365- كَذْبَةُ ابريل

  • المقالات
  • فبراير 6, 2022

365- كَذْبَةُ ابريل  

الخميس 1 ابريل 2021  

الدكتور 

عبد الملك منصور حسن المصعبي 

  • dr.masabi@gmail.com
  • masabi@icloud.com
  • +1(949)299-6880

     فَشَا منذُ زمنٍ  تقليدٌ أعْوَجٌ  غَالِبَاً دافعُهُ التَفكُه و جَلْبُ البسمة ، وهو الضحكُ بكَذْبَةٍ يصنعونها جديدةً  و تُذاعُ بكل الوسائل المُتاحة عند بلوغِ الزَمنِ الأولَ من ابريل/ نيسان .

     و الحَقُ أن من حقِ المكدودِ أن يستريح ، و من حق مَنْ طحنته الأسعارُ  و وَضعتهُ في سعيرٍ  و مَرَارٍ ، و أصابَهُ منها  سُعَارٌ  لا يرحم  ، أن يستظلَ قليلاً تحت شجرة الطُرْفَة .

      في وقتٍ يرى الكثيرُ أن الإبتسامة الحقيقية قد غابتْ تحتَ رُكَامٍ  من فجاجةِ الحياة ، و تَوارتْ خَلفَ  حُجُبٍ ثِخَانٍ  من الفَجَايع . 

      فالباحثونَ عن شَرْبَةٍ بَاردَةٍ و هم تحتَ حَرِ الصحراء القاحلةِ الكَالِحَةِ  يجبُ ألا يلومهم أحدٌ من أولئك الذين يجلسونَ على الأرائك .   

      يتمتعون بالهواء البارد المُنَقَى بجهازِ التكييفِ و يمتَصُونَ على مَهَلٍ  ما لَذَّ و طَابَ من الماء العَذْبِ القُراح ، و الوانَاً من العَصَائرِ المَصنوعةِ تحتَ عين ِ خبيرٍ  نِحْرير.

     و إن كانتْ حُجةُ المُعترضين على كذبةِ ابريل هي ما في الكذب من قبحِ الوجه  و سُوء العَاقبة ، و فجأةِ الفَجيعة ، فَهُمْ على حقٍ في طَرحهم ، لكني ادعوهم الى الرأفةِ بالمحتاجين الى التخفيف عن النفس بالبسمة الى شيئٍ من الرحمة . 

      المحتاجُ الى الغذاء و الدواء لا يصحُ ان تكون مساعدتنا لَهُ بأن نُبْدي له ملاحظتنا على وجودِ شعرةٍ في لُقمته أو وسخٍ  في صحفتِهِ .

      فالجُوعُ لا يرحمُ و لا ينتظر تنظيراً ، الموقفُ الصوابُ و الرأيُ الذي لا يُعَابُ بدونِ ادنى ارتياب أن نُسَارِعَ بإيجادِ المخرجِ و البديلِ  مصحوباً بالحجةِ و الدليلِ . 

      لكي نضحكُ يجبُ أن نَنْتَقِي النُكْتَةَ ، فنحن نفعلُ ذلك في انتقاءِ غذائنا  فقبلَ ان نفتحَ الفمَ لنلهطَ نقرأُ المكتوبَ على السلعةِ لنفهمَ . 

    فالسلعةُ يَتَوَاصَى فيها الصانعُ و البائعُ على كتابة  المكونات و الرَدَات الجانبية و تاريخ الإنتاج و الإنتهاء ، من اجل ان يعلمَ المُسْتَهْلِكُوَنَ ما الذي عليه يُقْدِمون و ما الذي يَتَقُونَ . 

        واحياناً تكون النكتةُ تُضحكُ كلَ الإضحاكِ لكنها مُتَعلقةٌ بشخصٍ او قومٍ تَثْلبُهُم  ثَلْبَا  و تُوْسِعُهم سَبَاً .

      فهذه النكتة مثلَ  الفاكهةِ  التي ظاهرها مُغرٍ  يَشُدُ إليه أعيُنَ الجائعينَ 

فإذا فتحها ليأكُلَ الفَاهَا  مُتَعَفِنَةً .

     و يغدو الضَرَرُ أكثرَ  إذا كان أحدُ أبطال النكتةِ الذين عليهم تدورُ قصتُهَا حاضراً أو بعضُ مَنْ يَعْتَزُونَ به  إذ يَتحوَّلُ الموقفُ كلُهُ من الأُنْسِ الذي كانَ هدفاً الى ثأرٍ يُقسمُ المجروحُ على الأخذِ به .

      و ستكونُ النكتةُ عندَ ئذٍ  مُهَلْهَلَةَ المَبْنَى  سَخِيْفَةَ المعنى  عاليةَ التَكلفةِ ،  وقد تَتَسِعُ التكلفةُ لتشملَ خسَائرَ مادية وربما بشرية .

     و العَجَبُ  أن كثيراً من الناسِ لا يجدونَ الضحكَ إلا في نُكتةٍ مَكْذُوبَةٍ ،  بينما الراغبُ قويَ الرغبةِ في السعادةِ يجدها في الحقِ أكثرَ امْتَاعَاً  . 

     ربما مَرَدُ ذلك الى ما انطَبَعَ في الأذهانِ من ان الحقَ دائماً مُهَابٌ مُجَلَلٌ  ، و أن الضحكَ يخرمُ تلكَ المَكَانَةِ . 

      و هو انطباعٌ غيرَ صحيح ، فكم ضحكتُ مع مشائخي في الجوامعِ و الجَامعاتِ ثم فيما بُعْدُ مع طُلابي  من دون دخول عنصر الكذب و لَو قليلاً . 

     وصانعُ النكتة مسؤولٌ مسؤوليةً اوليةً في الإلتزامِ الدقيق بالمعايير الصارمة لفن النكتة  الهادفةِ الملتزمة  بقضايا الأُمَة . 

      كما إن  راوي النُكتةِ يتحَمَّلُ جُزْءَاً من المسؤلية ، إذ عليه أن يُجْرِي من التعديلاتِ ما يقتضيه المقامُ  ، و نوعية الحضور ، و العصر الذي تمُرُ به الأُمة ، بل و الأوضاعَ العامة المحلية و الإقليميةِ و العالمية.

     و لقائلٍ أن يقولَ  : معَ كل  هذه الشروط و الضَوَابط لن نستمتعَ بنكتةٍ ، و أُسَارِعُ الى التأكيد بإن  النكتةَ  الخاليةَ  من العيوب تفرضُ التفاعلَ معها فَرْضَاً ، ومَنْ شَكَ فليُجَربْ. 

      و من اجلِ ان نقدمَ لمجتمعنا شيئاً نافعاً فإنني أقترحُ  : 

      أن نحوِلَ الأولَ من ابريل/نيسان الى يومٍ فيه من الجِديَةِ النافعة و اللحظات الماتعة مَا يكفي لشغل النفسِ و احبابها بالصدق الجميل و المزاح المقبول  المادحِ لا القَادِح ، و الدعاءُ للنفس و احبابها بما يعودُ بالنفع العاجل و يُسَلِي خَاطرَ المُنْتَظرِ للقادمِ الجميل الآجل . 

     و إذا كنا مضطرين الى المشاركة بنكتة فعلينا ان نجعلَ حتى النُكتة تحملُ صفاتنا ، فنحنُ صادقونَ في الجليل و الصغير  و لا نتسامحُ مع الكذب ولو كان مِزاحا.

     و ذلك ينطلِقُ من قناعتي التامة بأن التسامح مع الكذبة الصغيرة اليومَ سَيَجُرُ المصائبَ غداً ، و في قصصِ الذين أُصيبوا بنتائج كذبة ابريل في انفسهم و أزواجهم و اموالهم و اعمالهم عِبْرَةٌ و مُزْدَجَرٌ .   

     ? اللُغَةُ:

يُنَكِتُ في كلامه : أتى بالمُسْتَمْلَحِ من القول ممايُضحكُ و تنبسطُ له النفسُ . 

نَكَتَ عليه : نَدَدَ به ، و عَابَهُ . 

النُكتَةُ النقطةُ السوداء في بياضٍ و العكس. 

النكتة مسألَةٌ تحتاجُ الى امعانِ تفكيرٍ لحَلها. 

الدكتور 

عبد الملك منصور حسن المصعبي