مستقبل المجتمع البشري

  • المحاضرات
  • مارس 6, 2020
  • استشراف المستقبل امر ضروري بقدر ما هو امر خطير، فهو ضروري لتبين مواقع الخطأ المستقبلية وتحديد الغايات التي تعين على توجيه النشاط الانساني نحو استكثار الخير المتاح وتقليل الاضرار المحتملة. وهو خطير لأنه دائما محفوف بالخطأ وما قد يبنى عليه من توجهات وتصرفات خاطئة.
    • 1 ومستقبل المجتمع البشري وثيق الصلة بمستقبل الكون اذ أن استمرار وجود المجتمع البشري مستقبلا رهن باستمرار وجود الكون، وبينما يتبع عن ذلك أن يصبح استشراف مستقبل المجتمع البشري أمرا لا معنى له بدون افتراض أن الكون سيبقى على الاقل لفترة الاستشراف، فان من ما يستحق التأمل اننا لسنا في وضع يسمح لنا بالتأكد ما إذا كان هذا الكون سيمهلنا۔ والمجتمع البشري حتى نكمل هذه الجلسة.
    • ويمتد مستقبل المجتمع البشري بين طرفين: الطرف الابعد وهو ما يحاول البعض التكهن به بينما يجادل البعض الاخر، أحياناً بعصبية، بانه محدد تماما ومعلوم يقينا والطرف الأدنى وهو ما يهتم الأكثرون وربما الكل بمعرفته يقينا والا فتقديرا.
    • والمنطلق الذي لابد منه، حتى الان، في أي محاولة لاستشراف مستقبل المجتمع البشري هو الافتراض بانه كما أن حاضر هذا المجتمع يبدو شبيها كثيرا بماضيه القريب في كثير من جوانبه فان من المرجح أن يأتي مستقبله ايضا شبيها بحاضره الذي هو قيد التشكل والتكون. ورغم أن هذه الفرضية لا سند لها غير الاستقراء المبني على الملاحظة لا يبدو أن في الامكان الاستغناء عنها، على الأقل حاليا، في أي محاولة لاستشراف مستقبل المجتمع البشري.
    • وصعوبة علمية اخرى هي صعوبة التكهن بالمحصلة النهائية للتفاعلات الجارية في المجتمع حاليا والتي سيتولد عنها الكثير من ملامح المستقبل. وتعزى هذه الصعوبة ليس فقط الى كون العناصر المتفاعلة من الكثرة والقابلية للتغيير ما يفوق قدرة الذهن البشري على تتبعها وانما ايضا الى أن الكثير من تلك العناصر يكتنفها الكثير من الغموض وأحياناً الاخفاء المقصود مما يجعل من الصعوبة بمكان التحقق من حقيقتها حاليا ناهيك عن التعرف على مستقبلها.
  • ومع الأخذ في الاعتبار ما سبق يمكن أن نورد النقاط التالية عن مستقبل المجتمع البشري وخاصة في ما يتعلق بالسلام والتنمية البشرية والحداثة والمواجهة بين الثقافات والتي تمثل المحاور الاساسية لهذا السمنار.
  • أن المسارات المستقبلية للسلام والتنمية البشرية والحداثة مرتبطة مع بعضها ارتباطا وثيقا. فالتنمية البشرية والحداثة عمليتان متكاملتان يتطلب تحقيقهما بيئة سلمية، وفي المقابل فان تكريس السلام يعتمد كثيرا على ما يتحقق من تقدم في مجال التنمية البشرية والحداثة.
  • ويبدو مستقبل السلم غير واعد بل كئيباً إذا ما اخذنا في الاعتبار عوامل كثيرة منها:
  1. استمرار عدد كبير من الصراعات المسلحة في إقلاق الأمن والسلم في انحاء مختلفة من العالم، ووفقا لبعض الاحصاءات العالمية* ظل المعدل السنوي للصراعات المسلحة الرئيسية في العالم خلال العقد الأخير والممتد بين عامي 1993 و2002 يتراوح بين 20 الى 30 صراعا مسلحا رئيسيا في السنة،
  2. تفيد ذات الاحصاءات أن الانفاق العسكري الكلي زاد خلال نفس العقد بنسبة 39% في الشرق الأوسط و30% في افريقيا و23% في اسيا. ومما قد يعنيه ذلك ترجيح أن على الأقل بعض أطراف الصراعات القائمة او المحتملة في تلك المناطق ستتمسك بالخيار العسكري او ستلجأ اليه في حسم صراعاتها.
  • التصاعد الكبير في التوتر الدولي خلال السنوات القليلة الماضية وسط تزايد عدد الصراعات المسلحة والهجمات العابرة للقارات والثقافات، والصراع على قيادة العالم، والخلاف على دور الأمم المتحدة وعلى مختلف القضايا الدولية، وتبادل التصريحات السياسية الاستفزازية، والترويج للمقولات الفكرية الصراعية، وتنامي الدور الدولي ومقدرات الجماعات المسلحة الصغيرة الحجم ولكن جيدة التنظيم، وتزايد احتمالات سوء استخدام التكنولوجيا والتي يمكن أن تكون أكثر تدميرا مثل الهندسة الوراثية والنانو تكنولوجي والذكاء الاصطناعي.
  1. IVبعض التحولات الجارية الدولية والمحلية مثل عمليات العولمة والحداثة والدمقرطة السريعة يرجح أن تتسبب في المدى القصير في زيادة التوتر الدولي والمحلي والذي قد يدفع في بعض مراحله الي تفجر صراعات مسلحة.
  • ولمجمل ما سبق فان الارجح هو أن يستمر، وقد يتدهور أكثر، لسنوات قادمة الوضع الحالي من الأمن المزعزع والسلم الهش، بيد أن من المعتقد فيه أن هذا الوضع لن يدوم للأبد او يستمر طويلا إذا ما اخذنا في الاعتبار بعض الحقائق والملاحظات والتي منها:
  1. عبر التاريخ، أظهر الأمن والسلم في المدى الطويل ميلا الى التحسن المضطرد، وأن كان بطيئا، رغم ما ظل يتخلل هذا التحسن من دورات تدهور مؤقت، و، مبلغ علمي، لا توجد اسباب كافية للاعتقاد بان التحسن المضطرد الأمن والسلام الدوليين ربما قد توقف او أن التدهور الحالي ليس نوبة مؤقتة.
  2. تنامي وعي الشعوب ودورها في الشئون العامة بما فيها تقرير قضايا الأمن والسلم وعلى المستويين المحلي والدولي، ومن المتوقع أن يتواصل نمو هذا الدور ويساهم تدريجيا في الحد من دفع الشعوب الى صراعات مسلحة غير ضرورية من قبل فئة قليلة من صناع القرار، ومن الواضح أن المجتمع الدولي بدأ يلعب دورا متناميا في تشجيع ودعم التسوية السلمية للنزاعات والصراعات الدولية والمحلية.
  • من شأن الزخم المتنامي الذي تكتسبه فكرة وعملية التنمية البشرية على مستوى العالم كله والتوسع المستمر لعمليتي التحديث والدمقرطة في الدول النامية والمجتمعات التقليدية أن يسفرا في المدى البعيد عن آثار ايجابية على الأمن والسلم الدوليين.
  • كيفما كانت المحصلة النهائية لما سبق ذكره من مجموعتي العوامل المتداخلة فان ما يغلب على الاعتقاد هو أن مستقبل المجتمع البشري سيظل رهنا اساسا بالإرادة الجماعية او السائدة لنفس المجتمع البشري، ويتيح ذلك الفرصة للحادبين على مستقبل المجتمع البشري لمحاولة الاسهام في جعل هذا المستقبل أكثر امنا وسلاما وتقدما وازدهارا وذلك اساسا من خلال – اولا- ترشيد وتسديد الارادة الجماعية و- ثانيا- تفعيل وتمكين الارادة الجماعية لتأمين سيادتها.
  • وتتطلب مهمة ترشيد وتمكين الارادة الجماعية توسلا إلى تحسين مستقبل المجتمع البشري اعمالا مختلفة نذكر منها في ما يلي بعض ما هو اوثق صلة بموضوع هذا السمنار.
  1. اعادة تحديد وتشكيل العلاقات ما بين الثقافات والحضارات من خلال تحسين تصورات الثقافات والحضارات عن الذات والآخر وازالة الجذور الثقافية للصدام والمواجهة بين الثقافات، ويتطلب ذلك، ضمن أمور أخرى، تشجيع الكل على اعادة النظر في المقررات المدرسية والجامعية والخطاب الإعلامي والديني بهدف تحريره من التصورات المحرفة والمعلومات الخاطئة عن الآخر.
  2. توسيع فهمنا وتعريفنا للسلام من خلال تغيير المفهوم السائد للسلام والذي يكاد يحصر السلام في بعده العسكري (السلام العسكري) بمفهوم اوسع يأخذ في الاعتبار مختلف جوانب وابعاد السلام.
  • اعادة تعريف مفهومي التنمية البشرية والحداثة. ومن بين الأسباب التي تستلزم اعادة تعريف هذين المفهومين يمكن أن نشير هنا إلى أن المجتمعات الغربية اساسا، التي تم تطويرها وتحديثها على اساس المفاهيم التي سادت / تسود حاليا للحداثة والتنمية البشرية بدأت تظهر وبشكل متزايد اوجه قصور رئيسية، وليس مجرد اعراض جانبية، تعود جذورها إلى طبيعة تلك المفاهيم التي سادت وتسود تلك المجتمعات، ومن بعض أهم المعايير التي تتعين مراعاتها في اعادة بناء مفهومي التنمية البشرية والحداثة الحاجة الى توسيع مفهوم التنمية البشرية والايمان ليس فقط بإمكانية وانما ايضا بفائدة تنوع/ تعدد الحداثة. وبإمكاننا الوصول الى فهم تقييم أفضل للحداثة والاسهام، من ثم، في ترشيد الحداثة بشكل أمثل فقط إذا ما أحسنا دراسة الحداثة وفق مناهج موضوعية نقدية على غرار ما يتعين فعله عند دراسة التراث والتقاليد.
  1. تعميق وتحسين تصورنا للمواجهة بين الثقافات واسبابها الجذرية، اذ لا يعدو التفسير السائد لهذه المواجهة على اساس فقط ثنائية الحداثة التقليد الشائعة أن يكون تبسيطا مخلا. وان التركيز المفرط على ما يزعم من حتمية التناقض والتصادم بين الحداثة والتقاليد غالبا ما ألقى بظلاله على اهمية إدراك امكانية التعايش والتواؤم المرن بينهما، وادي الى سوء تقدير التقاليد وربما محاولة التوظيف المغرض لها، وأعاق حسن تقدير الاسباب الاخرى المحتملة للمواجهة بين الثقافات، وعلى سبيل المثال يقال أن هذا البلد المشهور الان بصناعة السيارات كان قد تم نصحها في الخمسينات من القرن الماضي من قبل البنك الدولي بعدم الاتجاه الى صناعة السيارات فقط لان تقاليد الشعب الياباني لا تدعم. كما عم – مثل هذه الصناعة! وبالمثل عادة ما يفشل الكثيرون، نتيجة لتركيزهم المفرط على ثنائية الحداثة التقليد، في إدراك أن المعارضة التي تواجهها الحداثة في المجتمعات التقليدية لا تكون دائما بسبب التناقض بين الثقافة الحديثة والثقافة التقليدية وانه في حالات عدة يكون الدافع للمعارضة للحداثة هو ما لدي بعض المجتمعات التقليدية من ذكريات مريرة وتخوفات ذات صلة بتلك الذكريات التي ما زالت تحتفظ بها تلك المجتمعات تجاه المجتمعات التي تعتقد انها مصدر الحداثة التي يتم الترويج لها فيها.
  2. دعم السلام والتنمية البشرية والحداثة بالطرق السليمة والوسائل السلمية. فبالرغم من اهميتهما لحاضرنا المشترك ومستقبلنا المشترك فانه لا التنمية البشرية ولا الحداثة يمكن تكريسها او تحقيقها على النحو الأمثل باستخدام القوة، وان المحاولات التي تجري هنا وهناك بهدف. كما هو معلن۔ ادخال انماط معينة من الحداثة او الديمقراطية او العلمانية ليست الا تكرار سمجا لذات الاخطاء المنهجية للجماعات الأصولية التي تحاول ان تفرض بالقوة افكارها الدينية المتصلبة. وبالمثل فان قضية السلام لا يمكن الترويج لها فقط بالقوة المسلحة والاجراءات المالية، ويمثل بسط العدل ونشر ثقافة السلم بمفهومها الواسع والسليم بعض الشروط الضرورية، وان لم تكن كافية، لاستتباب وصوت السلم الدولي.
  3. تكريس السمة القانونية والبعد الديمقراطي والخلقي والشفافية في النظام الدولي، وبهذا الصدد فان المحاولات الجارية لتوسيع مجلس الأمن الدولي والنية التي أبداها مؤخرا السيد سكرتير عام المتحدة لإصلاح المنظمة الدولية تستحق الدعم ويتعين توجيهها نحو تحقيق المزيد من دمقرطة الأمم المتحدة وتعزيز وتفعيل دورها الايجابي، وينبغي أن تكون تلك الجهود مشفوعة بجهد أكبر لتعزيز دور الشعوب ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في ادارة الشأن العام الوطني والتفاعلات الدولية.
  • واخذا في الاعتبار القيم والتقاليد العديدة المشتركة بين الشعب الياباني وشعوب العالم الاسلامي فان خبرة اليابان الثرة في مجالات التحديث والتنمية البشرية ومؤخرا- السياسات ذات الوجهة السلمية يمكن تسليط مزيد من الأضواء عليها من خلال تنظيم نشاطات مشتركة ثنائية من مثل هذا السمنار وذلك بهدف الاستفادة من تلك الخبرة في توجيه ودفع عمليتي التحديث والتنمية البشرية وكذا التوجهات السلمية في العالم الاسلامي على نحو يساعد في تعزيز العلاقات بين اليابان والعالم الاسلامي وتجنيب العالم كله أي حدث مرعب محتمل من مثل ذلك الذي نكبت به ذات مرة هذا البلد الرائع في مدينتيها هيروشيما ونجازاكي وتامين مستقبل أفضل للمجتمع البشري اجمع.

شكرا كثيرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *