361- التَغْيِيْرُ

  • المقالات
  • فبراير 6, 2022

361- التَغْيِيْرُ 

الأحد 28 مارس 2021   

الدكتور 

عبد الملك بن منصور بن حسن المصعبي 

  • masabi@icloud.com
  • dr.masabi@gmail.com

     التغييرُ حركةٌ و إنتقالٌ ، وفي الحَركةِ بَرَكَةٌ ، و في الإنتقالِ  إرتيادٌ لِفَضَاءاتٍ جديدةٍ تعودُ على المُتَحَرِكِ بمتعةٍ  و خِبْرَةٍ  و مَعْلُوْمَةٍ جَديدَةٍ . 

    و غالباً لا يعودُ التغييرُ بعوائدَ سلبيةٍ سيئةٍ  ، ذلك لإن المُتَحَرك في أسوأ الأحوال إن لم يكسب فلنْ يخسر . 

   بل ربما في حالَةِ  قيامه بالحَركة  سيكون رَابِحَاً الربحَ في حَدِهِ الأدْنَى، وهو ما يعودُ على جسمه بحرقِ بعض ما إلْتَهَم ، وهي واحدةٌ من فوائد الحركة ، و واحدةٌ من أهداف الرياضة اليومية . 

      في كلِ تغيير  بواسطة الحركة و الإنتقال نُغَادِرُ أحوالاً إلى أحوالٍ  وحالاتٍ إلى حَالاتٍ  ومِزَاجَاً إلى مزاج. 

ليس ضرورياً للقبول بالتغيير أن يكون ما غادرناهُ سيئاً و ما إنتقلنا إليه طيباً ، إذْ مُجرد الحركة و الإنتقال وحدهما غايةٌ ،  الوصولُ إليها نافعٌ و لو لم تكن معه فائدة حسيِّةٌ . 

     و التغييرُ إما أن يَفْرِضَ نفسه  نتيجةً لتَظافر و تعاضد و تعاون مجموعة من الظروف التي هيأتْ للتغيير طريقَ وصوله و أوجدتْ له ظروفَ ظهوره .

    و إما أن نسعى إليه و نطلبُهُ و نُخَاطِبُهُ و نخطبُهُ ، و لكلا الحالتين قيمةٌ و ثَمنٌ و سعرٌ .

    أما قيمةُ التغيير فهي تلك المبادئُ التي نعتزُ بها و نتمَيَزُ بها و لا نتنازلُ عنها ، و التي جاء التغييرُ ليُكَرسَها و يُعَمقها و يُوَطِدُها .

     و أما الثمن فهو ما صَرفناه من لحظات العمر لتحصيل ذلك التغيير و الوصول إلى الإمسَاكِ بناصيته.

     و أما السعرُ فهو المالُ الذي دفعناه  في عملية التحول و الإنتقال هذه . 

   و البعضُ – مُخْطئاً – يهتمُ بالمال ومقدار ما دفع إن قَلَّ فَرِحَ وربحَ  و إن كَثُرَ  تَألَمَ و خسرَ ، و لا يُلْقِي بالاً  للقيمةِ و الثمن رغم أهميتها في حسم قرار ما نستمر في السعي إليه  من عدمه . 

     إن التغييرَ مفيدٌ نافعٌ لإنهُ وَحْدَهُ يستطيعُ إدخالَ الألوانِ  المُبهجة على حياتنا .

    إن لِلمألوفِ  رَتَابَةً  قد تأولُ إلى كَآبَةٍ 

و التغييرُ بالإنتقالِ و الحَركةِ لا  يعني مخاصمة القديم المألوف  ، و إنما يعني  توسيعُ دائرة  الآثار  و ما يُحَالُ إلى قسم الأرشفةِ و الحِفْظِ  ، يستوي في ذلك المشاعرُ  الإنسانيةِ  أو أثاثُ البيتَ و أدوات الطبخ  و ثياب النوم و المنزل و الخروج . 

     و ما يُحَالُ إلى قسم الآثار و الإستيداع  يكونُ مُعَرَضاً للتلفِ و الهلاكِ ، فما سَلِمَ من تلفِ الاستعمالِ لا يسلم من تلفِ الإهمالِ ، يستوي في ذلك المشاعرُ الإنسانيةُ  و الأثاثُ و الملابس .

     لذلك يجبُ أن نُخَصِصَ  وقتاً مِنْ فترةٍ إلى فترة  نُمَرِرُ  فيه كَفَ الحنانِ على تلك المشاعرِ  و الأشياء  ، فينقشعُ عنها تُرابُ الهُجْرَان  ويَزُولُ غُبَارُ الأزمان .

     إننا بذلك نحتفظُ بالأشياء و المشاعر و نحرمُ العَوَاذلَ و الدُودةَ التي تأكلُ الصُوفَ و تُتلِفُ الخشب من طَعامٍ  هي تَسْعَدُ به  و نحنُ نراهُ خُسْرَانَاً كبيراً . 

     الإنسانُ الرَشيدُ يتيحُ للتغيير أن يحدثَ في حياته الخاصة و العامة فهو بذلك يضمنُ أن يكون مَسَارُ التغيير في الإتجاه البناء ، لأنه إذَا  لَمْ يُبَادرْ إلى فعلِ ذلك بقرارٍ من ذاته سيأتيهِ التَغييرُ  و لَنْ يستأذنْهُ . 

     و في حالةِ مجيئ التغيير بدون قرارٍ من داخلِ الإنسان تكونُ النتائجُ فيها السلبي الضار أكثرُ من الإيجابي النافع . 

       لن يُتاحَ  للإنسانِ  أن يبقى كما هو  فتلك خاصةٌ من خصائصِ  الجَمَاد ، فلا يَدومُ حالٌ أبداً إلا حَالُ الجمادِ فقط . أما المخلوقات المُتَحركةُ فالتَغيُرُ و التَغييرُ طبعٌ  طَبعها اللهُ تعالَىٰ عليه ، بل و جعلَهُ قانوناً حتمياً يحكمُ حياة الأحياء المتحركين .

      بل لقد ربطَ اللهُ تعالَىٰ  تقدمَ الإنسان في فضاءاتِ التقدمِ و الإرتفاعِ إلى الأعلى و طلبِ المعالي و العُلا بالحركة و الانتقال و التغيير .

     و قد جعلَ اللهُ تعالَىٰ أطيَبَ النتائجِ  نتيجةً مرتبطَةً  بمقدمةٍ واحدةٍ هي إرادةُ التغيير . 

     فمَنْ أرادَ التغييرَ وسعى إليه سيتَلَقى ما يُحبُ عَذْبَاً شَهِيَاً ناجِزَاً للإستمتاعِ به جَاهِزَاً . 

     و لَمَا كان التغييرُ  لا  يستلزمُ بالضرورة أن يكون الى الأفضل فإن الإنسانَ  الرشيد يضبُطُ للتغييرِ بَوصَلَتَهُ و لا يدعُهُ يسيرُ كما يهوى  بل يرسمُ لَهُ مَسَارَهُ ليكون في المآلِ و النتيجةِ خيراً عاقبةً .

     يرتقي  بالإنسان في سماواتِ التألقِ ليَعْلُو من عَالِمٍ  إلى أكثرِ  عِلمَا إلى جَهْبَذٍ   ، و دائماً  هو رافعٌ لِشِعَار :

”  فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا  ” طه 114

      و مهما حَصَّلَ من العلم  و حقق  فيه أعلى الدرجات و أرفع الشهادات  فهو يعلمُ أن العلمَ بحرٌ لا آخرَ لَهُ و لا  حَدَّ  و لا نهاية ، فهو يستزيدُ و لا يشبعُ من العلم و لا يكتفي و لا يرتَوي . 

  ” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا  ” الإسراء 85

       و المتطلعُ الى النتائج الجميلة من التغيير   يجعلُ التغييرَ  مَسْلَكَاً دائماً فلا يأتي عليه وَقتٌ  يقولُ فيه لِنَفسهِ : أما الآن فَلْنَتَوَقَف و نستريح ،  فالتغييرُ حركةُ دائمةٌ دائبة لا نهايةَ لها،  ولا حَدٌ يحدُها و  لا ميعادٌ لها تتوقفُ عنده . 

     حتى إذا تَقاعَد الإنسانُ عن العمل العام لبلوغه سنَ التقاعدِ فإنه لا يستريحُ من التغيير و التطوير  و قد يتحَوَلُ إلى مستشارٍ في التغيير بحكم علمه و سنه و كبيرِ تجربته ،   يستشيرهُ الماضون بحماسٍ عن الدرب الذي سبقَ له أن سلَكَهُ ، فيدلُهم على مجاهيله ، و يفكُ لهم رموزَهُ و يُجَلِي لهم غموضَهُ . 

     فيكون بذلك عاملاً كبيراً في التغيير من أجل التطوير . 

     و لَمَّا كان التغييرُ و التطويرُ  إذا تركز على قطاعٍ محددٍ سيُصيبُ بقيةَ القطاعات بالإعتلال  ، فإن الإنسانَ الرشيد يجعل التغيير و التطويرَ في حياته و حياة مَنْ يُحبُ متوازناً  بحيثُ ينهضُ عقلُهُ و روحُهُ و بَدَنُهُ معاً  في إتزانٍ و تَوازنٍ  و تَزَامنٍ  . 

     و  من الحكمة أن يُبَكرَ الإنسانُ الرشيدُ الى التخطيط لحياته و يُشرك معه في هذا التخطيط المهمِ أحبَابَهُ الذين يهمهم أمرُهُ ، و بالأخصِ  اللَصيقِيْنَ به من الأصول ( أم أب ) و الفروع ( البنات و الأبناء ) و رفيق الدرب و شريك الحياة ( زوجة وزوج) .

       الخطةُ المسبقةُ و إن كانت بعيدة الآماد فهي تعود بأحسن النتائج ، و تحقق الشَرَاكةَ في إطار البيت الواحد بحيث يشعرُ الجميعُ بأهميتهم في الحياة الجماعية . 

       لَقدْ  وضعَ  اللهُ تعالَىٰ في كيانات مخلوقاته المتنوعة  قانوناً  وجعله سُنَّةً كونيةً و هو قانون التدرج .

        أن التدرجَ يجعلُ التنفيذَ ميسوراً لأي مهمةٍ و إن كَبُرَتْ ، فَلنَتَدَرَج مع أنفسنا و لنَتَجَرد من ضعفنا كما نتجردُ من بَالِي أحذيتنا.

      إن التدرجَ اسلوبٌ نافعٌ مأمونُ العَوَاقبِ فكلُ ما يَأتي فجأةً يحملُ معهُ الفَجْعةَ ، و المفجوعُ لا يتماسكُ و لا يَمْلِكُ رَدَ فعلٍ  معقولٍ . 

    إن التغييرَ  نحوَ الأفضلِ و الأنفعِ و الأرْشَدِ قَرارٌ دَاخلي لا يُمكِنُ أن يكون له نَفعٌ و لا إستمرار إذا فُرِضَ قَهْرَاً 

”  إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ” الرعد 11

    فالقَرارُ قَرَارُك فاتخذهُ الآن و اعزم على التغييرِ و التَغَيُرِ نحو الأفضل و الأنفع لك  ، الآنَ و ليس غداً ، الآن و لا تَتَلَفَتْ و لا تنظر الى الخلف . 

الدكتور 

عبد الملك منصور حسن المصعبي