الفسيفساء، ولكن نماذج الفنون الإسلامية في العصور التالية توضح الجانب التجريدي أكثر. بمعنى أن العصر الأموي كان اتصالا مع الحضارات المحيطة وبالتالي تأثره بها. ولكن مع استتباب الحضارة الإسلامية حدث نوع من استعادة الأصول وتجاوز الأثر الحضاري، وبالتالي ازداد الجانب التجريدي في الفن.

ثانيا: الالتزام بقانون هندسي صارم:

هذه الصفة تؤكد صفة التركيبية والجانب الثقافي المتجاوز في الفن البصري الإسلامي.

وهي صفة تتخذ نموذجها من القوانين اللغوية الصارمة التي ابتكرها العرب والمسلمون لتقعيد اللغة العربية وصيانتها من الزغل والخلط.

              وانعكست هذه القانونية الصارمة في الفنون البصرية مثلما انعكس الوزن والتماثلية الشعرية في الفنون البصرية كما سنرى.

من أمثلة هذه القانونية الترجمة العربية للعضلات المقربة والمبعدة، وهي ترجمة تصورية تراعي فكرة تماثل نصفي الجسد البشري، وتعتبر أن خط المنتصف الوهمي الذي يقسم الجسد البشري هو خط الإناسة، وبالتالي فالعضلات التي تقرب العضو من خط المنتصف هي عضلات إنسية والعضلات التي تبعد العضو عن هذا الخط هي عضلات وحشية. وباقي اسم العضلة يستمد من اتجاه وشكل اليافها، فهنا نجد تأثيرا للتشريح والشكل البشري على اللغة. ونجد تأثير اللغة بقانونيتها ومنطقها على فهم الشكل وبالتالي على النسق الفني.

وسنجد هذه القانونية متجلية في فنون الخط والمنمنمات والأرابسك والزخارف النحاسية وغيرها، حيث تسود الأشكال الدائرية والمسدسات وغيرها من الأشكال الهندسية كل حسب مكانته ومقامه.

ثالثا: النماذجية:

النموذج الأول للفنون الإسلامية جمعاء هو القرآن الكريم والسنة النبوية، فهناك دائماحض على الجمال والإتقان والإحسان في القرآن والسنة، وثمة عنصر إبداعي في العمل الفني الإسلامي دائما يدعو للعبادة مقتفيا أثر النموذج القرآني، والآيات القرآنية تقدم أمثلة عديدة على التصوير الفني، أمثلة احتذاها الفنان المسلم الصانع، سواء في حرفته كالمشكاة مثلا، أو في معمار المساجد، ويمكننا أن نجد هذه النماذجية على سبيل المثال في المنارة التي تمثل توق المعماري في بناء المسجد إلى الوصول إلى السماء وملاقاة الخالق.

كذلك نجد أن المنزل الإسلامي بصحنه والبهو ومدخله يختار نموذجه من المسجد بوصفه المعمار الأول الذي يهدف إلى مقابلة الخالق وعبادته.

رابعا: الهروب من الفراغ:

الفنان المسلم حين يتعامل مع مادته الخام يؤمن تماما بأنه يستخرج منها مواضع الجمال التي أودعها فيها الله سبحانه وتعالى، ومن ثم فهو يحاول دائما أن يظهر هذا الجمال الباطن الموجود في كل ما حوله من أشياء ومخلوقات.

والفراغ بمعنى العدم غير موجود في الإسلام. فالكون مليء بمخلوقات الله التي تسبح بحمده، ويدفعنا تسبيحها الجميل إلى رؤية الجمال فيها مما يستنطق ألسنتنا بالتسبيح بحمد الله.

والفراغ الذي يهدف إلى تجسيد المثال كما نراه في الفن الإغريقي والنحت المعماري لا وجود له، لأن الكون كله مثال للجمال، والتعددية في المخلوقات هي الدليل على وحدة الخالق.

والفراغ الذي تتعامل معه الكتلة الحجرية الإغريقية هو محاولة لمحاكاة الخالق وإنتاج نموذج بمعايير يظن الكائن البشري في عجلته وظلمه لنفسه أنها المثال والنموذج، بينما الفنان المسلم في إدراكه لخلو الكون من الفراغ يستدعي الجمال الموجود في تعددية أشكال المخلوقات وفي الانحرافات والاختلالات عما يعتقد البشر أنه السواء والهروب من الفراغ عند الفنان المسلم هو هروب من التسوية إلى المساواة، هروب من محاولة فرض معايير السواء والمثالية البشرية على الكون وحيث يظن الإنسان أنه سيد الكون، ولجوء إلى فهم حقيقة الاستخلاف – من حيث كونه مسئولية للإنسان على الكون، لأنه سيد في الكون وكافة المخلوقات مسخرة له، طالما التزم بأوامر وحدود الرب خالقه.

ومن ثم فالنموذج الأول عند الفنان المسلم هو الإنسان وحياته وما حوله من كائنات ومخلوقات كلها تسبح بحمد الله. والفن الإسلامي هو نوع من الحمد والتقديس لجلال الله الذي خلق الكون من عدم، ولكنه لم يجعله عدما ولا فراغا.

خامسا: التكرار:

خاصية التكرار الزخرفية هي تلك الخاصية التركيبية التي تحول الوحدة البسيطة في النسق إلى وحدات أكبر ذات قيمة جمالية أكبر من المجموع الجبري للوحدات. هذه الخاصية نجد نموذجها الأولي في عملية التسبيح والحمد حيث تكرر عبارتا “الحمد لله” و “سبحان الله”، فتخلق موسيقى إيمانية خاصة داخل وجدان كل فرد. ولأن الفنان المؤمن يدرك تماما أن كل المخلوقات تسبح بحمد الله، فعملية التكرار التي تحول الوحدة البسيطة لوحدة مركبة معقدة، عملية عبادية وتركيبية وحياتية تهدف أساسا لتجاوز الطبيعي البسيط (الوحدة الزخرفية النباتية) أو القانوني البسيط (الوحدة الزخرفية الهندسية)، للوصول للثقافي الإنساني المعقد (أي التركيب بغرض الوصول للجمال) وتجاوزه إلى الجلال، من ثم معرفة الخالق سبحانه، وهو الهدف الأسمى لكل الأعمال في الإسلام.

والحقيقة أن الفن المرئي لم يكن للإسلام موقف متشدد منه بحيث إنه فن يمتع العيون، بل الإسلام جاء بهذا الفن في أكثر الأماكن قدسية؛ حيث إنك ترى روعة الفن الإسلامي داخل مساجد المسلمين، وإنما الإسلام تشدد في شكل واحد من الفن المرئي وهو فن صناعة التماثيل التي كانت تعبد في الجاهلية وكذلك التصاوير الخاصة بالمعبودات، بل اتسعت الرؤية إلى أكثر من ذلك حتى كانت كل التصاوير التي تكون لذوات الأرواح من الحيوانات مثلا.

فالفن المرئي عموما، والتصوير على وجه الخصوص لم يكن للإسلام منه موقف الرفض التام بل كان. كما عودنا الإسلام – يقر ما في صنع البشر من صواب ويدعو لتنميته، وينهى عما في فعل البشر من أخطاء ويحذر من الوقوع فيه، وفيما يلي سوف نتعرف على كيف تعامل الدين الإسلامي الحنيف مع قضية التصوير.

 

المبحث الثاني: التصوير في ميزان الإسلام

ينبغي علينا أن نكون قد تأكدنا أن الغرض من هذا البحث، هو معرفة الحكم الشرعي على الفنون التي ذكرت فيه؛ ولأن الحكم على الشيء هو فرع عن تصور هذا الشيء فكان لزاما علينا أن نتصور التصوير تصورا صحيحا مما يترتب عليه أن يكون الحكم صحيحا أيضا.

التصوير في اللغة:

والصِّوَرُ بكسر الصاد لغة في الصُّور جمع صُورة وصَوَّرهُ تَصْوِيراً فتَصَوَّرَ وتَصَوَّرْتُ الشيء توهمت صُورتَهُ فتَصَوَّرَ لي والتَّصَاوِيرُ التماثيل ([116]).

وَالْجَمْعُ صُوَرٌ وصِوَرٌ وصُوْرٌ، وَقَدْ صَوَّرَهُ فَتَصَوَّرَ. الْجَوْهَرِيُّ: والصِّوَرُ، بِكَسْرِ الصَّادِ، لُغَةٌ فِي الصُّوَر جَمْعُ صُورَةٍ، وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ يَصِفُ الْجَوَارِيَ:

أَشْبَهْنَ مِنْ بَقَرِ الخلْصاءِ أَعْيُنَها، ……………………….. وهُنَّ أَحْسَنُ مِنْ صِيرَانِها صِوَرا

وصَوَّرَهُ اللَّهُ صُورَةً حَسَنَةً فَتَصَوَّر. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُقَرِّنٍ: أَما علمتَ أَن الصُّورَة محرَّمةٌ؟ أَراد بالصُّورَةِ الوجهَ وتحريمِها المَنْع مِنَ الضَّرْبِ وَاللَّطْمِ عَلَى الْوَجْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: كُرِهَ أَن تُعلم الصورةُ، أَي يجعلَ فِي الْوَجْهِ كَيٌّ أَو سِمَةٌ. وتَصَوَّرْتُ الشيءَ: تَوَهَّمْتُ صورتَه فتصوَّر لِي. والتَّصاوِيرُ: التَّماثِيلُ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَتاني الليلةَ رَبِّي فِي أَحسنِ صُورَةٍ. قَالَ ابْنُ الأَثير: الصُّورَةُ تَرِدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَعَلَى مَعْنَى حقيقةِ الشَّيْءِ وَهَيْئَتِهِ وَعَلَى مَعْنَى صِفَتِه. يُقَالُ: صورةُ الفعلِ كَذَا وَكَذَا أَي هَيْئَتُهُ، وصورةُ الأَمرِ كَذَا وَكَذَا أَي صِفَتُه ([117]).

ويلاحظ من التعريف اللغوي للتصوير أو التصاوير، أن الأكثر شيوعا في استخدام هذه الألفاظ بمعنى التماثيل، ولم يكن للتصوير الضوئي الفوتوغرافي هو المتبادر في ذهن من يسمع لفظة الصور أو التصاوير، كما سنرى أن التصاوير دارت ما بين التماثيل للأصنام أو رسومات لهذه التماثيل.

التصوير في القرآن:

والتصوير في القرآن لم يأت بمعنى فن التصوير أو الرسم أو حتى صناعة التماثيل، بل جاء بمعنى قدرة الرب سبحانه وتعالى على الخلق والتصوير، فإن التصوير من صفاته سبحانه وتعالى فهو المصور.

التصوير والسنة:

أما السنة فقد وردت فيها النصوص التي تحرم صناعة التصاوير، وكذلك تحرم اتخاذ هذه التصاوير إذا كانت تصاوير لذوات الأرواح مما ظن فيه المشركون النفع وعبدوه في الجاهلية.

ومن أمثلة هذه الأحاديث ما رواه أبو طلحة – رضي الله عنه – قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير ” ([118]).

وكذلك ما ورد عن مسروق في الحديث الذي رواه البخاري: قال حدثنا الأعمش عن مسلم. قال: كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير، فرأى في صفته تماثيل، فقال: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون” ([119]).

ومنه أيضا حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم “([120]).

وكذلك حديث عائشة – رضي الله عنها – قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترت بقرام الي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله صلي الله عليه وسلم هتكه، وقال: “أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله”. قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين ([121]).

وما ورد عنها أيضا – رضي الله عنها – ” أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب، فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، قالت: يا رسول الله أتوب إلى الله، وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ قال: ما بال هذه النمرقة. فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم “، وقال: ” إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة”([122]).

ومن هذه الأمثلة أيضا حديث سالم عن أبيه قال: وعد النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، فرأت عليه، حتى اشتد على النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه فشكا اليهما وجد، فقال له: “إنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب ” ([123]).

مما سبق نلاحظ أن التصاوير التي ذكرت في الحديث إنما كانت صورا لتماثيل، مما يؤكد على العلة الأصيلة في تحريمها، حيث إنه هذه التماثيل كانت معبودات القوم من زمن قريب.

التصوير في المذاهب الفقهية:

وبعد عرض هذه الأحاديث التي وردت في السنة النبوية المطهرة، لابد أن نعرف كيف نظر الفقهاء المعتبرون في أمة الإسلام من لدن عهد التابعين حتى عصر قريب، ولا يوجد سند نقل إلينا هذا الفهم أوضح وأصح من المذاهب الفقهية: مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة، وفيما نعرض ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة من محاولات فهم النص الشرعي ونقل الحكم إلى أمة الإسلام.

التصوير في مذهب الحنفية:

وكان مذهب الأحناف على جواز الصور التي ليست لذوات الأرواح كالشجر والشمس والسماء، وحتى الصورة التي تكون لذوات الأرواح لكن مع قطع الرأس لأن الوجه هو الصورة فإذا قطعت الرأس من الصورة صارت نقشا ولا تكون صورة، أما من كان منها للحيوان أو الإنسان أو الطير بغير قطع الرأس، فإنهم حرموا صناعة مثل هذه الصور وكذلك اتخاذها ولو كانت على ثوب، وإن عبروا عن هذه الحرمة بلفظ الكراهة، فالأحناف يطلقون الكراهة ثم يوضحون أنها كراهة تحريمية كما هو معلوم من أصول فقه الأحناف، ولكنهم أيضا ذهبوا إلى الكراهة التنزيهية إذا كانت الصورة على فرش يوطأ لامتهانها، وقد عبروا أيضا عنها بعدم الكراهة مطلقا.

فيقول محمد بن بكر الحنفي – أحد أئمة الأحناف.: ” قوله: ولبس ثوب فيه تصاوير؛ لأنه يشبه حامل الصنم فيكره، وفي “الخلاصة”: ” وتكره التصاوير على الثوب صلى فيه أو لم يصل ” أه، وهذه الكراهة تحريمية، وظاهر كلام النووي في “شرح مسلم” الإجماع على تحريم تصويره صورة الحيوان.

ثم يستأنف قائلا في موضع الصورة بالنسبة للمصلي: ” والحاصل أن الصورة عام والتماثيل خاص، والمراد هنا الخاص ذو الروح، أما من ليس ذي روح لا يكره كالشجر، لما سيأتي، والمراد بحذائه يمينه ويساره، ولم يذكر ما إذا كانت خلفه للاختلاف، ففي رواية الأصل لا يكره؛ لأنه لا يشبه العبادة، وصرح في “الجامع الصغير” بالكراهة، ومشى عليه في “الخلاصة”، وبأنها إذا كانت في موضع قيامه أو جلوسه لا يكره؛ لأنها استهانة بها، وكذلك على الوسادة إن كانت قائمة بكره؛ لأنه تعظيم لها وإن كانت مفروشة لا تكره، كذا في “المحيط”، قالوا: وأشدها كراهة ما يكون على القبلة أمام المصلي، والذي يليه ما يكون فوق رأسه، والذي يليه ما يكون عن يمينه ويساره على الحائط، والذي يليه ما يكون خلفه على الحائط أو الستر، وإنما لم تكره الصلاة في بيت فيه صورة مهانة على بساط يوطأ أو مرفقة يتكأ عليها مع عموم الحديث ([124]).

ونحو هذا أيضا ذكره علاء الدين الكاساني من أئمة الأحناف فقال: ” وتكره التصاوير في البيوت، لما روي عن رسول الله عن سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أنه قال: ” لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة “، ولأن إمساكها تشبه بعبدة الأوثان، إلا إذا كانت على البسط أو الوسائد الصغار التي تلقى على الأرض ليجلس عليها فلا تكره لأن دوسها بالأرجل إهانة لها، فإمساكها في موضع الإهانة لا يكون تشبها بعبدة الأصنام، إلا أن يسجد عليها فيكره لحصول معنى التشبه ويكره، على الستور وعلى الأزر المضروبة على الحائط، وعلى الوسائد الكبار وعلي السقف، لما فيه من تعظيمها، ولو لم يكن لها رأس فلا بأس؛ لأنها لا تكون صورة، بل تكون نقشا، فإن قطع رأسه بأن خاط على عنقه خيطا فذاك ليس بشيء؛ لأنها لم تخرج عن كونها صورة، بل ازدادت حلية كالطوق لذوات الأطواق من الطيور، ثم المكروه صورة ذي الروح، فأما صورة ما لا روح له من الأشجار والقناديل ونحوها فلا بأس به ([125])“.

وبهذا يكون اتضح مذهب الحنفية وننتقل إلى مذهب المالكية.

التصوير في مذهب المالكية:

ومذهب المالكية أنه لا يحرم من التصاوير إلا ما جمع الشروط الآتية: الشرط الأول: أن تكون صورة الإنسان أو الحيوان مما له ظل، أي تكون تمثالا مجسدا، فإن كانت مسطحة لم يحرم عملها، وذلك كالمنقوش في جدار، أو ورق، أو قماش. بل يكون مكروها. ومن هنا نقل ابن العربي الإجماع على أن تصوير ما له ظل حرام. الشرط الثاني: أن تكون كاملة الأعضاء، فإن كانت ناقصة عضو مما لا يعيش الحيوان مع فقده لم يحرم، كما لو صور الحيوان مقطوع الرأس أو مخروق البطن أو الصدر. الشرط الثالث: أن يصنع الصورة مما يدوم من الحديد أو النحاس أو الحجارة أو الخشب أو نحو ذلك، فإن صنعها مما لا يدوم كقشر بطيخ أو عجين لم يحرم؛ لأنه إذا نشف تقطع. على أن في هذا النوع عندهم خلافا، فقد قال الأكثر منهم: يحرم ولو كان مما لا يدوم. ونقل قصر التحريم على ذوات الظل عن بعض السلف ([126]).

وقد نقل ابن عبد البر في تعليقه على حديث ” إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ” الحكم أيضا حيث قال: ” وقيل في الملائكة ها هنا: ملائكة الوحي، وقيل: بل كل ملك على ظاهر اللفظ، كما أن لفظ بيت على لفظ النكرة يقتضي كل بيت، والله أعلم. وظاهر هذا الحديث يقتضي الحظر عن استعمال الصور على كل حال كانت، أو في غيره، ومثله حديث نافع عن القاسم بن محمد عن عائشة في النمرقة التي فيها تصاوير، وقد استثني في حديث سهل بن حنيف، إلا ما كان رقما في ثوب واختلف الناس في الصور المكروهة، فقال قوم: إنما كره من ذلك ما له ظل، وما لا ظل له فليس به بأس، وقال آخرون: ما قطع رأسه فليس بصورة، وقال آخرون: تكره الصورة في الحائط ([127])“.

ثم يستأنف حديثه في نقل قول الإمام مالك حيث قال: ” وأما اختلاف فقهاء الأمصار أهل الفتوى في هذا الباب، فذكر ابن القاسم قال: قال مالك: يكره التماثيل في الأسرة والقباب وأما البسط والوسائد والثياب فلا بأس به، وكره أن يصلي إلى قبلة فيها تماثيل ([128])“.

              وبهذا يكون قد اتضح مذهب مالك، وأنه أيسر المذاهب في الصور، وفيما يلي نتعرض لمذهب الشافعية في الصور والتصاوير.

التصوير في مذهب الشافعية:

أما الشافعية فهم أيضا عدوا صور ذوات الأرواح إن كانت ظاهرة معلقة من المنكرات، وأما صور غير ذوات الأرواح فلا بأس فيها مطلقا، وكذلك صور ذوات الأرواح إن كانت مهانة أو مداسة أو مقطوعة الرأس لا بأس بها مطلقا، غير أنه حكي قول بكراهة صور الشجر، فقد قال أبرز أئمة المذهب الإمام النووي – رضي الله عنه -: ” ومن المنكرات فرش الحرير وصور الحيوانات على السقوف والجدران والثياب الملبوسة والستور المعلقة، ولا بأس بما علي الأرض والبساط الذي يداس والمخاد التي يتكأ عليها، وليكن في معناها الطبق والخوان والقصعة، ولا بأس بصور الأشجار والشمس والقمر، وفي وجه: يكره صورة الشجر، ولو كانت صور الحيوانات مقطوعة الرؤوس فلا بأس بها على الصحيح، ومنعه

المتولي، وهل دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعة حرام أم مكروه؟ وجهان: بالتحريم قال الشيخ أبو محمد، وبالكراهة قال صاحب “التقريب والصيدلاني، ورجحه الإمام والغزالي في “الوسيط”، ولو كانت الصورة في الممر دون موضع الجلوس، فلا بأس بالدخول والجلوس، ولا يترك إجابة الدعوة بهذا السبب، وكذا لا بأس بدخول الحمام الذي على بابه صور كذا قاله الأصحاب ([129]).

ونلحظ تشديد الشافعية على صناعة التصاوير لذوات الأرواح خاصة على الحيطان، فقد ذهبوا أنه لا يستحق عليه أجرة، ولا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، كما ذكر ذلك أيضا الإمام النووي حيث قال: ” يحرم على المصور التصوير على الحيطان والسقوف ولا يستحق أجرة، وفي نسج الثياب المصورة، وجهان: جوزه أبو محمد؛ لأنها قد لا تلبس، ورجح المنع الإمام والغزالي تمسكا بالحديث: “لعن الله المصورين”. قلت: الصحيح التحريم والحديث صحيح، والله أعلم وطرد المتولي الوجهين في التصوير على الأرض ونحوها، وكان من قال بالمنع، قال: ليس له أن يصور، لكن إن اتفق يسامح به ولا يجب طمسه، قلت: الصحيح: تحريم التصوير على الأرض وغيرها ([130])“.

وكذلك ذكر أيضا العلامة الشربيني. من فقهاء الشافعية – مسألة وجود التصاوير في مكان الدعوة فقال: ” و من المنكر أن في موضع الدعوة صورة حيوان، آدميا كان أو غيره، كبيرا أو صغيرا، على صورة حيوان معهود كفرس أم لا كآدمي بجناحين، مرفوعة كأن كانت علي سقف أو جدار، أو وسادة منصوبة، كما في “المحرر” “والروضة”، وأصلها أو ستر بكسر المهملة بخطه معلق، لزينة أو منفعة أو على ثوب ملبوس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمتنع من الدخول على عائشة رضي الله تعالى عنها من أجل النمرقة التي عليها التصاوير، فقالت: أتوب إلى الله ورسوله مما أذنبت، فقال: “ما بال هذه النمرقة”، فقالت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسدها، فقال صلى الله عليه وسلم: “إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم أحيوا ما خلقتم، وإن البيت الذي فيه هذه الصور لا تدخله الملائكة “. وقال: ” أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون”؛ ولأنها شبيهة بالأصنام تنبيه قضية كلام المصنف تحريم دخول البيت المشتمل على هذه الصور ([131])“.

ثم ذكر فائدة في لعب الأطفال والبنات حيث قال: ” فائدة: يستثنى من صورة الحيوان لعب البنات، فلا تحرم، كما في “شرح مسلم” للمصنف، تبعا للقاضي عياض في نقله ذلك عن العلماء؛ ولأن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تلعب بها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم. وحكمته تدريبهن أمر التربية ([132]).

وبهذا يتضح لنا مذهب الشافعية في التصاوير لذوات الروح، وما استثنوا منها وحكمة ذلك، وننتقل الآن المذهب الحنابلة.

التصوير في فقه الحنابلة:

وللحنابلة قولان في لبس الثياب التي عليها التصاوير وكذلك تعليقها ووضعها لستر الجدار، أما في صناعة التصاوير على الجدران واتخاذها للأبنية والجدران والأسقف فيحرم عند الحنابلة قولا واحدا، فقد نقل ذلك ابن مفلح الحنبلي حيث قال: ” ويحرم على الكل لبس ما فيه صورة حيوان. قال أحمد: لا ينبغي كتعليقه، وستر الجدر به وتصويره، وقيل: لا يحرم، وذكره ابن عقيل وشيخنا رواية، كافتراشه وجعله مخداً، فلا يكره فيهما لأنه عليه السلام اتكأ على مخدة فيها صورة. (رواه أحمد) وهو في “الصحيحين” بدون هذه الزيادة ([133])“.

ويقرر هذا أيضا بتفصيل زائد ابن تيمية حيث قال: “لا يجوز لبس ما فيه صور الحيوان من الدواب والطير، ذلك ولا يلبسه الرجل ولا المرأة، ولا يعلق ستر فيه صورة، وكذلك جميع أنواع اللباس، إلا الافتراش، فإنه يجوز افتراشها، هذا قول أكثر أصحابنا، وهو المشهور عن أحمد. قال في رواية صالح: الصورة لا ينبغي لبسها، وقال في رواية: الأثرم: وسئل عن الستر يكون عليه صورة قال: لا. وما لم يكن له رأس فهو أهون وإن كان له رأس فلا. وقال أيضا: إنما يكره منها ما علق، وقال أيضا: إنما يكره ما كان نصبا، وإذا كان تمثالا منصوبا يقطع رأسه، وقال في الرجل يصلي وفي كمه منديل حرير فيه صور: أكرهه، وقال التصاوير: ما كره منها فلا بأس، وسئل عن الرجل يصلي على مصلى عليه تماثيل، فلم يرَ به بأسا، وقال أيضا: إذا كانت توطئة فلا بأس بالجلوس عليها، وعنه: إن الصور التي على الثياب تكره، ولا تحرم، قال في رواية وقد سئل عن الوليمة: يرى الجدران قد سترت أيخرج قال: قد خرج أبو أيوب وعبد الله بن يزيد. قيل وإذا رأى على الجدران صورا يخرج، فقال: نعم قيل له فإن كان في الستر، فقال: هذا أسهل من أن تكون على الجدران، لا تضيق علينا وضحك، ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم فقد نص على التفريق بين الصور في الثياب فحرمها في الجدران وكرهها في الثوب.

وكذلك قال ابن أبي موسى جميع التماثيل الصور في الأسرة والقباب والجدران ذلك مكروهة عنده، إلا إنها في الرقم أيسر، وتركه أفضل وأحسن، وكذلك قال ابن عقيل: يكره لبس ما فيه صور حيوان ولا يحرم، وأما صنعتها واتخاذها الثوب والأبنية ونحوها مثل السقوف والحيطان والأسرة أو اصطناعها مجسدة للبنات ذلك فيحرم ذلك كله قولا واحدا ([134]).

وكذلك كان هذا ما ذهب إليه ابن قدامة حيث قال في كلامه عن الذي دعي إلى وليمة ورأى في مكان الدعوة مثل هذه الأشياء: ” فإن رأى نقوشا وصور شجر ونحوها فلا بأس بذلك؛ لأن تلك نقوش فهي كالعلم في الثوب، وإن كانت فيه صور حيوان في موضع يوطأ أو يتكئ عليها كالتي في البسط والوسائد جاز أيضا، وإن كانت على الستور والحيطان وما لا يوطأ، وأمكنه حطها أو قطع رؤوسها فعل وجلس، وإن لم يمكن ذلك انصرف، ولم يجلس وعلى هذا أكثر أهل العلم ([135])“.

وبهذا يكون قد اتضح مذهب الحنابلة، ويكون قد تم النقل عن المذاهب الأربعة المعتمدة في الفقه الإسلامي

التصوير في الفقه المعاصر:

إن انتشار ما كان في الفقه الإسلامي حذر وتشديد من أغلب الفقهاء، يتحول إلى تخفيف في عصرنا هذا، وهذا ليس تخاذلا في الدين، إذ ليس بوسع عالم من المسلمين أن يخرج عن الكتاب والسنة والإجماع، وإن خرج فلا يعتبر هو ولا علمه.

ومن أمثلة هؤلاء محمد عبده إذا قال: ” “وبالجملة يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم بعد التحقق أنه لا خطر منه على الدين لا من جهة العقيدة ولا من جهة العمل”.

وعلى ذلك فالعقيدة الإسلامية لم تحرم عمل الصور إذا كان الغرض منها الزينة المباحة أو إقرار حقيقة علمية أو شرعية، ويؤكد ذلك ما تركه المسلمون منذ فجر الإسلام إلى الآن من آثار تزخر برسوم الكائنات الحية التي بعدت عن المحاكاة بعدا واضحا “.

ولعل ما ذهب إليه محمد عبده لا يمثل مذهبا علميا مدللا عليه، فهو لا يعدو أن يكون وجهة نظر لعله نظرها قبل استقصاء الأدلة. أما ما ذهب إليه الشيخ القرضاوي فكان أسد فيما نعلم ([136]).

ولعل الناظر إلى كلام الفقهاء المعاصرين يجد فيه تساهلا أكبر من كلام القدماء، ولكن الأمر ليس كذلك فإن العقلية الإسلامية عقلية شرعية متعبدة في المقام الأول، وتتعايش مع الواقع وتبرهن للعالم أن الإسلام دين سوف يستمر ويظل أتباعه يعبدون الله وحده بغير حرج في هذه الدنيا.

وما ذهب إليه الشيخ القرضاوي هو ما نراه مناسبا من الآراء الفقهية، حيث هو الأوفق والأرفق بالمسلمين في هذه الأيام.

الصورة الفوتوغرافية في الإسلام:

ونختم هذا الفصل بالحديث عن الصورة الفوتوغرافية التي قد يظن أنها دخلت في حكم التصوير، والأمر ليس كذلك لأن التصوير المقصود في كل ما سبق هو التماثيل وصورها، أما الصورة الفوتوغرافية التي تؤخذ بألة الفوتوغرافيا – فهي شيء مستحدث لم يكن في عصر الرسول، ولا سلف المسلمين، فهل ينطبق عليه ما ورد في التصوير والمصورين؟

ولعل الصواب في هذه المسألة هو ما أفتى به الشيخ محمد بخيت ([137]) – رحمه الله – مفتي مصر السابق من أن: «أخذ الصورة بالفوتوغرافيا- الذي هو عبارة عن حبس الظل بالوسائط المعلومة الأرباب هذه الصناعة – ليس من التصوير المنهي عنه في شيء، لأن التصوير المنهي عنه هو إيجاد صورة وصنع صورة لم تكن موجودة ولا مصنوعة من قبل، يضاهي بها حيوانا خلقه الله تعالى، وليس هذا المعني موجودة في أخذ الصورة بتلك الآلة». (يؤكد هذا تسمية أهل الخليج الصورة «عكسا» والمصور «عكاسا».

أما الذين يصرون على التحريم على التماثيل «المجسمة» فلا يرون شيئا في هذه الصور، وخصوصا إذا لم تكن كاملة.

واما على رأي الأخرين فهل تقاس هذه الصور الشمسية على تلك التي تبدعها ريشة الرسام؟ أم أن العلة التي نصت عليها بعض الأحاديث في عذاب المصورين – وهي أنهم يضاهون خلق الله – لا تتحقق هنا في الصورة الفوتوغرافية؟ وحيث عدمت العلة عدم المعلول كما يقول الأصوليون.

هذا، ومن المقرر أن الموضوع الصورة أثرة في الحكم بالحرمة أو غيرها. ولا يخالف مسلم في تحريم الصورة إذا كان موضوعها مخالفة لعقائد الإسلام، أو شرائعه وآدابه، فتصوير النساء عاريات، أو شبه عاريات، وإبراز مواضع الأنوثة والفتنة منهن، ورسمهن أو “تصويرهن” في أوضاع مثيرة للشهوات، موقظة للغرائز الدنيا، كما نرى ذلك واضحا في بعض المجلات والصحف، ودور «السينما»، كل ذلك مما لا شك في حرمته، وحرمة تصويره، وحرمة نشره على الناس، وحرمة اقتنائه واتخاذه في البيت أو المكاتب والمحلات، وتعليقه على الجدران، وحرمة القصد إلى رؤيته ومشاهدته.

ومثل هذا صور الكفار والظلمة والفساق، الذين يجب على المسلم أن يعاديهم في الله، فلا يحل لمسلم أن يصور أو يقتني صورة لزعيم ملحد ينكر وجود الله، أو وثني يشرك مع الله البقر أو النار أو غيرها، أو يهودي أو نصراني يجحد نبوة محمد (صلي الله عليه وآله وسلم)، أو مدع للإسلام وهو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يشيع الفاحشة والفساد في المجتمع. ومثل هذا: الصور التي تعبر عن الوثنية أو شعائر بعض الأديان التي لا يرضاها الإسلام كالأصنام وما شابهها ([138]).

وبهذا نكون قد أتينا على مسائل التصوير في الفقه الإسلامي في القرآن والسنة والمذاهب الفقهية في الفقه المعاصر، وأرجو أن يكون هذا البحث سببا في توضيح المسألة توضيحا علميا، وتتسع له قلوب المسلمين، وينفعني يوم الدين.

 

الخاتمة: طبيعة الإسلام وعلاقته بالفنون الإنسانية الهادفة

مما سبق يتبين لنا أن الإسلام ليس مصادرا على الإبداع البشري، ولكن الذي لابد أن يعلمه المسلمون أن الإسلام حکما، وحكمة العدل والصواب، وليس حكمه ينظر فيه هل هو صواب أم غير صواب، ولا يجوز أن يفعل ذلك إلى غير المسلمين أما المسلمين فيقولون سمعنا وأطعنا.

كما رأينا فإن الدين الإسلامي يتمثل في القرآن والسنة وفهم الفقهاء القدامى والمعاصرين.

فقد علمنا في هذا البحث علاقة الإسلام بالجمال، وكذلك علاقة الفن بالجمال، وعلاقة الإسلام بالفن، وكيف أن الإسلام كان له فنونه الخاصة به، وعلمنا قيمة الفن في حياة المسلمين والعرب.

كما تناولنا في هذا البحث المتواضع الفنون السمعية، فتكلمنا عن الغناء منفصلا، ونقلنا ما قيل فيه من أحكام شرعية، واتضح لنا أن أغلب علماء الأمة على جواز، والغناء بغير موسيقى، وأنه لا إثم فيه إذا خلا من الألفاظ المرذولة.

كما تناولنا أيضا الموسيقى كفن مستقل، ورأينا أن أغلب علماء الإسلام يرون حرمة معظم آلات اللهو والموسيقى وما أجازوا منه إلا القليل كالدف والطنبور والطبول وفي أوقات خاصة وليس كل الأوقات، كما علمنا أيضا أن من علماء السلف والخلف من أباح سماع الموسيقى مطلقا ومنهم من قال: إنه من استطاع أن يستخرج منها العبرة فهو حسن، فالحاصل أن الاستماع إلى الموسيقى مسالة خلافية، ومن أراد أن يلتزم الورع وينزه سماعه عنها يفعل، وهو على خير، ومن أراد أن يترخص فليترخص ولا حرج، ولا ينكر هذا على هذا تورعه، ولا ينكر هذا على هذا ترخصه، ويظل المسلمون أمة واحدة.

ثم تكلمنا عن الفنون المرئية عامة وخصائصها في الإسلام، ثم فصلنا القول في التصوير وحكم الإسلام فيه، ورأينا كيف تعامل الشرع مع التصوير، وانتهينا بأن التماثيل المقامة للتعظيم هي محرمة باتفاق القدماء والمحدثين، وأن الصور التي ليس لها ظل، أي المسطحة، هي المباحة كما عند الإمام مالك، ورأينا أن الصور الفوتوغرافية مباحة كما ذهب إلى ذلك العلامة محمد بخيت المطيعي، والشيخ القرضاوي، ولم نتكلم عن المذاهب الفقهية فيها لأنها محدثة فلم يرها علماؤنا القدماء، وبهذا نكون قد أجملنا القول ومررنا بشيء من التفصيل على الفنون الإسلامية، وما يهم المسلمون في هذا الزمن وما يكتنفه من تحديات. وارجو من الله القبول.

[1] سورة البقرة الآيات: 30: 33.

[2] سورة النحل، الآية: 6.

[3] لسان العرب، ج 11، ص 126.

[4] سورة النحل، الآيات: 5: 8.

[5] سورة الحجر، الآية: 16.

[6] سورة النمل، الآية: 60.

[7] رواه أحمد في مسنده، ج 1، ص 399، ط مؤسسة قرطبة، وأخرجه مسلم في صحيحه، ج 1، ص 93، ط دار إحياء التراث العربي.

[8] ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 8، ص 23، ط دار الكتاب العربي.

[9] سورة الحج، الآية: 46.

[10] لسان العرب، ج 13 ص 326.

[11] مختار الصحاح، ج 1، ص 215.

[12] (متفق عليه).

[13] سورة السجدة الآية: 7.

[14] سورة الملك، الآية: 3.

[15] سورة النمل، الآية: 88.

[16]  سورة الفرقان الآية: 67.

[17]  رواه أحمد في مسنده، ج 6، ص 167، ط مؤسسة قرطبة، والبخاري في صحيحه، ج 4، ص 1925 ط اليمامة، ومسلم في صحيحه، ج 1، ص 546، ط دار إحياء التراث العربي، واللفظ للبخاري.

[18] سورة الإنسان، الآيات: 11: 14.

[19] أخرجه البخاري في صحيحه، ج 3، ص 1395، ومسلم في صحيحه، ج4، ص 1768.

[20] رواه أحمد في مسنده، ج 3، ص 456، والبخاري في صحيحه، ج 5، ص 2276.

[21] رواه أحمد في مسنده، ج 4، ص 263، والبخاري في صحيحه، ج 5، ص 1976.

[22] سورة الماعون، الآيتان: 4، 5.

[23] لسان العرب، ج1، ص 220.

[24] لسان العرب، ج 15، ص 139، 140.

[25] رواه أحمد في مسنده، ج 4، ص 263، والبخاري في صحيحه، ج 5، ص 1976.

[26] سورة لقمان، الآية: 6.

[27] تفسير القرطبي، ج14، صفحة 52، ط دار الشعب، وتفسير ابن كثير، ج 3، صفحة 433، ط دار الفكر، وروى أثر ابن مسعود الحاكم في مستدركه، وصححه، ج2، ص 445، ط دار الكتب العلمية.

[28] سورة الإسراء، الآية: 64

[29] تفسير الطبري، ج 15، ص 117، ط دار الفكر، ونقل قول مجاهد أيضا القرطبي في تفسيره، ج14، صفحة 52، ط دار الشعب.

[30] سورة النجم، الآيات: 95: 61

[31] تفسير الطبري، ج 15، ص 117، ط دار الفكر، ونقل قول ابن عباس أيضا القرطبي في تفسيره، ج14، صفحة 51، ط دار الشعب.

[32] قال ابن منظور، في لسان العرب، ج 12، ص 47، ما نصه: برطم: البِرْطامُ والبُراطِمُ: الرجل الضَّخْم الشَّفَة: وشَفةٌ بِرْطامٌ: ضخمة، والاسم البَرْطَمة، والبَرطَمَةُ: عُبوس في انتِفاخ وغَيْظ، قال: مُبَرْطِمٌ بَرْطَمة الغَضْبانِ، بِشَفةٍ ليستْ على أَسْنانِ، تقول منه: رأَيتُه مُبَرْطماً، وما أَدْري ما الذي بَرْطَمهُ. والبَرْطَمةُ: الانتفاخُ من الغضَب. ويقال للرجل: قد يَرْطَم بَرْطَمةً إذا غضِب، ومثله اخْرَنْطَم. وجاء فلان مُبْرَنْطِماً إذا جاء مُتَغَضِّباً، وبَرْطَم الليلُ إذا اسودّ. الكسائي: البَرْطَمَةُ والبَرْهَمةُ كهيئة التَّخاوُص. وتَبَرْطَمَ الرجل أي تغضَّب من كلام. وبَرْطَم الرجل إذا أَدْلى شَفَتَيْه من الغَضب. وفي حديث مجاهد في قوله عز وجل: وأَنْتُم سامِدُون، قال: هي البَرْطَمةُ وهو الانتفاخُ من الغضَب. ورجل مُبَرْطِمٌ: مُتَكَبِّر، وقيل: مُقَطِّب مُتَغَضِّب، والسامِدُ الرافع رأْسه تكبراً.

[33] تفسير الطبري، ج 27، ص 83، ط دار الفكر.

[34] سورة الفرقان، الآية: 72.

[35] تفسير الطبري، ج 19، ص 48، ط دار الفكر.

[36] سورة لقمان، الآية: 6.

[37] أخرجه البخاري في صحيحه، ج 5، ص 1980، ط دار ابن كثير.

[38] رواه ابن ماجة في سننه، ج1، ص 612، ط دار الفكر، ورواه أحمد في مسنده، ج 3، ص 391، ط مؤسسة قرطبة ولكن رواه من حديث جابر، وكذلك رواه النسائي في سننه، ج 3، ص 332، ط دار الكتب العلمية، ورواه الطبراني في الأوسط، ج 3 ص 315، ط دار الحرمين.

[39] أخرجه البخاري في صحيحه، ج 1، ص 335، ط دار ابن كثير، ومسلم في صحيحه، ج 2، ص 608، ط دار إحياء التراث العربي، وابن حبان في صحيحه، ج 13، ص 177، ط مؤسسة الرسالة، والبيهقي في سننه الكبرى، ج 7، ص 92، ط دار الباز.

[40] أخرجه ابن حبان في صحيحه، ج 13 ص 185، ط مؤسسة الرسالة.

[41] رواه الحاكم في المستدرك، ج 2، ص 201، ط دار الكتب العلمية، وقال الحاكم إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأبو شيبة في مصنفه، ج 3، ص 496، ط مكتبة الرشد، ولفظة غناء لأبي شيبة، وحديث الحاكم في عرس فقط دون غناء.

[42] ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 2، ص 206، ط دار الريان للتراث الإسلامي.

[43] رواه أبو داود في سننه، ج 4، ص 281، ط دار الفكر، وابن ماجة في سننه، ج1، ص 611، ط دار الفكر.

[44] رواه النسائي في سننه، ج5، ص 309، ط دار الكتب العلمية.

[45] رواه البيهقي في سننه الكبرى، ج 5، ص 68، ط مكتبة دار الباز.

[46] هو محمد بن بكر الحنفي في كتابه البحر الرائق، ج 7، ص 88، ط دار المعرفة.

[47] المبسوط للسرخسي ج 16، ص 41، ط دار المعرفة

[48] حاشية ابن عابدين ج 4، ص 322، ط دار الفكر.

[49] البحر الرائق لمحمد بن بكر الحنفي، ج 3، ص 86، ط دار المعرفة، وحاشية ابن عابدين، ج 3، ص 9، ط دار الفكر.

[50] حاشية ابن عابدين ج 5، ص 482، ط دار الفكر.

[51] حاشية ابن عابدين ج 6، ص 348، ط دار الفكر.

[52] حاشية ابن عابدين ج 5، ص 482، ط دار الفكر.

[53] كفاية الطالب لأبي الحسن المالكي، ج 2، ص 565، ط دار الفكر.

[54] سورة المؤمنون، الآية: 115.

[55] مواهب الجليل لعبد الرحمن المغربي المالكي ج 4، ص 9، ط دار الفكر.

[56] مواهب الجليل لعبد الرحمن المغربي المالكي ج 153، ص، 9 ط دار الفكر.

[57] التاج والإكليل للعبدري المالكي ج 2، ص 62، ط دار الفكر.

[58] التاج والإكليل للعبدري المالكي ج 2، ص 62، ط دار الفكر.

[59] لسان العرب، ج 1، ص 762، يقال: رفع عقيرته إذا غنى الصب؛ وفي الصحاح: غناء الصب ضرب من الألحان؛ وفي حديث السائب بن يزيد: كان رباح بن المغترف يحسن غناء النصب، وهو ضرب من أغاني العرب، شبيه الداء؛ وقيل: هو الذي اخكم من التشييد، واقية لحنه ووزنه.

[60] التمهيد لابن عبد البر، ج 22، ص 196، 197، ط وزارة عموم شئون الأوقاف والشئون الإسلامية.

[61] التمهيد لابن عبد البر، ج22، ص 198، ط وزارة عموم شئون الأوقاف والشئون الإسلامية.

[62] مغني المحتاج للخطيب الشربيني ج 2، ص 111، ط دار الفكر.

[63] سورة لقمان، جزء من الآية: 6.

[64] مغني المحتاج للخطيب الشربيني ج 4، ص 428، ط دار الفكر.

[65] رواه أبو داود في سننه، ج4، ص 282، ط دار الفكر، ورواه البيهقي، موقوفا على ابن مسعود، في سننه الكبرى، ج 10، ص 223، ط مكتبة دار الباز

[66] سبق تخريجه.

[67] المهذب لأبي إسحاق الشيرازي ج 2، ص 326، 327، 328 ط دار الفكر.

[68] الوسيط لأبي حامد الغزالي ج 7، ص 351، ط دار السلام.

[69] حاشية البجيرمي، ج 4، ص 375، ط المكتبة الإسلامية.

[70]حاشية البجيرمي ج 1 ص 169 ط المكتبة الإسلامية.

[71] حواشي الشرواني ج 1، ص 466، ط دار الفكر.

[72] مغني المحتاج للخطيب الشربيني ج 4، ص 428، ط دار الفكر.

[73] سبق تخريجه.

[74] سبق تخريجه.

[75] أبو بكر هذا، هو ابن عبد العزيز، أحد أئمة المذهب الحنبلي، وليس أبو بكر الصديق، وذكره بعد الحديث يوهم ذلك.

[76] الكافي لابن قدامة، ج 4، ص 526، 527، ط دار المكتب الإسلامي.

[77] كشاف القناع للبهوتي ج 6، ص 422، ط دار الفكر.

[78] المغني لابن قدامة، ج 10، ص 174، 175، ط دار الفكر.

[79] رواه أحمد في مسنده، ج 3، ص 254، ط مؤسسة قرطبة.

[80] الكافي لابن قدامة، ج 4، ص 526، 527، ط دار المكتب الإسلامي.

[81] كشاف القناع لابن إدريس البهوتي ج 6، ص 422، ط دار الفكر

[82] المحلي لابن حزم (9/60) ط المنيرية.

[83] سورة المائدة، جزء من الآية: 4.

[84] سورة يونس، الآية: 59

[85] الإحياء: كتاب السماع ص 1152، 1153.

[86] لسان العرب، ج 9، ص 244.

[87] سورة الإسراء، الآية: 64.

[88] تفسير الطبري، ج 15، ص 117، ط دار الفكر، ونقل قول مجاهد أيضا القرطبي في تفسيره، ج14، صفحة 52، ط دار الشعب.

[89] أخرجه ابن حبان في صحيحه، ج 13 ص 185، ط مؤسسة الرسالة.

[90] أخرجه البخاري في صحيحه، ج 4، ص 1469، ط دار ابن كثير.

[91] رواه الترمذي في صننه، ج 5، ص 620، ط دار إحياء التراث العربي بيروت، وابن حبان في صحيحه، ج10، ص 231، ط مؤسسة الرسالة.

[92] ذكره أبو بكر الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 8، ص 10، ط دار الريان للتراث، وقال بعد أن ذكره: ” قلت: روى ابن ماجه طرفا من أوله رواه الطبراني وفيه عبد الله بن أبي الزناد، وفيه ضعف، وبقية رجال إحدى الطريقين رجال الصحيح..

[93] رواه أحمد في مسنده، ج 5، ص 268، ط مؤسسة قرطبة وهو جزء من الحديث رقم 22361.

[94] سبق تخريجه.

[95] البحر الرائق، ج 7، ص 88، ط دار المعرفة.

[96] كفاية الطالب لأبي الحسن المالكي، ج 2، ص 565، ط دار الفكر.

[97] حاشية الدسوقي، ج 2، ص 337، 338، ط دار الفكر.

[98] مواهب الجليل لعبد الرحمن المغربي المالكي ج 4 ص 7 ط دار الفكر.

[99] سورة لقمان، الآية: 6.

[100] المزر بالكسر ضرب من الأشربة قال ابن عمر رضي الله عنهما هو من الذرة. (مختار الصحاح 1/260)

[101] البربط: العود، أعجمي ليس من ملاهي العرب فأعربته حين سمعت به. التهذيب: البربط من ملاهي العجم شبه بصدر البط، والصدر بالفارسية بر فقيل بربط، وفي حديث علي بن الحسين: لا قدست أمة فيها البربط، قال: البربط ملهاة تشبه العود، فارسي معرب. (لسان العرب 7/258)

[102] المهذب لأبي إسحاق الشيرازي ج 2، ص 327، ط دار الفكر.

[103] إعانة الطالبين للسيد البكري الدمياطي، ج 2، ص 249، ط دار الفكر.

[104] مغني المحتاج ج4، ص 429.

[105] الوسيط لأبي حامد الغزالي، ج 7، ص 350، ط دار السلام.

[106] أخرجه عبد الله بن مسلم في ” تأويل مختلف الأحاديث “، ج1، ص 295، ط دار الجيل بلفظ: ” أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال “.

[107] سبق تخريجه.

[108] سبق تخريجه

[109] المغني لابن قدامة، ج 10، ص 173، 174، ط دار الفكر.

[110] الفروع لابن مفلح، ج 5، ص 236، 237، ط دار الكتب العلمية.

[111] الفروع لابن مفلح، ج 5، ص 236، 237، ط دار الكتب العلمية.

[112] فتاوى الشيخ جاد الحق نقلا عن موقع إسلام أون لاين باب الفتاوى في فتوى حكم الكوبة والمعازف.

[113] سورة الإسراء، الآية: 36.

[114] سورة الإسراء، الآية: 36.

[115] من واقع مقالات على الإنترنت من موقع إسلام أون لاين www.islam-online.net مقال مدخل عن إسلامية الفنون بقلم: د/ أسامة القفاش.

[116] مختار الصحاح، ج 1، ص56.

[117] لسان العرب، ج4، ص 473.

[118] أخرجه مسلم في صحيحه، ج 3، ص 16560، دار إحياء التراث العربي.

[119] أخرجه البخاري في صحيحه، ج 5، ص 2220، ط الثالثة دار اليمامة.

[120] أخرجه البخاري في صحيحه، ج 5، ص 2220، ط الثالثة دار اليمامة.

[121] أخرجه البخاري في صحيحه، ج 5، ص 2221، ط الثالثة دار اليمامة.

[122] أخرجه البخاري في صحيحه، ج 2، ص 742، ط الثالثة دار اليمامة.

[123] أخرجه البخاري في صحيحه، ج 3، ص 1179، ط الثالثة دار اليمامة.

[124] البحر الرائق لمحمد بن بكر الحنفي، ج2، ص 29، ط دار المعرفة

[125] بدائع الصنائع لعلاء الدين الكاساني، ج 5، ص 126، ط دار الكتاب العربي.

[126] الموسوعة الفقهية الكويتية من موقع مؤسسة “حرف” على الإنترنت حرف التاء www.al-islam.com.

[127] التمهيد لابن عبد البر، ج 1، ص 301، 302، ط وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلامية.

[128] نفس المصدر، والصفحة.

[129] روضة الطالبين للإمام النووي، ج 7، ص 335، 336، ط المكتب الإسلامي.

[130] نفس المصدر، والصفحة.

[131] مغني المحتاج للشربيني، ج3، ص 247، ط دار الفكر.

[132] نفس المصدر، الصفحة 248.

[133] الفروع لابن مفلح، ج 1، ص 311، ط دار الكتب العلمي.

[134] شرح العمدة لابن تيمية، ج4، ص387، 388، ط مكتبة العبيكان.

[135] المغني لابن قدامة، ج7، ص215، 216، ط دار الفكر.

[136] حيث عرض الدكتور يوسف القرضاوي هذا الموضوع في ” الإسلام والفن ” عرضا وافيا. ثم قال – مرجحا: ” فالأرجح قصر التحريم على المجسم، وأما صور اللوحات المسطحة على الورق، أو الجدران، أو الخشب ونحوها، فأقصى ما فيها الكراهية التنزيهية، كما ذكر الإمام الخطابي، إلا ما كان فيه غلو وإسراف، كالصور التي تباع بالملايين ونحوها. ويستثنى من المجسم المحرم: لعب الأطفال. من الدمى والعرائس والقطط والكلاب والقرود ونحوها، مما يتلهى به الأطفال، لأن مثله لا يظهر فيه قصد التعظيم، والأطفال يعبثون بها. ودليل ذلك حديث عائشة أنها كانت تلعب بالبنات (العرائس)، وإن صواحب لها كن يجئن إليها فيلعبن معها. وكان الرسول الكريم يسر لمجيئهن إليها.

[137] في رسالة «الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي».

[138] الإسلام والفن للدكتور القرضاوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *