تداعم الإسلام والديمقراطية

  • المحاضرات
  • مارس 6, 2020

توطئة:

لعل من أهم المعضلات التي ظلت تواجه البشر منذ القِدم معضلة تنظيم الاجتماع البشري بمختلف جوانبه. ومع استمرار المعفلة استمر العقل البشري في محاولة حلها من خلال تقديم اجتهادات عدة متتالية ربماكان من أهم سماتها- الايجابية- التطور عبر الزمن و— السلبية- الافتقار للنظرة الشمولية، وأحيانا، التناقض الداخلي. ولم يكن تنظيم الاجتماع البشري هما بشريا فحسب بل ظل أيضاً مقصداً إلهيا ركزت عليه الرسالات السماوية المتتالية إلى البشر. وقد تراوحت العلاقة ما بين الاجتهادات والجهود ا البشرية من جانب والرسالات والمساعي الإلهية من جانب اخر، في ما يتعلق بتنظيم الاجتماع البشري، مابين التعاون والاقرار والتغافل والتباين والتعارض والتصادم والاقتتال.

ومن بين مختلف جوانب الاجتماع البشري التي يلزم تنظيمها، مثل تنظيم الجانب السياسي الأمر الأكثر ﺟﺫبا للاهتمام، وفي نفس الوقت، الأكثر اثارة للخلاف والجدل.ومن بين انظمة الحكم العديدةوالمتباينةالتي بلورتها / جربتها البشرية برزت الديمقراطية في العصر الراهن باعتبارها النظام الأكثر جاذبية لدى عامة الناس وخاصتهم الا قليلا وان لم تكن ﻛﺫلك دائما في العصور الماضة حتى عند النخب الثقافية والفلسفية التي عنيت بالتنظير السياسي.

 

أولاً : مفهوم الديمقراطية:

تتعدد وتتباين مفاهيم الديمقراطية وخاصة مع تباين التصورات أو السيطرة الكلية للوجود / الاجتماع البشري و- أحياناً كثيرة- مع تباين الأهواء والمصالح الخاصة وبينما يعود بعض هذا التباين إلى تباين، العقول وتباين، زوايا وخلفيات النظر فان بعضه الأحر بعكس، أساسا، ميل، البعض إلى تبرير لو ترويج تصوراتهم / أهوائهم وأن من خلال تحريف أو تشويه مفهوم الديمقراطية، وعادة ما يلجأ هؤلاء إلى تبني إما مفهوم انتقاصي للديمقراطية إن تعذر الجمع بينها وبين تصوراتهم / أهوائهم وإما في المقابل مفهوم انتقائي يتيح الجمع بينها وبين تصوراتهم / أهوائهم، وقد يدعى بعضهم التطابق الكامل بين الديمقراطية وتصوراتهم أصواتهم بينما يحاولون الايهام بالانفصال التام بينها وببن ما سوى تصوراتهم / أهوائهم على نحو ينم عن رغبة دفينة في الاستئثار بالديمقراطية وايثار تصوراتهم / أهوائهم دون غيرها بما للديمقراطية من جاذبية وشرعية يقرهما ويهفوا اليهما السواد الأعظم من الناس.

وبدون الدخول في محاولة الاستقصاء وتقييم المفاهيم المتعددة للديمقراطية، نحسب انه يمكن تحديد المفهوم الموضوعي والمجرد للديمقراطية، من منظور قيمي، وطبقي، بأنه ” تشارك الناس، أفراداً وشعوباً وتنظيمات ودولاً، في تداول وتقرير وإدارة أمرهم العام أو المشترك وخاصة السياسي في حرية وعلى قدم المساواة “.

ويتضح من هذا المفهوم:

  • تأسس الديمقراطية على مراعاة قيمتين أساسيتين هما الحرية والمساواة وتعنى الديمقراطية بالقيم الاخرى، كالعدل والحق، فقط بقدر علاقتها بقيمتي الحرية والمساواة.
  • تنظم الديمقراطية جانبا من الاجتماع البشري واليس كل جوانبه ومن الواضح أنه ليس للديمقراطية شأن بها ليس أمرا عاما أو مشتركا.
  • مقتضى الديمقراطية هو رفض استبداد البعض بالأمر العام / المشترك أو بأمر الآخر ورفض اللامساواة التي تخل بالاشتراك في تقرير الأمر العام / المشترك.
  • علاقة أي من التصورات الكلية بما فيها الليبرالية والاسلام والماركسية والمخ بالديمقراطية تحددها مواقف هذه التصورات من تشارك الناس في تقرير الأمر العام / المشترك في حرية ومساواة ومن – ضمنياً الاستبداد واللامساواة وموقف الديمقراطية عن أٌسس وثوابت تلك التصورات.

 

ثانياً: تقييم الديمقراطية:

لعل من المتفق عليه على نطاق واسع ان الديمقراطية هي أفضل نظام حكم طورته البشرية. ولا احسب ان المقام يستدعي استعراض ما للديمقراطية من محاسن ومفاخر ليس فقط لان هذا المحفل الكريم في غنى عن مثل ذلك وانما أيضاً لأنه لم تعد اشكالية الديمقراطية، في هذا العصر، هي الشك في أو إنكار محاسنها وإيجابياتها بقدر ما هي تضخيم البعض لتلك الايجابيات أحياناً لدرجة الالتهاء بها عن ضرورة الاهتمام الفعال بتطوير الديمقراطية وأحياناً لدرجة الافتتان بالديمقراطية على نحو يدفع إلى محاولة فرضها ولو عن طريق “فتوحات ديمقراطية” تعيد للأذهان سير الفتوحات الدينية التي كلفت البشرية كثيرا، ولجوء البعض الآخر إلى “النفاق الديمقراطي” القائم على الاحتفاء المبالغ بتلك الايجابيات ظاهرا أو نظريا وتجريد الديمقراطية منها باطنا أو عمليا بدوافع ولأغراض شتى .

إن الإقرار بأن الديمقراطية تمثل نظام الحكم الأفضل لا يعني بالضرورة أنه ليس للديمقراطية عيوب أو نقاط ضعف، بعضها جوهرية. بيد أن هذه العيوب كثيرا ما يساء تحديدها اساسا۔ إذا ما تجاوزنا تعمد التشويه احيانا- إما بسبب سوء إدراك مفهوم الديمقراطية والخلط بينه وبين مفاهيم اخرى وثيقة الصلة كالليبرالية وإما بسبب الغفلة عن اهمية التمييز بين جوهر الديمقراطية وتجاربها التطبيقية على انه ولأسباب شبيهة وربما بذات القدر الذي يخطئ به البعض تحديد عيوب الديمقراطية يخطئ البعض الآخر تحديد امتيازات وايجابيات الديمقراطية. وعلى سبيل المثال، كثيرا ما يميل البعض، وخاصة في العالم الاسلامي وربما فيما يسمى بالعالم الثالث عموما، إلى تحميل الديمقراطية كل عيوب المجتمعات الغربية الديمقراطية بينما – في المقابل يعجز البعض الآخر عن التمييز الدقيق بين ايجابيات الديمقراطية وانجازات التصورات الكلية المصاحبة لبعض تجارب الديمقراطية كالليبرالية والرأسمالية.

كذلك يتطلب التحديد الدقيق والعملي لعيوب أي نظام أو تصور سياسي ما التمييز بين العيوب التي تعكس قصورا في فلسفة وفكر أو تنظير ذلك النظام وببن العيوب أو – بالأحرى الاشكالات العائدة إلى ما يفرضها الواقع أحياناً من قيود قاهرة على تنفيذ أو تطبيق ذلك النظام. اذ ليس من الحكمة الخلط بين عيوب جوهرية وعيوب اليس كذلك بالضرورة. ومن امثلة النوع الاخير من العيوب الانتقاد الذائع لنيابية الانظمة الديمقراطية، فصحيح ان النيابية عيب كبير له مضاعفات سلبية عديدة وينبغي استمرار البحث في سبل معالجتها ولكن ليس من الموضوعية أفراد الديمقراطية بذلك العيب كما لا يبدو صائبا اعتباره- كما يحاول البعض تصويره۔ عيباً جوهريا في الديمقراطية طالما ان من المعلوم ان الديمقراطية لا تشترط النيابية ولا تمانع بل تسعى لان تكون ما أمكن ديمقراطية مباشرة ولكن القيود الواقعية والعملية التي يتعذر التغلب عليها على الاقل في الوقت الحالي هي التي تفرض اللجوء إلى النيابية.

ومع ذلك تبقى للديمقراطية عيوب اساسية معدودة يتعذر تبرئتها منها وان كان يكفي الديمقراطية امتيازا وفخرا أن عيوبها معدودة. ومن تلك العيوب:

  • المعيار الذي تحكم به الديمقراطية على مدى مشروعية / صواب القرار العام أو التشريع القانوني هو اساسا معيار شكلي أو اجرائي يقضي باعتبار القرار التشريع مشروعا أو صائبا فقط إذا صدر عن اغلبية أو اجماع أو موافقة الجهة المفوضة. ولا تشترط الديمقراطية، في حد ذاتها، لمشروعية القرار أو التشريع معايير مضمونية، أي تتعلق بمضمون القرار أو التشريع، سوى بعض القواعد المستمدة من، اساسا، قيمة الحرية وإلى حد ما، قيمة المساواة. وعلى اهميتهما الكبيرة فان قيمتي الحرية والمساواة وخاصة بمفهوميهما المعيبين الشائعين في الفكر الديمقراطي لا تكفيان لترجيح ما إذا كان مضمون قرار أو تشريع ما يعد صائبا صالحا أم لا.

و لعل مما يبعث على التفاؤل ان وجود أدراك متنام لجسامة هذا العيب قد دفع إلى العمل على معالجته من خلال اشتراط التزام القرار التشريع الديمقراطي بمراعاة عدم تعارض مضمونهما مع مضامين القانون الطبيعي و- لاحقا. مع مضامين بعض الوثائق المحلية (كالدستور) أو الدولية (كالمعاهدات والعهود الدولية لاستكمال شرعيته. بيد ان من الواضح ان هذا الاشتراط- أولاً – ليس مستمدة من الديمقراطية بقدر ما هو مفروض عليها للحد من عيوبها و- ثانياً ۔ يعيبه غموض فكرة أو مفهوم القانون الطبيعي والخلاف الواسع حول مضامينه وكون الوثائق المشار اليها تتقرر وتعدل أو تلغي الزاميتها أو مشروعيتها في النظام الديمقراطي بذات المعيار الديمقراطي الشكلي المعيب.

  • تفترض الديمقراطية ان البشر يقررون أو يشرعون ديمقراطيا ما هو صالح (لهم) أو ما يتعين أو ينبغي اتباعه بغض النظر عما اذا كان صالحا أم لا ولذلك يتعين ترك سلطة التقرير التشريع للبشر، ومما يعيب هذا الافتراض إغفاله للأثر السلبي لمحدودية المعرفة البشرية عموما وخضوع البشر، افرادا وجماعات، عادة السلطان الهوى على صلاح القرار أو التشريع البشري، ولا يخفى خطل وخطورة اطلاق القول بلزوم اتباع القرار أو التشريع البشري أو غير البشري) وان كان غير صالح، وبينما لا تنكر الديمقراطية ان صلاح اي قرار أو تشريع يتطلب المعرفة الكافية بالموضوع محل القرار أو التشريع وما يتعلق به والتجرد الكامل من سلطان الهوى في اصدار القرار أو التشريع الا انها لا تقدم الدعم تحرر القرار أو التشريع البشري من سلطان الهوى البشري ومن اشكالية محدودية المعرفة البشرية سوى ما تفترضه من ان من شأن آلية توازن المصالح في النظام الديمقراطي كبح سلطان الهوى أو آثاره السلبية وما تراه- بحق – من ان من شأن الحرية اثراء المعرفة البشرية.
  • ضعف اهتمام الفكر الديمقراطي بتأمين متطلبات ومقومات فعالية الديمقراطية على المستوى العملي، فمع أن من المؤكد أن نجاح وفعالية الممارسة الديمقراطية يعتمدان كثيرا على طبيعة البيئة التي تتم فيها الممارسة بما فيها البيئة التعليمية والثقافية والخلقية والاقتصادية والاجتماعية الا ان الديمقراطية لا تشترط تنظيرا ولا تؤمن عمليا خلق أو إيجاد أو الحفاظ على البيئة الأكثر تناسبا لإنجاحها وتعظيم فعاليتها وكفاءتها، وعلى سبيل المثال بينما الديمقراطية تتأسس فكريا على مقولة ان الناس في الاصل متساوون وأحرار و- في نفس الوقت لا تنكر بانه قد تم ويتم عملية الإخلال بالمساواة والحرية الاصليتين الا انها ليس فقط لا تفعل الكثير لرفع أو منع ذلك الاخلال بل تسهم نظريا وعمليا في تفاقم ذلك الاخلال بمبدأيها وقيمتيها الأساسيتين اي الحرية والمساواة. ففشل الديمقراطية في تقديم مبرر نظري أو اساس فكري مستمد من فلسفتها لضبط الحرية الاقتصادية حتى لا تمس قداسة الحرية في ما تقدر تؤدي بالضرورة إلى الإخلال بالمساواة وتقود في النهاية إلى احتكار السلطة الاقتصادية و- بالتالي السلطات الاخرى وبحيث لا تعد الحرية نفسها قيمة بل سلعة رخيصة تباع (من قبل المحرومين) وتشترى (من قبل الموسرين) وتقع الديمقراطية ذاتها عمليا تحت طائلة الاحتكار، وبالمثل بينما فعالية المشاركة، قوة ونوعا واستمرارية، من قبل عموم المواطنين ضرورية لتامين فعالية واستقامة الديمقراطية لا تقدم الديمقراطية كثيرا لتفعيل مشاركة المواطنين بل تؤكد حرية المشاركة وعدم المشاركة على السواء ربما اعتمادا على افتراضها بان من شان آلية الاستفادة من المشاركة والتضرر من عدم المشاركة كفيلة بالدفع إلى المشاركة وهو افتراض معيب نظريا واثبت عدم كفاءتها عمليا الواقع المتدني للمشاركة في الانظمة الديمقراطية.

ونتيجة لما تمهد ذكر بعض أمثلتها من العيوب الكامنة في التنظير الديمقراطي، وليس الممارسة، كان طبيعيا أن تسفر التجارب الديمقراطية عن شواهد عملية عديدة على:

  • الفشل في منع الاستبداد من قبل انظمة برلمانات ديمقراطية أو بمباركة منها وأحيانا، وفق اجراءات ديمقراطية.
  • القصور أحياناً عن – كما يفترض في الديمقراطية- حسن تمثيل الارادة العامة وحسن التعبير عن رغبات ومواقف الجمهور أو اكثريته والاسهام الفعال في توجيه الموارد المتاحة إلى ما يحقق المصلحة العامة والمتوافقة أكثر مع المبادئ العامة المتفق عليها دولياً ومحليا.
  • تكريس نخبوية- بدلاً عن جماهيرية – الحكم وأحياناً من نخبة لا تمثل الأكثرية.
  • محدودية النجاح في تحقيق الشفافية الكافية وتأمين عقلانية القرارات والتشريعات الديمقراطية وفي منع فساد | المسئولين الحكومة.

 

ثالثاً: علاقة الإسلام – الديمقراطية:

العامل الأساسي، وربما المحدد، في بيان مدى وطبيعة علاقة كل من الإسلام والديمقراطية ببعضهما هو مفهوم المرء للديمقراطية وفهمه للإسلام، وحيث تتباين مفاهيم الديمقراطية، على نحو ما سبقت اليه الاشارة، كما يتعدد ويتباين فهم الناس للإسلام، على النحو المعلوم، لم يكن بد من أن تتباين بل وتتعارض أحياناً التصورات السائدة لعلاقة الإسلام – الديمقراطية، وتتراوح ما وقفنا عليه من تصورات لهذه العلاقة ما بين نفي وجود أي علاقة بين الإسلام والديمقراطية، واقرار وجود علاقة بينهما ولكن مع التشديد على تعارض الديمقراطية والاسلام وضرورة اقصاء كل منهما للآخر، أو القول بجواز الجمع بينهما تكتيكاً أو مرحليا أو بشروط، أو التأكيد على عدم تعارض الديمقراطية والاسلام وإمكان وبه عند البعض – وجوب / افضلية الجمع بينهما.

وفي الامكان الوقوف على تفاصيل حجج كل فريق أو موقف من مظانها المعروفة بغرض التقييم التفصيلي الها وهو ما لا يتسع له مثل هذا المقام، بيد أن مما يمكن قوله هنا بإيجاز حول علاقة الإسلام الديمقراطية اعتمادا على المفهوم المذكور سابقا للديمقراطية وبناء على أن المعني بالإسلام هنا – فيما يلي هو البيان الشرعي أي نصوص القران الكريم وصحيح السنة:

– من الواضح تماما انه إذا ما افترضنا ان دينا ما هو من عند الله جل جلاله وان المراد به هو بالضرورة اصلاح البشر لا يعد مقبولا أو سليما منطقيا أو عقليا القول بانه ليس لهذا الدين شان بإصلاح الاجتماع البشري! فمثل هذا القول لا يخلو من سوء فهم وسوء تقدير ان لم تقل انتقاص۔ واضح لقدر الله سبحانه وتعالى إذا ما اخذنا في الاعتبار ما أصبح معلوما بالضرورة، بفضل تطور المعرفة البشرية، بان من السذاجة وضعف النظر الفصل بين اصلاح الانسان واصلاح الاجتماع البشري أو الظن بانه يمكن استكمال اصلاح الانسان دون، أو مع اغفال، اصلاح الاجتماع البشري، وحيث ان اصلاح الجانب السياسي من الاجتماع البشري جزء لا يتجزأ من اصلاح الاجتماع البشري فان القول بانه ليس الإسلام علاقة بتنظيم الشأن السياسي أو الحكم. وبالتالي الديمقراطية. يتعارض مع التسليم بان الإسلام دين إلهي.

نحسب ان المرء، حتى وان لم يكن يسلم بان الإسلام دين إلهي، لو أحسن النظر في الإسلام (البيان الشرعي) بموضوعية وتجرد وبدون موقف أو رأي مسبق تمليه هوى أو مصلحة غالبا ما تغنيه معاني الإسلام ومقاصده الكلية، عن البحث عن نصوص معينة من البيان الشرعي، في ادراك مدى اعتناء الإسلام بإصلاح الاجتماع البشري بمختلف جوانبه بما فيها الجانب السياسي، وقد تكفي هنا الاشارة إلى انه اذا لم يكن دارس الإسلام يحتاج إلى كثير تمعن لتبين تبني الإسلام العدل ركنا من أركان التوحيد وتنصيبه له قيمة حاكمة ومقصدا اعلى في سائر علاقات هذا الوجود فانه لا يبدو مقبولا منطقيا الزعم بان هذا العدل لا يشمل العدل السياسي أو الزعم بان الإسلام وإن اهتم بالعدل الشامل بما فيه العدل السياسي إلا أنه أغفل الأداة الأساسية لتحقيق هذا العدل في الاجتماع البشري أي تنظيم السلطة / الحكم، وحيث أن تنظيم السلطة / الحكم هو الموضوع الاساسي للديمقراطية لا يعد هناك مبرر عقلي مقبول لنفي العلاقة بين الإسلام والديمقراطية بينما ثبت تقاطعهما موضوعا أي اشتراكهما في الاهتمام بذات الموضوع.

وإذا ما تأكد، في ضوء ما تمهد، وجود علاقة بين الإسلام والديمقراطية فان طبيعة هذه العلاقة يحددها موقف الإسلام مما سبقت اليه الاشارة من أٌسس الديمقراطية وموقف الديمقراطية من أٌسس الإسلام المتعلقة بالشأن العام أو المشترك وخاصة تنظيم السلطة السياسية / الحكم.

 والذي يتأمل في موقف الإسلام من الحرية والمساواة، ومن نقيضيهما: الاستبداد واللامساواة، ومن إدارة الشأن العام المشترك لا يسعه إلا أن يقر بالانسجام والتوافق الملحوظين بينه وبين موقف الديمقراطية من ذات المسائل، و- مرة اخرى لا يتسع المقام لتفصيل القول في ذلك ولا لتناول الاعتراضات والشبهات ذات الصلة.

وصحيح ان الموقفين ليسا متطابقين ولكن ليس من العسير- أولاً ۔ تفهم ذلك اللاتطابق في ضوء الاختلاف الواسع ما بين المصدر البشري للتنظير الديمقراطي والمصدر الإلهي للتصور الاسلامي وثانياً ۔ تبين ان هذا اللاتطابق يأتي لصالح تداعم الإسلام والديمقراطية وتكامل الفقه / الفكر السياسي الاسلامي والفكر الديمقراطي وليس، كما ذهب البعض، لصالح القول بتعارض أو تناقض الإسلام والديمقراطية.

              ولن يخطئ المراقب الموضوعي ملاحظة وجود تنام ملحوظ في اتجاه إقرار إيجابية علاقة الإسلام بالديمقراطية ليس في أوساط جمهور المسلمين فقط وانما أيضاً في أوساط الناشطين الاسلاميين، ولا ينبغي ان يشكل على مثل هذه الملاحظة وجود تنام أيضاً في اللجوء إلى استخدام القوة والعنف في أوساط بعض الناشطين الاسلاميين، فصحيح أن هذا العنف قد ارتكب جرائم ممقوتة يدينها الشرع قبل العقل وان من مرتكبيها من يرفضون الديمقراطية وخاصة في شكلها الغربي بيد انه ليس من الصواب القول بان ذلك يمثل موقف، أو يحظى بدعم، جمهور الناشطين الاسلاميين أو جمهور المسلمين كما أنه ليس من الموضوعية تعميم القول بان هذا العنف موجه كليا أو حتى اساسا، كما يحاول البعض تصويره، ضد قيم الحرية والديمقراطية والحضارة واغفال انه جاء في بعض حالاته دفعا لاستبداد أو عنف محلي أو خارجي أو تنفيسا عن شعور عميق بالظلم والغبن، وبالمثل لعله من الخطأ تفسير تنامي اتجاه اقرار ايجابية علاقة الإسلام بالديمقراطية في العالم الاسلامي على انه مجرد استسلام أو مجاراة للضغوط الدولية أو المحلية أو انه يمثل خروجا على الإسلام أو تطويعا غير مشروع لنصوصه من قبل – كما قد يسميهم البعض- الحداثيين أو الليبراليين أو – كما قد يسميهم البعض الاخر- الانهزاميين، ولعل الاقرب للواقع هو ان تنامي اتجاه اقرار ايجابية علاقة الإسلام بالديمقراطية هو حصيلة عوامل وتطورات عدة اسهمت في تطور فهم المسلمين للإسلام وشجعت على التحول الايجابي في مفهومهم للديمقراطية.

وإذا اتضح وجود تنام ملحوظ في اتجاه اقرار ايجابية علاقة الإسلام بالديمقراطية فان مواكبة هذا التطور والحرص على دعمه يستدعيان من الدراسات النظرية التحول في تناول موضوع علاقة الإسلام – الديمقراطية من المقاربات التقليدية التي تمحورت حول نفي أو اقرار هذه العلاقة وحكم كل من الإسلام والديمقراطية في الآخر والجدال حول تعارضهما إلى البحث عن اوجه وفرص استفادة الديمقراطية والمجتمعات الديمقراطية من الإسلام واستفادة المسلمين والفقه والفكر الاسلاميين من الديمقراطية كما طورها الغرب.

وقد لا يكون القول بإمكان استفادة الفقه الاسلامي والمسلمين من الديمقراطية محل إنكار ممن يقرون بإيجابية علاقة الإسلام الديمقراطية بيد ان من هؤلاء من قد يستنكر أو يستغرب القول بإمكان استفادة الديمقراطية والنظم الديمقراطية المعاصرة من الإسلام أو القول بإمكان اسهام الإسلام في تقويم الديمقراطية.

 

رابعاً: تقويم الإسلام للديمقراطية:

لا يجد من له معرفة كافية بالإسلام والديمقراطية صعوبة في تبين ان الإسلام يمكن أن يقدم اسهاما مقدرا في معالجة الكثير من أوجه قصور الديمقراطية وبما يعظم من كفاءة الانظمة الديمقراطية وفعاليتها بدون الاخلال بجوهر الديمقراطية، وصحيح ان الإسلام لا يقدم حلولا نهائية وقاطعة لكل أوجه قصور أو عيوب الديمقراطية ولكن من شأن المقارنة الموضوعية أن تكشف ان الإسلام يقدم من المقومات والاساليب والاليات والضوابط التي يمكن أن تساهم بفعالية في الحد من تلك العيوب وفي تعزيز وتقويم الديمقراطية عموما اكثر مما تقدم التصورات الكلية الاخرى السائدة كالليبرالية والماركسية.

ولغرض التوضيح يمكن الاشارة فيما يلي إلى بعض ما يمكن أن يسهم به الإسلام في دعم وتعزيز وتقويم الديمقراطية سواء على مستوى التنظير الفلسفي أو مستوى التطبيق العملي، ويمكن تبين فرادة بعض هذه الاسهامات بمقارنتها بنظيراتها من اسهامات التصورات الكلية الاخرى:

مستوى التنظير الفلسفي:

فلسفيا تقوم الديمقراطية على. كما سبق الذكر التأكيد على أصالة قيمتي الحرية والمساواة وضرورة تأسيس نظام الحكم عليهما والاحتكام اليهما في ممارسة الحكم، ومما يسهم به الإسلام في دعم وتقويم هذه الفلسفة:

  • دعم تأكيد أصالة قيمتي الحرية والمساواة واضفاء الشرعية الدينية عليهما
  • تقويم الاساس القيمي للديمقراطية عن طريق:
    • اعادة صياغة مفهومي قيمتي الحرية والمساواة على نحو يثري ويقوم مفهوم الفكر الديمقراطي لهما.
    • دعم قيمتي الحرية والمساواة بقيم اخرى لا تقل اصالة واهمية عنهما ولا تستقيم الحرية والمساواة ولا نظام الحكم القائم عليهما في غيابها أو اغفالها، وفي مقدمة تلك القيم قيمة العدل.

المستوى العملي:

يقدم الإسلام جملة من الاسهامات التي من شأنها تقويم الممارسة الديمقراطية عموما من خلال:

  • تقويم مختلف عمليات الممارسة الديمقراطية بما فيها:
    • عملية التقرير والتشريع.
    • عمليات التطبيق بما فيها عملية اختيار الهيئات والسلطات والمسئولين وعملية تنفيذ القرارات والتشريعات وعملية المراقبة والمحاسبة
    • خلق/ إيجاد أو دعم البيئة الانسب لاستقامة الممارسة الديمقراطية.

     ومن تلك الاسهامات:

عملية التقرير والتشريع:

  • دعم المعيار الديمقراطي الاجرائي / الشكلي بمعيار مضموني، فالإسلام يقر المعيار الاجرائي الذي تتوقف عليه شرعية القرارات والتشريعات في النظام الديمقراطي ولكنه، وتوخيا لرشاد وعقلانية واستقامة القرارات والتشريعات الديمقراطية، يعزز هذا المعيار الاجرائي بمعيار مضموني يستلزم لاستكمال شرعية تلك القرارات والتشريعات عدم مخالفة مضامينها للقيم والأحكام التي اكد الإسلام على وجوب الالتزام بها وعدم مخالفتها، وتأتي أهمية هذا المعيار المضموني في أن من شأن مراعاته والالتزام به الحد مما لا يمنعه المعيار الاجرائي فقط من احتمالات تنكب القرارات والتشريعات الديمقراطية الرشاد والعقلانية.
  • توفير معلومات وتوجيهات ارشادية من شأن استهداء سلطات التقرير والتشريع بها سد بعض ما قد يكون هناك أحياناً من نقص خطير فيما تتطلبه سلامة بعض القرارات أو التشريعات الديمقراطية من معرفة ومعلومات قد لا تتوافر للعقل البشري أو يتعسر عليه التيقن منها أو يغلب عليه اغفالها بحكم ما هو معلوم من محدودية معرفته وقابليته للخطأ والانسياق وراء الهوى.
  • تأمين قدر أكبر أو مستوى أعلى من الفصل بين السلطة التشريعية والسلطات الاخرى التنفيذية والقضائية، فالإسلام يوزع السلطة العامة السياسية على أساس:
    • اختصاص الله بسلطة التشريع الأساسي والذي يحدد المبادئ والموجهات العامة وبعض الأحكام الأساسية التي تنظم وتحكم علاقات الانسان بالله وعلاقاته بأخيه الانسان وعلاقاته بالكون.
    • اختصاص البشر عموما بسلطة التشريع الابتدائي والسلطتين التنفيذية والقضائية.

وليس من العسير إدراك ما يمكن ان يحققه هذا الفصل الملموس، والذي يجرد البشر من سلطة التشريع الأساسي، من ايجابيات تأتي في مقدمتها:

  • كبح جماح الفئة الأقوى والحد من فرص استغلالها للسلطة التشريعية، والتي عادة ما تكون تحت سيطرتها أو نفوذها، سواء في النظام الديمقراطي أو النظام اللاديمقراطي، لإضفاء الصبغة القانونية أو الشرعية على أعمالها واطماعها الاستبدادية سواء ضد الأقليات المحلية أو الفئات الضعيفة أو ضد شعوب ودول اخرى أضعف شأنا.
  • الحد من احتمالات تبني الشعوب أو الانظمة القرارات أو تشريعات اساسية ضارة بالبشر اتباعا للهوى أو جهلا بحجم وخطورة آثارها.

عمليات التطبيق:

من اسهامات الإسلام في دعم الممارسة الديمقراطية، قدرة الإسلام على الإسهام في رفع مستوى مشاركة القاعدة المجتمع المدني واعضاء ومسئولي المؤسسات الديمقراطية كل فيما يليه من مهام ومسئوليات تتعلق بعمليات حسن تطبيق الديمقراطية، ويتوسل الإسلام لرفع مستوى المشاركة بدعمه لحوافز المشاركة التي يوفرها اصلا النظام الديمقراطي، والتي كشفت التجارب الديمقراطية عن عدم كفايتها وخاصة على المستوى القاعدي، بحوافز واجراءات اخرى ذاتية ذات طبيعة دينية، ومن تلك الاجراءات والحوافز.

  • تخويل المواطن المكلف سلطة المشاركة، بما فيها المشاركة السياسية، في اصلاح المجتمع، فبموجب نصوص الشرع يملك كل مواطن مكلف سلطة انكار أي اعوجاج، سياسي أو غير سياسي، في المجتمع كله وبالتالي، في النظام الديمقراطي ومؤسساته أيضاً كما له سلطة حث الأفراد والجماعات والمؤسسات والمسئولين فيها على الالتزام بالواجبات والمهام المناطة بهم دينيا أو دستوريا أو قانونيا أو عرفا، وحيث ان هذه السلطة المخولة من الله مباشرة للمواطن المكلف لا تقبل شرعا النزع أو الالغاء، وإن كانت تقبل التنظيم، فان من شأن ذلك أن يحمي الحق القانوني للمواطن في المشاركة السياسية من محاولات تقنين نزعها أو تقليصها بمبرر أو اخر.
  • جعل المشاركة ليس مجرد خيار مرغوب، كما هو عادة في النظم الديمقراطية، وانما واجبا دينيا يتعين على المسلم الحرص على اتيانه كحرصه على اتيان شعائره التعبدية
  • ترتيب جزاء رباني لا يتخلف ابدا على الموقف من المشاركة حيث يثاب الشخص أن شارك مشاركة ايجابية ويعاقب آن تقاعس كسلا أو اهمالا أو شارك مشاركة سلبية.

إيجاد/ دعم البيئة الايجابية

يعد غياب البيئة الايجابية، كما سبقت الإشارة، أحد أهم اسباب افراغ الممارسة الديمقراطية من معانيها ومقاصدها الايجابية لتصبح ممارسة شكلية قد لا تقل أضرارها على منافعها، ولذلك فان ما يمكن ان يقدمه الإسلام من اسهام في ايجاد أو دعم البيئة الايجابية للنظام الديمقراطي يكتسب أهمية كبيرة خاصة وان هذا الاسهام يأتي شاملا للبيئة بشقيها المعنوي والمادي.

ويسهم الإسلام في تحسين البيئة المادية للنظام الديمقراطي من خلال حرصه على منع تمركز السلطة، بمختلف انواعها واشكالها. ويعد منع تمركز السلطة أحد أهم الشروط الاساسية لنجاح الديمقراطية لأن في تنامي تمركز واحتكار السلطة افساد محقق للديمقراطية، فاحتكار السلطة بخلق بين من يحتكرها ومن يفتقر اليها هوة واسعة وعميقة لا تقوى الديمقراطية على تجسيرها والربط بين حافتيها (طرفيها) وربما بدلا عن ذلك، هوت إلى أسفل قاعها فلا يعد هناك من جسر لعبور تلك الهوة سوى بجسر الاستبداد والطغيان أو جسر الثورة.

و لما للمال من دور في حياة الانسان واثر على نفسه فقد برزت السلطة المالية كأقوى سلطة وغالبا ما يفضي احتكارها إلى احتكار السلطات الأخرى، بما فيها السلطة السياسية والسلطة الاعلامية والسلطة العسكرية، أو اخضاعها لنفوذها، وادراكا لهذه الحقيقة يعطي الإسلام اهمية خاصة لتوزيع المال بين مختلف افراد وفئات المجتمع ضمانا لتوزيع وبسط السلطة المالية ورفضا ومنعا لتمركزها أو احتكارها وتحوطا ضد ما قد يؤدي اليه تمركز أو احتكار السلطة المالية من تمركز أو احتكار السلطات الاخرى ايضا، ولا يتسع المقام لتفصيل القول عن نظام واليات توزيع الإسلام ليس للمال والسلطة المالية فقط وانما أيضاً لسائر الموارد والسلطات، وقد سبقت الاشارة، مثلا، إلى بعض ما يتبناه الإسلام لتوزيع السلطة العامة السياسية.

وبالإضافة إلى اسهاماته في تحسين البيئة المادية، والذي تشاركه فيه بقدر تصورات كلية اخرى، | يولي الإسلام اهمية خاصة، وفريدة في بعض جوانبها، لتحسين البيئة المعنوية الثقافية للنظام الديمقراطي وذلك من خلال ايجاد وتنمية اطر خلقية وشعورية وروحية ومفاهيمية وعقدية ادعي مما سواها لاستقامة الممارسة الديمقراطية وتنقيتها من كثير من الشوائب والعيوب التي عادة ما تصاحبها وتقلل من كفاءة وفعالية وبالتالي، جاذبية النظام الديمقراطي.

وفي تكامل وانسجام يميزان الاسلام، تتضافر مختلف النظم الاسلامية، بدءا بالنظام العقدي ومرورا بالنظام الشعائري التعبدي والنظام الخلقي والتربوي وغيرهما وانتهاء بالنظام السياسي، لخلق وتنمية البيئة المعنوية الانسب لاستقامة وتفعيل الممارسة الديمقراطية، ولا يدخل ضمن اهتمام هذه الورقة تتبع تفاصيل ذلك بيد انه قد يكون من المستحسن ذكر بعض الأمثلة:

  • على المستوى المفاهيمي والعقدي: مما عني به الإسلام على هذا المستوى اعادة صياغة وتشكيل ليس فقط ثقافة ومفهوم السلطة والحكم وانما أيضاً سائر الثقافات والمفاهيم العامة الأساسية والمؤثرة على سلوك الإنسان السياسي بما يساعد على تعزيز وتقويم الممارسة الديمقراطية، وقد تبدو بعض الثقافات والمفاهيم عديمة أو ضعيفة الصلة بالسلطة والحكم ولكنها في الواقع تؤثر على الديمقراطية بدرجة أو اخرى من خلال تأثيرها على السلوك السياسي، وعلى سبيل المثال فقط يمكن الاشارة هنا إلى الأثر السلبي لما تروج له التصورات الكلية الأخرى من مفاهيم للسعادة توهم البشر بان الوصول اليها يتطلب اطلاق العنان للشهوات مما يدفعهم، طلبا للسعادة إلى التركيز على اشباع تلك الشهوات فيسخرون له مواردهم الخاصة التي غالبا ما لا تكفي لإشباعها لأنها لا تشبع اصلا. فيميلون إلى توظيف كل ما قد يصلون اليه من الموارد والسلطات العامة بما فيها السلطة السياسية لإشباع ذات الشهوات بما فيها شهوات المال والسلطة والشهرة والجنس و. الخ وهو ما يترتب عليه بالضرورة الفساد السياسي الذي يفسد الممارسة الديمقراطية، في المقابل، نجد ان الإسلام يتبني ثقافة ومفهوما مغايرين للسعادة يؤكدان على ان سعادة الانسان تكمن في رضي الله وان الطريق إلى هذه الرضي تمر عبر الزهد في الشهوات والاكتفاء بالإشباع العقلاني لها وتجنب الطرق غير المشروعة في تحقيق ذلك الاشباع العقلاني وهو ما يمكن ان يسهم في دفع المواطنين والمسئولين المسلمين، أو بعضهم، إلى الزهد ليس فقط في توظيف السلطة السياسية لإشباع شهواتهم وانماء احيانا، في السلطة السياسية نفسها باعتبار أنها يمكن أن تتحول إلى شهوة فتقل بذلك لديهم دوافع الفساد السياسي بينما تتعزز دوافع الطهر السياسي فتتوافر للديمقراطية فرص اكبر للنجاح والاستقامة.
  • على المستوى الخلقي. التربوي: يركز الإسلام علي اعتماد النظام الخلقي – التربوي موجها وضابطا اساسيا لسلوك الافراد والجماعات ولكن بدون اغفال أو اهمال الضوابط الأخرى، ولأنه ينبع من الذات يعد الضابط الموجه الخلقي- التربوي اكثر فاعلية في توجيه وضبط السلوك، بما فيه السلوك السياسي، من الضوابط الاخرى الخارجية مثل الضابط القانوني والضابط العرفي، وبينما الديمقراطية، والممارسة السياسية عموما احوج ما تكون إلى مثل هذا الضابط الذاتي فانه لا الديمقراطية في حد ذاتها ولا التصورات الكلية الاخرى السائدة التي قد تختار تشكيل وتوجيه البيئة العامة للديمقراطية من مثل الليبرالية والماركسية بقادرة على ان ترتقي مرتقي الإسلام في القدرة على تعزيز هذا الضابط الذاتي كما ونوعا وتجذرا وانتشارا في المجتمع وبما يحقق الالتزام الذاتي بتزكية الممارسة الديمقراطية.

 

خامساً: دعم الديمقراطية للإسلام:

كما يساهم الإسلام في تعزيز وتقويم الديمقراطية على النحو الذي تمهدت الاشارة إلى بعض ملامحه، اسهمت وتساهم الديمقراطية، بدورها في دعم الإسلام وترسيخه على المستويين الفكري الفقهي والعملي وخاصة في النطاق السياسي.

على المستوى الفكري تمثل الديمقراطية تقدما كبيرا في الفكر البشري السياسي بالنظر إلى ما تدعو اليه من قيم ومبادئ الحرية والمساواة والتداول السلمي للسلطة والتي طالما قاومها الفكر البشري التقليدي تاريخيا، وحيث أن هذه القيم والمبادي تمثل بعض قيم ومبادئ الإسلام فان تبني الديمقراطية لها وترويجها لها في الفكر البشري لا شك يمثل دعما قيما وترسيخا للفكر الفقه الاسلامي الراشد وتقويما لما اعوج منه.

على المستوى العملي أيضاً قدمت وتقدم الديمقراطية دعما أكبر للإسلام من نواح عدة منها:

  • ابتكرت أو طورت الممارسة الديمقراطية نظما وآليات متطورة في مقدمتها النظم الانتخابية، ومأسسة السلطات العامة، والفصل العضوي بين السلطات، وتوقيت مدة ولاية السلطات، واشاعة حق الاقتراع العام وغير ذلك مما يمثل تجارب ثرة تفيد كثيرا في التطبيق العملي لما يأمر به الإسلام من تنظيم الأمر العام وممارسة الشورى السياسية.

ومن الحقائق التي يتعذر اغفالها أو انكارها ما يشهد به الواقع من ان كل تجارب الحكم الاسلامي التاريخية التي فشلت في حسن تمثل الشورى وتجارب الحكم الإسلامي المعاصرة التي فشلت في حسن تمثل الديمقراطية أثبتت فشلا مماثلا في حسن تجسيد الحكم الاسلامي وانتهت، حيث تدنت حظوظها من الشورى أو الديمقراطية عن الحد الأدنى منهما، إلى صراعات مسلحة داخلية شكلت وبالا على الإسلام والمسلمين.

  • يعد النظام الديمقراطي افضل انظمة الحكم المعروفة توفيرا للبيئة السياسية الأنسب لتمكن وتمكين الإسلام في المجتمع وتنافسه سلميا مع التصورات الكلية الأخرى على كسب عقول الناس وارادة الشعوب، ولعله من السنن التي تتضح اكثر فاكثر يوما بعد يوم ان الإسلام اقدر على كسب التنافس الحر السلمي منه على كسب الصراع الدامي مع أي تصور كلي أو كيان اخر وفي أي مجتمع كان، وربما كان ادراك هذه الحقيقة احد اسباب تردد البعض في اقامة ديمقراطيات حقيقية وحرص البعض الآخر على اقصاء العمل السياسي الإسلامي الوجهة، مهما كان سلميا وملتزما بالديمقراطية، من الممارسة الديمقراطية الكاملة.

خاتمة:

يتضح من محمل ما سبق مدى تضافر الأدلة والمؤشرات على ان الإسلام والديمقراطية، بمفهوميهما الموضوعيين السليمين، يتبادلان الدعم نظريا وعمليا على نحو يؤكد تكامل وتداعم اسلام الديمقراطية السياسي وديمقراطية الإسلام الاجتماعية ليس بسبب ان الإسلام والديمقراطية متطابقان أو متماثلان تماما ولكن بفضل انهما مختلفان اختلاف تكامل أكثر منه اختلاف تناقض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *