374- كُنْ لَطِيْفَاً

  • المقالات
  • فبراير 6, 2022

374- كُنْ لَطِيْفَاً 

السبت  10  إبريل  2021  

الدكتور 

عبد الملك منصور حسن المصعبي

  • masabi@icloud.com
  • dr.masabi@gmail.com
  • +1(949)299-6880

    هاتَفَنِي كما تعوَّدَ لكن صوتَهُ كان مُتَغيراً ، كأنما هو يتحدثُ من أعماقِ بئرٍ سحيقٍ بعيدِ القَاع ، قلتُ له : سلاماتٌ ماذا حدثَ لك ؟ 

    لو كنتُ أدري بإن سؤالي سيُفَجِرُ داخلَهُ بركاناً لَمَا سألتُهُ ، لكن تبين لي أن البركان كان قد إنفجرَ  بداخله قبلَ أن أسألَهُ  و لَمْ يأتِ سؤالي إلا لِيُمِيْطَ الغِطاءَ .

    سؤالي كان يُمْكِنُ لَهُ  أن يَرُدَ عليه بالردود التقليدية التي تعودنا عليها : أشكرك لإهتمامك ، ليس بي بأسٌ ، لعلَهُ من إرهاقِ العمل ، و نحوَ ذلك . 

     و  لكنه لِشِدةِ ضَيْقِهِ بحالِهِ تَدَفقَ شَلَالَاً من الشكوى ، قال أنه قد وَقَعَ في عظيمِ البَلوَى و أصابتْهُ شِدَةُ اللأوَاءِ  . 

      واخذ يُعَدِدُ الوانَاً و صُوَرَاً مما يعتبره كَوَارِثَ كَونيةً . شكى من زوجته ، و من أولادهِ ، الكُلُ لا يسمعُ له كلاماً ، و إذا طلبَ من أحدٍ طلبَاً لا يعمله و لا يعتذرُ .

     أما الزوجةُ فشامخةٌ مشغولة بعوالِمَ ليس لي فيها سهمٌ و لا نصيبٌ . تعيشُ معي لكنها على صلةٍ بالذين في شبكاتِ التَوَاصل اكثر من صلتها بي و بأولادها .

     حتى بنتها الكبيرة التي تعارفَ الناسُ أنها صديقةُ أمها إذا سألتُها أين ذهبتْ أُمكِ لا تعلَم ، ربما هي تعلَم لكن أوصتها  ألا تُخْبرني أو لا تعلم حقيقةً و في الحالين أنا الذي أشقى لكثرِ ما منهم القى .

     قال مع تنهيدة ٍ : يا صديقي أنا أخبرك بأخباري الخاصة لأنك صديقي الحبيب ، فارجوك لا تَحُسْ بأي حَرَجٍ و أشِرْ عَلَيَّ بما تراهُ مناسباً .

     ثم أردَفَ : لقد أصبحَ الإكتئابُ لَزيمي  ، و التشاؤمُ مُغْرَمَاً بي ، و الإنزواءُ هو المُفضلُ عندي ، و النَزَقُ رَفيقي ، و التأفُفُ سجيتي ، و اليأسُ هو الذي يحكُمُنِي.

     لم أكن كذلك من قبل ، لكن الآن كلُ ما كان حبيباً الى قلبي من العطور و الثياب  و المآكل لم يعدْ له عندي وزنٌ يُمكِنُ أن يُذْكَر . 

     قلتُ له :

  • زوجتك التي تتضايق منها أقترح عليك أن تذهب فوراً اليها و تقول لها : إنني أحمدُ اللهَ تعالى أن أكرمني بكِ شريكَةً لي في حياتي ، و بدونك لا أدري كيف كانت ستكونُ حياتي . 
  • قُلْ لها أنتِ عيوني التي أرى من خلالها العَالَم. و ذائقتي التي بها أتذوَقُ المطعومات و المشروبات ، و من خلالك و بك أشمُ الكونَ كله عطراً فَوَاحَاً. 
  • قل لها أنتِ أجملُ إمرأةٍ في العالم ، و اخبرها أنك مقتنعٌ بهذا تماماً و ليس مجاملةً .
  • و بنتك و ابنك إخبرهما  إنك تُحبهما بلا حدود و  أنكَ لا تريدُ مقابلَ حبك لهما أي منفعةٍ منهما. 
  • عامل زوجتك وإبنتك و إبنك كما تعاملُ أصدقائك  تماماً . و اعطِ لزوجتك و أولادك حقهم في أن يكون لكلٍ منهم خصوصيةٌ لا تريدُ أنتَ الإطلاعَ  عليها حتى لو رغبوا .
  • لا تفتشْ تلفون زوجتك ولا تلفونات أولادك ، وإذا جاءَ بريدٌ مُغْلَقٌ بأسمائهم فلا تَفُضُ المُغَلَّف . 
  • كلُ ما يودُونَ سترَهُ عنك فلا تفتشْ بعدَهُ . 
  • لا تُعَلِّي صوتك مهما كان الخلافُ ، وتذكر أن الذي يحُسُّ أن حجته ضعيفةٌ  يُعَوضُ النقصَ بالصياح.
  • أُدعُ زوجتك و أولادك الى فعلِ  الخيرات وخير اسلوبٍ للدعوة أن تكون أنت القدوة . فغيرُ معقولٍ مثلاً أن تبين لهم سوء عاقبة التدخين و أنت تدخن و لو سراً في الحمام . 
  • إعتمدْ اسلوبَ التمني ، فبدلاً من إصدار أمر : هاتي لي كذا ، قل : أتمنى أشرب من يديك كذا . 
  • تذكر أن كل خيرٍ و نعمةٍ أنت وزوجتك وأولادك تتمتعون به ليس لك أدنى فضلٍ فيه ، فالفضلُ أولاً و أخيراً للهِ تعالى ، فلا تُضفي على نفسك من صفات الإلوهيةِ شيئاً .
  • كن على تَذَكرٍ دائمٍ أنك في نعمةٍ كبرى ، فعندك زوجةٌ تحبك وغيرك ليس كذلك ، وعندك أولادٌ يحبونك و غيرك ليس كذلك . 
  • تذكر أنك تعيشُ مع مجموعةٍ  من الحَسَاسين الأذكياء ، لا تقل لنفسك يوماً لن يُلاحظوا ، بل كُنْ على يقين أنهم يعرفون عنك كل مساوئك لكنهم يسترون عليك و لا يحبون أن يحرجوك.

  قلتُ له لا تتضايق من نصيحتي الطويلة و لكن جربها و لن تخسر شيئاً، بل انا على يقين أنك ستربح ، و اقلُ الربح أن صدركَ سيرتاح  فالحبُ خيرُ مطهر لإلتهابات الصدر . فاعلن حباً لجميع  مَنْ في البيت بل و لحارس العمارة و لكلاب الشارع .

الدكتور 

عبد الملك منصور حسن المصعبي