364- التَعْبِيْرُ

  • المقالات
  • فبراير 6, 2022

364- التَعْبِيْرُ 

الأربعاء  31 مارس  2021  

الدكتور 

عبد الملك  بن منصور 

بن حسن المصعبي 

  • masabi@icloud.com
  • dr.masabi@gmail.com

        العُبُورُ:  الإنتقالُ  – مثلاً – من ضفةٍ إلى أخرى ، لذلك نُسَمِي الآلَةَ التي ننتقلُ بها و عليها ” عَبَّارَةً ” .

       و المَكَانَ الذي نَعْبُرُ منه ” مَعْبَرٌ ” ، 

و هو نفسُ الإستخدام للإجتياز حيث نُسمي مكان الإنتقال ” مَجَاز” ، و المكان الذي نجتازُ منه مكاناً إلى آخر نُسميه ” الجيزة ” حيثُ نُكرمها بتاء التأنيث التي تعني المبالغة و الإكثار  و الزيادة و البركة . 

     و من هذا القَبيلِ  مُحَاوَلَةُ العبورِ  بالرؤيا  التي شاهدناها في المَنَامِ الى واقعٍ  تقريبي من خلال ” التَعْبِيْر” الذي لا يُحْسِنُهُ و يُجيدُهُ إلا خَبيرٌ .

    حيثُ يقومُ الخبيرُ المُعَبِرُ بالعبورِ من ظاهر الرؤيا إلى باطنها ، و عُدَّتُهُ ما يَرَاهُ من حالٍ  ظاهر ٍ  و ما ينبني على الظواهر من أحوالٍ نفسيةٍ ترتبطُ بالضرورةِ بما يُرَى من الظواهر .

      فالثيابُ تدلُ على حال لابسها من حيث الفقر و الغنى  و مابينهما ، 

و الحالةُ الصحية لصاحب الرؤيا    ، و ما يمكن أن يُضافَ من معلومات عن عُمره  ، وَ وَظيفته ، و أقرانه  ، و حالةِ البَلَد عموماً .

    كلُ ذلك يُسَاعِدُ على الخروج برؤيةٍ للرؤيا ، وغالِبَاً تكون قريبةً من الحقيقة .

     و يمكنُنَا أن نستخدمَ كلمة 

” التأويل”  محلَ ” التَعْبِيِر ” ، لكن التأويلَ  يُقَالُ للرؤيا و غيرها  بينما التعبيرُ يَتَجِهُ مباشرةً الى الرؤيا. 

       و التعبيرُ أدواتُهُ كثيرةٌ :

  • بالكلام و هو ما يسعى الأحرارُ الى ضمانِ ان يكون الإنسانُ حُرَاً فيه ( حريةُ التعبير) و قد  نَجَحَ نضالُ المناضلين بإيصَال هذا الحق إلى أعلى درجات الإقْرَارِ به و ضمان حق كل إنسان أن يمارسه .  ومن أطرف ما قيل في هذا الصَدَدِ : حُريَةُ التعبير عن الرأي مضمونةٌ لكني لا اضمنُ لك الحريةَ بعد تعبيرك.
  • بالحركة بكل أنواعها.
  • بقَسَمَاتِ الوَجه و منه الكاريكاتير .
  • بالضحكِ و بالبكاء و مابينهما و يدخلُ فيه كلُ  أنواع التَمثيل  و المَسرح .
  • و بالرسم و هو نوعان: الرسمُ بالريشة و الرسمُ بالقَلَم  وفي هذا القسم يدخلُ كلُ ما يُبدعُهُ العقلُ من رَسمٍ ، بلا حدود و لا يمكن حصره ، و كل ألوَان الأدب الجَاد و الساخر و ما بينهما ،  و القصص الطويلة و القصيرة   و الروايات العَابِرَة للمعايير المُعْتَادة  .

    و إذا نَكَّلَ القاضي بشخصٍ  فقد  عَبَّرَ به ، أي جعلَهُ عِبْرةً  يَعْتَبِرُ بها مَنْ يَنوي الإقدامَ على مثلِ ما فعلَ ، فيكونُ فعلُ القاضي تأديبَاً لَهُ و زَجْرَاً لغَيْرِهِ . 

        لذلك تُعَدُ حريةُ التعبير واحدةً من الحريات الأساسية التي يتطلعُ الإنسانُ الى أن تُكْفَلَ  لَهُ في كل بيئآته  وأحواله . 

     لكن الإنسان الذي طالبَ له و لبني البشرية جميعاً بحرية التعبيرِ  حَكَمَ عقلُهُ الذي حَكَمَهُ بضرورةِ وَضعِ قيودٍ و ضَوَابطَ و شروطٍ و ضَمَانات .

     و هذه الإضافات  تَزِيدُ أو تَقِلُ من  ثقافةٍ الى أخرى ، و يؤثرُ في السِعَةِ و الضيقِ ما يُسَجَلُ و يُدَوَنُ في القانون .

    و القانون مستمَدٌ من الأديان السائدة في تلك المنطقة و من الإرث الثقافي و من العُرف  الذي بُني على مجموعة السَوَابق ، و من الحالة الإقتصادية  من غنىً و فقر . 

     و على ذلك فحريةُ التعبيرِ هي إمكانيةُ الإنسان أن يُعَبِر عن رأيهِ  بكل وسائل التعبير التقليدية و القديمة و المعاصرة و ما يمكن أن يستَجِدَ .

     جَاءَ في المادة 19 من الإعلان العَالمي لحقوق الإنسان :”  لكل فردٍ الحقُ في حرية الرأي و التعبير ، والذي يتمثلُ في تلقي الأفكار و الآراء و استقصائها و اذاعتها دون ادنى تدخلٍ او تقيدٍ بالحدود الجغرافية . 

       و على ذلك فلكل إنسانٍ أن : 

  • يُعبرَ عن وجهة نظره  و يُبيِنُ للناس ما يخطرِ لَهُ  من آراء و أفكار و مُقترحات .
  • بالمُشَافهةِ أو الكتابة أو غيرها من الرسائل المُشْرَعَةِ المَشْرُوْعَة . 
  • وله الحقُ في مناقشة أي قضيةٍ عامةٍ أو خاصةٍ  ، سَوَاءً بأن يبتدئ بالطرح أو يردُ و يناقشُ و يُحَاورُ غيرَهُ  . 
  • غايته و غيرُهُ تحقيق المصلحة العَامة التي يدخلُ فيها  ضمان المصلحة الخاصة  في إطار ضمان المصلحة العامة و ، فإذا ظهرَ تناقضٌ بين المصلحتين فالفيصلُ القضاءُ لا الطُغيانُ و الأهواءُ . 

     إن حريةَ التعبيرِ رُكنٌ أساسيٌ من الديمقراطية و بينهما علاقَةُ وجود ، فكلُ بيئةٍ تَخْنُقُ حريةَ التعبير لا يمكن أن تُوْصَفَ بالديمقراطية حتى و إن تَسَمَتْ بها و لَبْسَتْ لَبُوسَها.

      إن المجتمع الديمقراطي الصحي الصحيح  هو الذي تَقِلُ فيه القيودُ و يختفي التكميمُ الإجباري ، أمَا التكميم من أجل الجوائح فلا بأسَ به لأنه جِيئَ به دَفْعَاً للبَأس . و مع ذلك فإني أتمنى أن لا يطولُ بقاؤُهُ .

     إن إنطلاقَ الإنسان في فضاءات الإبداع و الإختراع و التألق يقتضي  إنتفاء الموانع و القيود .

    و اذا كان لابد من قيود من اجل المصلحة العامة فلابد أن يُصاحبها شفافيةٌ في التطبيق حتى لا يستغلها مستبدٌ لمآربه الشخصية . 

    و أصلاً لابد لهذه القيود و الضوابط أن تُقَرَ من برلمانٍ منتخب  مهما كانت عبقرية الذين كتبوه و  القائمين عليه ، فالعبقريةُ الحقةُ هي العبقريةُ الجَمْعِيَّة التي يملكُها حصرِيَاً البرلمانُ .  

     المجتمع الذي أنشدُهُ و أتمناهُ يضعُ الصحافةَ في موضع السمع و البصر للسلطات و الهيئاتِ الدستورية للشعب  ، ولذلك فالصحافةُ الحُرةُ  تُبْصِرُ  للسلطات الدستورية و تسمعُ  فتبقى تلك السلطات مُبصرةً طول الوقت  إضافةً الى عيون أعضاء البرلمان .

     و بذلك يكون النور و وضوح الرؤية هو السائدُ و هو القائد للشعب   ، فإن غابَتِ الشَفَافيةُ و أخواتها المُبصِرَاتُ سادَ العَمَىٰ  و التَزويرُ  و الغِشُ و الخِدَاعُ .

      هَيَّا إذن فلنُطلق كل طاقاتنا و قُدراتنا التعبيرية ولا نتردد  ، و لْنُقِمْ من ضَمَائرنا رقيباً علينا و نطلقُها كلمةً حُرةً لا تَسُبُ أو تشتم و لا تدين و لا تَتَهِمْ ، لكنها تقولُ خيرَ الكَلِمْ  و تنصرُ مَنْ ظُلِمْ  و تنشرُ ما عُلِمْ . 

الدكتور 

عبد الملك بن منصور بن حسن المصعبي